رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أ.د. نظام عبدالكريم الشافعي

أستاذ الجغرافيا غير المتفرغ
جامعة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

1914

أ.د. نظام عبدالكريم الشافعي

قطر والتغيرات الديموغرافية منذ الاستقلال

25 سبتمبر 2024 , 02:00ص

 بعد التحقق من البيانات المتاحة المنشورة منها وغير المنشورة، بين جهات عديدة معنية بموضوع السكان من عالمية وإقليمية ووطنية، أسست من خلالها قاعدة بيانات للأحجام السكانية في قطر وتطورها عبر 50 عاماً. وبخصوص البيانات الوطنية، فقد شملت نتائج التعدادات السكانية الشاملة والمساكن بين التعداد الأول في عام 1970 والأخير في عام 2020، وبين الإحصاءات الحيوية المنشورة للمواليد والوفيات وشاملة لبيانات الزواج والطلاق، وبيانات القوى العاملة التي ينشرها جهاز التخطيط والإحصاء بشكل دوري. ولا بد من الإشارة إلى جهود اللجنة الدائمة للسكان 2005، التي تقوم بدور كبير في نشر المعلومة السكانية للدولة، فهي تصدر على سبيل المثال، سلسلة علمية بعنوان «دراسات سكانية»، أولاها صدرت عام 2008، إضافة إلى بحوثها ودراساتها، وتقاريرها السنوية، وانتهاء بالإشراف على إعداد وإصدار السياستين السكانيتين 2009 و2017، وتعقد سنوياً مؤتمرها الوطني للسكان للمتابعة.

وبتحليل البيانات المجمعة تبين أن دولة قطر شهدت تغيرات كبيرة وسريعة في الأحجام السكانية منذ استقلالها، لم تكن متوقعة من قبل جميع الجهات العلمية في تقديراتها وإسقاطاتها، فقد وصل عددهم الإجمالي إلى حوالي 2.850 مليون نسمة في منتصف عام 2020 من حوالي 110 آلاف قبل خمسين عاماً، أي بمضاعفة 26 مرة تقريباً. وكذلك اختلفت معدلات النمو عبر المراحل الزمنية المختلفة بين الصغيرة إلى المتوسطة وإلى الكبيرة والكبيرة جداً بين الفترات، وخاصة في فترة العشر سنوات الأخيرة بمعدلات سنوية لم تشهد دول العالم مثيلاً لها، وبمعدلات فاقت 15 %، وارتفعت في بعض السنوات منها لكي تقترب إلى 20 % بين السنة والسنة السابقة، كما بين سنتي 2007-2009. وبخصوص القطريين تبين أيضاً أن أحجامهم في ارتفاع مستمر كحالة طبيعية لأي مجتمع لم يتعرض وبفضل الله لعوامل طبيعية سلبية أو بشرية، تعيق النمو الطبيعي لسكانه. ولكن معدلات نمو القطريين قد بدأت في الانخفاض على الرغم من انخفاضها منذ الاستقلال حينما كانوا يمثلون 42 %. ويمكن إرجاع هذا الاتجاه للمواطنين إلى ارتفاع نسبة التعليم بينهم، وبالتالي تبدلت ثقافتهم الاجتماعية في تكوين الأسرة وعدد الأبناء والتفرغ لرعاية الأبناء من قبل الأمهات. ويجب النظر أيضاً إلى المستوى الاقتصادي المرتفع لدخول الأفراد، وكذلك إلى سيادة الأمن المجتمعي والاستقرار السياسي اللذين يؤديان بالمواطنين إلى الاعتماد على الدولة في الحماية بدلاً من عائلاتهم وقبائلهم وأحجامهم كالحالة في الماضي.

ومن المتوقع، كما أرى بتحليل تتبع بيانات الدراسة، توجه النمو السكاني في قطر بصورة عامة في العقود القادمة إلى معدلات أقل ارتفاعا، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة المواطنين تدريجياً من الإجمالي وليس عددهم، مع استمرار استقدام وافدين للخدمة في المجالات التي لا يقبل عليها قوة العمل الوطنية. وأخيراً، لا يجب إغفال أثر المواليد غير القطريين على أرض قطر من استمرارية الإبقاء على نسبة وافدين كبيرة، حيث نسبتهم تمثل أكثر من الثلثين من إجمالي المواليد السنوية.

وأثناء تحليلنا لتلك التغيرات، أمكننا تسجيل مجموعة من العوامل المؤثرة في مسيرة التغيرات الديموغرافية في دولة قطر خلال السنوات الخمسين الماضية. وهذه يمكن تقسيمها إلى أربع مجموعات على الأقل: فهناك مجموعة العوامل السياسية كالثورة الإيرانية والغزو العراقي للكويت وحرب الخليج الثانية. وأخرى اقتصادية كأسعار النفط بين الارتفاع والانخفاض، وعمليات التنمية التي شهدتها الدولة بمستوياتها المختلفة بين البدايات بعد اكتشاف النفط أو بوتيرة أكبر في السبعينيات أو الضخمة جداً الشاملة والمستدامة كما في العقدين الأخيرين. ويمكن ضم مجموعة من الأسباب والعوامل إلى الأبعاد الاجتماعية المتغيرة في المجتمع من مستوى تعليمي لأفراده ذكوراً وإناثا، وثقافة الانفتاح والمعاصرة التي يمارسونها والمتعلقة بدرجة خاصة في بدء تكوين الأسرة وعدد الأبناء. أما المجموعة الرابعة فيمكن تسميتها بالقانونية أو الإدارية التنظيمية وعلى رأسها قوانين الجنسية أو إعادتها للمواطنين وأنظمة الإقامة، بالإضافة إلى السياستين السكانيتين المرتبطة برؤية قطر 2030، الصادرتين في عام 2009 وعام 2016، وقد تشرفت أن أكون خبيراً وطنياً في الأولى منهما.

وعن مستقبل الحجم السكاني في قطر، فقد تبين من خلال استعراض جوانب من السياستين السكانيتين للدولة، ووضع الاعتبار لتأثير مجموعة من المدخلات والمؤثرات الجديدة، وخاصة التنظيمية والتغيرات الاجتماعية في حياة القطريين، وكذلك رؤى قطر المستقبلية. فالتوقع بأن يستمر انخفاض أعداد القطريين على الرغم من زيادتهم العددية بحلول عام 2030، إلى أقل من نصف المليون، وبنصيب من الإجمالي العام يتسم بالتحسن، وخاصة بسبب سياسات الإحلال الممارسة للأيدي العاملة المواطنة، على أسس مبرمجة من قبل الحكومة سواء من حيث الكم والنوع، وفي كل من القطاعين العام والخاص. ولا يجب أن نغفل تأثير انخفاض الحاجة إلى الوافدين بمرور الزمن، فمعدلات نمو الضيوف ستنخفض لا محالة، ولكن ستظل نسبة المواطنين من إجمالي سكان الدولة منخفضة جداً، بسبب الفرق بين النمو التنموي الاقتصادي السنوي الكبير في مقابل النمو السكاني الوطني الصغير، ومن المتوقع أن يستمروا على هذا النحو لعدة عقود.

 

مساحة إعلانية