رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد التحقق من البيانات المتاحة المنشورة منها وغير المنشورة، بين جهات عديدة معنية بموضوع السكان من عالمية وإقليمية ووطنية، أسست من خلالها قاعدة بيانات للأحجام السكانية في قطر وتطورها عبر 50 عاماً. وبخصوص البيانات الوطنية، فقد شملت نتائج التعدادات السكانية الشاملة والمساكن بين التعداد الأول في عام 1970 والأخير في عام 2020، وبين الإحصاءات الحيوية المنشورة للمواليد والوفيات وشاملة لبيانات الزواج والطلاق، وبيانات القوى العاملة التي ينشرها جهاز التخطيط والإحصاء بشكل دوري. ولا بد من الإشارة إلى جهود اللجنة الدائمة للسكان 2005، التي تقوم بدور كبير في نشر المعلومة السكانية للدولة، فهي تصدر على سبيل المثال، سلسلة علمية بعنوان «دراسات سكانية»، أولاها صدرت عام 2008، إضافة إلى بحوثها ودراساتها، وتقاريرها السنوية، وانتهاء بالإشراف على إعداد وإصدار السياستين السكانيتين 2009 و2017، وتعقد سنوياً مؤتمرها الوطني للسكان للمتابعة.
وبتحليل البيانات المجمعة تبين أن دولة قطر شهدت تغيرات كبيرة وسريعة في الأحجام السكانية منذ استقلالها، لم تكن متوقعة من قبل جميع الجهات العلمية في تقديراتها وإسقاطاتها، فقد وصل عددهم الإجمالي إلى حوالي 2.850 مليون نسمة في منتصف عام 2020 من حوالي 110 آلاف قبل خمسين عاماً، أي بمضاعفة 26 مرة تقريباً. وكذلك اختلفت معدلات النمو عبر المراحل الزمنية المختلفة بين الصغيرة إلى المتوسطة وإلى الكبيرة والكبيرة جداً بين الفترات، وخاصة في فترة العشر سنوات الأخيرة بمعدلات سنوية لم تشهد دول العالم مثيلاً لها، وبمعدلات فاقت 15 %، وارتفعت في بعض السنوات منها لكي تقترب إلى 20 % بين السنة والسنة السابقة، كما بين سنتي 2007-2009. وبخصوص القطريين تبين أيضاً أن أحجامهم في ارتفاع مستمر كحالة طبيعية لأي مجتمع لم يتعرض وبفضل الله لعوامل طبيعية سلبية أو بشرية، تعيق النمو الطبيعي لسكانه. ولكن معدلات نمو القطريين قد بدأت في الانخفاض على الرغم من انخفاضها منذ الاستقلال حينما كانوا يمثلون 42 %. ويمكن إرجاع هذا الاتجاه للمواطنين إلى ارتفاع نسبة التعليم بينهم، وبالتالي تبدلت ثقافتهم الاجتماعية في تكوين الأسرة وعدد الأبناء والتفرغ لرعاية الأبناء من قبل الأمهات. ويجب النظر أيضاً إلى المستوى الاقتصادي المرتفع لدخول الأفراد، وكذلك إلى سيادة الأمن المجتمعي والاستقرار السياسي اللذين يؤديان بالمواطنين إلى الاعتماد على الدولة في الحماية بدلاً من عائلاتهم وقبائلهم وأحجامهم كالحالة في الماضي.
ومن المتوقع، كما أرى بتحليل تتبع بيانات الدراسة، توجه النمو السكاني في قطر بصورة عامة في العقود القادمة إلى معدلات أقل ارتفاعا، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة المواطنين تدريجياً من الإجمالي وليس عددهم، مع استمرار استقدام وافدين للخدمة في المجالات التي لا يقبل عليها قوة العمل الوطنية. وأخيراً، لا يجب إغفال أثر المواليد غير القطريين على أرض قطر من استمرارية الإبقاء على نسبة وافدين كبيرة، حيث نسبتهم تمثل أكثر من الثلثين من إجمالي المواليد السنوية.
وأثناء تحليلنا لتلك التغيرات، أمكننا تسجيل مجموعة من العوامل المؤثرة في مسيرة التغيرات الديموغرافية في دولة قطر خلال السنوات الخمسين الماضية. وهذه يمكن تقسيمها إلى أربع مجموعات على الأقل: فهناك مجموعة العوامل السياسية كالثورة الإيرانية والغزو العراقي للكويت وحرب الخليج الثانية. وأخرى اقتصادية كأسعار النفط بين الارتفاع والانخفاض، وعمليات التنمية التي شهدتها الدولة بمستوياتها المختلفة بين البدايات بعد اكتشاف النفط أو بوتيرة أكبر في السبعينيات أو الضخمة جداً الشاملة والمستدامة كما في العقدين الأخيرين. ويمكن ضم مجموعة من الأسباب والعوامل إلى الأبعاد الاجتماعية المتغيرة في المجتمع من مستوى تعليمي لأفراده ذكوراً وإناثا، وثقافة الانفتاح والمعاصرة التي يمارسونها والمتعلقة بدرجة خاصة في بدء تكوين الأسرة وعدد الأبناء. أما المجموعة الرابعة فيمكن تسميتها بالقانونية أو الإدارية التنظيمية وعلى رأسها قوانين الجنسية أو إعادتها للمواطنين وأنظمة الإقامة، بالإضافة إلى السياستين السكانيتين المرتبطة برؤية قطر 2030، الصادرتين في عام 2009 وعام 2016، وقد تشرفت أن أكون خبيراً وطنياً في الأولى منهما.
وعن مستقبل الحجم السكاني في قطر، فقد تبين من خلال استعراض جوانب من السياستين السكانيتين للدولة، ووضع الاعتبار لتأثير مجموعة من المدخلات والمؤثرات الجديدة، وخاصة التنظيمية والتغيرات الاجتماعية في حياة القطريين، وكذلك رؤى قطر المستقبلية. فالتوقع بأن يستمر انخفاض أعداد القطريين على الرغم من زيادتهم العددية بحلول عام 2030، إلى أقل من نصف المليون، وبنصيب من الإجمالي العام يتسم بالتحسن، وخاصة بسبب سياسات الإحلال الممارسة للأيدي العاملة المواطنة، على أسس مبرمجة من قبل الحكومة سواء من حيث الكم والنوع، وفي كل من القطاعين العام والخاص. ولا يجب أن نغفل تأثير انخفاض الحاجة إلى الوافدين بمرور الزمن، فمعدلات نمو الضيوف ستنخفض لا محالة، ولكن ستظل نسبة المواطنين من إجمالي سكان الدولة منخفضة جداً، بسبب الفرق بين النمو التنموي الاقتصادي السنوي الكبير في مقابل النمو السكاني الوطني الصغير، ومن المتوقع أن يستمروا على هذا النحو لعدة عقود.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستاذ الجغرافيا غير المتفرغ
جامعة قطر
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
شهدت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي خلال الفترة الأخيرة نقلة نوعية لافتة في أساليب التعامل مع الجمهور، انعكست بشكل مباشر على مستوى رضا أولياء الأمور والطلبة في المدارس القطرية ، وساهمت في تسهيل إنجاز المعاملات بصورة غير مسبوقة. هذه الطفرة لم تكن مجرد تحسينات شكلية، بل جاءت نتيجة رؤية واضحة تهدف إلى تطوير الخدمات التعليمية والإدارية بما يتماشى مع التحول الرقمي الذي تشهده الدولة.في السابق، كان إنجاز العديد من المعاملات المتعلقة بأمور الطلاب يتطلب وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا، إضافة إلى الحاجة للمتابعة المستمرة من قبل أولياء الأمور، سواء فيما يتعلق بنقل الطلبة أو استخراج الشهادات أو متابعة الطلبات المختلفة، وكانت الإجراءات تتسم أحيانًا بالتعقيد وكثرة الخطوات، مما يسبب ضغطًا وإرهاقًا للأولياء الأمور.أما اليوم، فقد تغيرت الصورة بشكل جذري. فقد عملت الوزارة على تبسيط الإجراءات وتوحيدها، مع إطلاق منصات إلكترونية متطورة تتيح للمستخدمين إنجاز معاملاتهم بسهولة وسرعة من أي مكان. وأصبح بإمكان ولي الأمر متابعة حالة الطلب بشكل فوري، دون الحاجة إلى مراجعة المكاتب أو الانتظار لفترات طويلة،هذا التحول أسهم في تقليل الجهد المبذول، ورفع مستوى الشفافية، وتعزيز الثقة بين الجمهور والمؤسسة التعليمية.ويرى كثيرون أن السر في التحول اللافت الذي شهدته وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في الفترة الأخيرة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة جهود قيادية ركزت على كسر الجمود الإداري وتحديث أساليب العمل، قامت بها سعادة السيدة لولوة الخاطر وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي التي ارتبط اسمها بالدفع قدما وسريعا بعجلة التطوير التي تشهدها الوزارة وإعادة النظر في عدد من الإجراءات التي ظلت لفترات طويلة دون تغيير يُذكر.فمنذ تولي سعادتها الوزارة، اتجهت الجهود نحو مراجعة شاملة للأنظمة والإجراءات، ليس فقط بهدف التحديث، بل لإزالة التعقيدات التي كانت تُعد في السابق من المسلّمات التي لا يجب التعامل معها إلا كما هي دون تغيير، إن هذا التوجه الجديد أتاح إعادة تصميم الخدمات بطريقة أكثر مرونة، وجعل تجربة أولياء الأمور والطلبة أكثر سلاسة ووضوحًا، وقد انعكس ذلك في تقليص الوقت والجهد اللازمين لإنجاز المعاملات، وتحسين آليات التواصل مع الجمهور.كما تميزت هذه المرحلة بشكل كبير وواضح بالتركيز على اعتبار أولياء الأمور شركاء أساسيين في العملية التعليمية، وليسوا مجرد متلقين للخدمة. ومن هنا، تم تطوير قنوات تواصل أكثر فاعلية، والاستماع لملاحظاتهم بشكل مباشر، والعمل على تحويلها إلى تحسينات ملموسة على أرض الواقع.ولم يقتصر التغيير على الإجراءات فقط، بل شمل أيضًا ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على الابتكار والتطوير المستمر، وتشجع على المبادرة بدلاً من التمسك بالأنماط التقليدية، هذا التحول الكبير كان له أثر كبير في جعل العمل داخل الوزارة أكثر حيوية ومرونة، وأسهم في تحقيق مستوى أعلى من رضا جميع أصحاب العلاقة مع الوزارة.إن هذه الطفرة النوعية تعكس التزام الوزارة بتحقيق التميز في تقديم الخدمات، وحرصها على مواكبة التطورات العالمية في مجال الإدارة والخدمات الحكومية،كما أنها تؤكد أن الاستثمار في التكنولوجيا وتطوير الكفاءات البشرية يمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الناس اليومية.وهنا يمكن التأكيد بأن هذه الجهود القيادية أسهمت في إحداث نقلة نوعية حقيقية، حيث أصبحت الخدمات أكثر كفاءة، والتعامل مع الوزارة أكثر سهولة ومرونة، بما يعكس رؤية حديثة تضع احتياجات الطلبة وأولياء الأمور في صميم أولوياتها.
1938
| 20 أبريل 2026
في خضمّ التحولات العالمية والصراعات المتشابكة، يبرز تساؤل مهم حول طبيعة المواجهة التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم: هل هي مواجهة مع عروبة العربي، أم مع لغته وحضارته، أم أن جوهرها الحقيقي يتصل بدينه وهويته الإسلامية؟ عند التأمل في الواقع، يبدو أن كثيرًا من المؤشرات تميل إلى أن الاستهداف يتجاوز الجوانب الثقافية واللغوية، ليركّز بصورة أوضح على البعد الديني خصوصًا بعد إعلان الكثير من القادة والمسؤولين الغربيين أن الحرب صليبية. فالعالم، في سياقاته المختلفة، لا يعادي الرموز مهما كانت غريبة أو حتى غير منطقية، بل يمنحها تقديسًا واحترامًا رسميًا. ففي بريطانيا، لا يُنظر إلى «التيس ويليام وندسور» على أنه مجرد حيوان، بل هو جندي رسمي في الجيش البريطاني، له رتبة عسكرية معترف بها، ويُعامل بانضباط عسكري، ويُخصص له مرافق، ويُشارك في العروض الرسمية، بل إن هذا التقليد جزء من الأعراف التي أُقرت في ظل المؤسسة الملكية، ويُحاط به باحترام كأنه فرد من أفراد الجيش. وفي النرويج، يصل الأمر إلى مستوى أكثر غرابة، حيث مُنح البطريق «نيلز أولاف» في الحرس الملكي النرويجي رتبة لواء، وتُقام له مراسم رسمية، ويُحتفل به عند كل ترقية، ويُعامل كرمز عسكري وطني بكل معنى الكلمة. أما في الولايات المتحدة، فإن حيوان «البايسون» (الجاموس الأمريكي) لا يُعتبر مجرد كائن طبيعي، بل هو رمز وطني رسمي، تُطبع صورته على العملات، وتُنشأ له هيئات ومنظمات للحفاظ عليه، ويُقدَّم بوصفه جزءًا من التراث الأمريكي الذي يجب صونه. وفي أستراليا، يُعدّ الكنغر رمزًا وطنيًا بارزًا، بل إن البعض يذهب إلى اعتباره أقدم من الوجود البشري في القارة، وتُبذل جهود كبيرة لحمايته، حتى أصبح حضوره أقوى في الرمز الوطني من حضور السكان الأصليين أنفسهم في بعض الخطابات. وفي إثيوبيا، تُمنح بعض الطيور مثل «الكرك الإثيوبي» مكانة خاصة، ويُنظر إليها كرمز مرتبط بالهوية الطبيعية والثقافية، وتُحاط بنوع من التقدير الذي يقترب من القداسة في الوعي الشعبي. بل إن الأمر لا يتوقف عند الكائنات الحية، بل يمتد إلى الأساطير؛ ففي الصين، يُقدَّس “التنين”، وهو كائن خيالي لا وجود له، ومع ذلك يُرفع في المهرجانات، ويُجسّد القوة والهيبة، ويُعامل كرمز وطني عريق دون أي اعتراض عالمي. كل هذه الأمثلة تؤكد حقيقة واحدة واضحة: العالم لا يرفض أن يكون للشعوب رموز، بل على العكس، يدعمها ويُعظّمها، مهما كانت طبيعتها، حيوانًا أو طائرًا أو حتى كائنًا أسطوريًا. لكن عند الحديث عن العرب والمسلمين، تتغير المعايير بشكل لافت. فلا يُنظر إلى ارتباطهم بدينهم كرمز وهوية يجب احترامها، بل يُقدَّم في كثير من الأحيان كقضية يجب أن تخضع للنقاش والتعديل والتدخل. فتُراجع مناهجهم، وتُنتقد شعائرهم، وتُعاد صياغة مفاهيمهم الاجتماعية والسياسية، وتُطمس سير قدواتهم وقادتهم، وكأن المطلوب ليس مجرد التعايش، بل إعادة تشكيل الهوية نفسها. وهنا تظهر المفارقة بوضوح: العالم يقبل أن يكون للتنين مكانة، وللبطريق رتبة عسكرية، وللتيس احترام رسمي، وللبايسون حضور على العملة… لكن حين يكون للعربي والمسلم دينٌ يشكّل هويته، ويرتب أولوياته، ويُبرز أعلامه، ويُذكر بملهميه، يصبح ذلك محل جدل واعتراض وسخط وغضب!!. وهذا ما يدفع إلى التساؤل الحقيقي: هل المشكلة في العرب، أم في الإسلام ؟ إن قراءة هذا الواقع تكشف أن التحدي لم يكن يومًا موجّهًا إلى اللغة أو العِرق، بل إلى العقيدة، وأن الصراع الحقيقي يدور حول هويةٍ تريد أن تبقى كما هي، في عالمٍ يقبل كل الرموز… إلا رمزًا واحدًا إذا كان مرتبطًا بالإسلام.
1920
| 15 أبريل 2026
أصبح ملاحظًا في الآونة الأخيرة تزايد شكاوى المعلمين وأساتذة الجامعات من سطحية بعض الطلاب وضعف قدرتهم على التحليل، بل وقلة اهتمامهم بالشأن العام وغياب الحس بالمسؤولية المجتمعية. وهذه الظاهرة لا يمكن إلقاء اللوم بها على المناهج أو أساليب التدريس، بل ترتبط بشكل كبير بغياب المتابعة الأسرية وانشغال الوالدين أو اعتمادهم الكامل على المؤسسات التعليمية لتأدية دور الوالدين أو توكيل الخدم بكل ما سبق، وهذه طامة أخرى سنأتي عليها لاحقًا. هل يُعقل أن طالبًا جامعيًا لا يعرف من وزير خارجية بلاده؟! وكم هي مساحة الدولة التي يعيش فيها؟! بل أكثر من ذلك، ففي مثل هذه الأيام التي تمر فيها المنطقة في صراع إقليمي وحرب تُغيّر خريطة العالم وتحالفاته وتقلب طاولة الاقتصاد رأسًا على عقب، هو لا يعرف من وكيف ولماذا، وهل هو مع أو ضد توجه معين أو رأي بلاده من كل هذا؟! وبسبب ما سبق عملنا مع بعض الزملاء مسحًا سريعًا للبحث عن هذه الأسباب، فتبيّن أن الأم والأب يقضيان أكثر من ٤ ساعات يوميًا على الهاتف بين برامج التواصل الاجتماعي بما لا ينفع بل بما يضر أحيانًا، ولم نحسب ساعات متابعة الأفلام والمسلسلات ضمن هذا. إن مسؤولية تربية الأبناء لا يمكن تفويضها أو التهرب منها. فتربية الأبناء ليست ما تنتجه المدارس أو المعاهد أو الجامعات، بل هم انعكاس لبيئة كاملة تبدأ بالأسرة. وإذا أردنا جيلًا واعيًا مثقفًا وقادرًا على تحمل مسؤولياته فعلينا أن نعيد الاعتبار لدور الوالدين، وأن ندرك أن التربية الحقيقية تُبنى في البيت أولًا ثم تُستكمل في بقية مؤسسات المجتمع. لأن التربية ليست مهمةً يمكن اختصارها في مؤسسة واحدة أو جهة رسمية بعينها. ومن هنا فإن إلقاء المسؤولية على وزارة التربية والتعليم فيما يتعلق بمستوى الأبناء الفكري والسلوكي والثقافي، هو طرحٌ ناقص يُغفل الدور الجوهري الذي يقع على عاتق الوالدين أولًا ثم بقية مكونات المجتمع. الأسرة هي النواة الأولى التي تتكون فيها شخصية الطفل، وهي البيئة التي يتعلم فيها القيم الأساسية والدينية قبل أن يتعلم الحروف والأرقام. في البيت يتعلم الأبناء معنى المسؤولية واحترام الوقت وأهمية المعرفة والقدرة على الحوار. فإذا نشأ الطفل في بيئة تشجعه على التساؤل وتمنحه مساحة للتعبير وتعطيه قدرًا من الثقة والشعور بالمصداقية وتتابع اهتماماته الدراسية والثقافية، فإنه يدخل المدرسة والجامعة وهو يحمل أدوات التفكير والفهم لا مجرد قابلية للحفظ والتلقين. أما إذا غاب هذا الدور فإننا نجد أنفسنا أمام طالب يفتقر إلى الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء. فحين يجلس الأب أو الأم مع الأبناء لمناقشة حدثٍ ما أو كتابٍ قرأوه أو فكرةٍ سمعوها، فإنهم يزرعون فيهم بذور التفكير النقدي، ويعلمونهم كيف يكونون جزءًا من مجتمعهم لا مجرد متفرجين عليه، كما أن للشارع والأصدقاء دورًا لا يقل أهمية، فهم يشكلون جزءًا من البيئة التي يتفاعل معها الأبناء يوميًا. لذلك فإن اختيار الصحبة الصالحة، وتوجيه الأبناء نحو الأنشطة المفيدة، ومتابعة سلوكهم خارج المنزل، كلها أمور تقع ضمن مسؤولية الوالدين. إضافة إلى ذلك، فإن وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة المختلفة تتحمل دورًا تكامليًا في تعزيز القيم الثقافية والاجتماعية من خلال تقديم محتوى هادف، وخلق بيئات داعمة للنمو الفكري. إن التربية مشروعٌ مشترك تتكامل فيه الأدوار ولا تتقاطع. فوزارة التربية والتعليم تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم العملية التعليمية وتوفير المناهج والتربية كذلك، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع وعيًا أو تبني شخصية متكاملة. هذا الدور يبدأ من البيت حيث تتشكل القيم ويتأسس الفكر ويتعلم الأبناء أين يقفون في هذا العالم المتغير من حولهم.
1113
| 22 أبريل 2026