رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين يتردد اسم داعش في الفضاء المصري ونكتشف أن سيناء أصبحت بؤرة لتفريخ الإرهاب، فذلك مما لا ينبغي غض الطرف عنه أو التهوين من شأنه.
(١)
ما خطر ببالي يوماً ما أن أقرأ في صحف الصباح عنواناً يقول إن "داعش يرسخ وجوده في القاهرة"، أو أن "داعش ينقل المعركة إلى قلب القاهرة بتفجير مقر أمني". لكن هذا الذي لم يخطر على البال صار حقيقة، ذلك أن العنوانين السابقين أبرزتهما صحيفتا "الحياة" و"الشرق الأوسط" يوم الجمعة الماضي ٢١/٨. إذ الواضح أنني لم أكن الوحيد الذي فوجئ بالخبر، وإبرازه على الصفحة الأولى للجريدتين اللندنيتين دال على ذلك. فقد درجنا على أن نقول في كل مناسبة إن مصر ليست العراق وسوريا أو ليبيا، ورغم أنني مازلت على يقين من ذلك، إلا أنني لا أخفي أن ذلك اليقين اهتز قليلا وأصبح نسبيا، بعدما أقنعتنا تجارب عدة بأن الكثير مما لم يكن معقولاً ولا مقبولاً، صار كذلك بفعل عوامل عدة خلخلت الثوابت، فقلبت المعادلات وغيرت القناعات، بحيث ما عاد اليقين بالرسوخ الذي كان عليه في السابق.
الخبر الذي نشرته صحيفة الحياة واحتل رأس الصفحة الأولى ذكر أن جماعة "ولاية سيناء" الفرع المصري لتنظيم "داعش" بات لها مواطئ قدم في العاصمة، بعدما تبنت الهجوم على مقر جهاز الأمن الوطني في شمال القاهرة. وهو ذات المعنى الذي كررته صحيفة الشرق الأوسط. إلا أن صحيفة «الشروق» الصادرة في اليوم ذاته (٢٢/٨) أضافت معلومات جديدة حول التفجير. فذكرت أن مصادر أجهزة وزارة الداخلية تشتبه في أن أحد ضباط الجيش المفصولين هو الذي قام بالعملية، إذ ذكرت أن الصور التي التقطتها الكاميرات لعملية التنفيذ بينت أن مواصفات الشخص الذي قاد سيارة المتفجرات تكاد أن تنطبق على الضابط السابق عماد الدين عبد الحميد الذي سافر إلى سوريا بعد فصله من القوات المسلحة، ثم عاد إلى مصر منذ عدة أشهر. ويعد الآن أحد مساعدي ضابط الصاعقة المفصول هشام علي عشماوي الذي انفصل عن جماعة أنصار بيت المقدس وأسس تنظيما باسم «المرابطون».
ومن مساعديه الضابط سابق الذكر وآخرون لم تتحدد هوياتهم، منهم محمد فتحي النخلاوي وأشرف حسن الغربللي وتامر العزيري قائد خلية أنصار بيت المقدس بمحافظة القليوبية.
وفي حين فهم أن هؤلاء جميعا من المصريين، إلا أن تقرير «الشروق» نقل عن المصادر الأمنية قولها إن جهات ومخابرات أجنبية أسهمت بشكل كبير في العملية، لأن الجناة لم يستغرقوا أكثر من خمس دقائق لإيقاف السيارة المفخخة وتفجيرها والهرب من المكان. وهو ما يشير إلى أنهم تلقوا تدريبا قويا ولديهم لياقة بدنية هائلة.
(٢)
حين يصبح لداعش حضور قوي في سيناء، وتظهر إلى جوارها جماعة المرابطين، ويظل لتنظيم القاعدة حضور هناك، إلى جانب تنظيم أجناد مصر، فإن ذلك لابد أن يثير اهتمامنا، وينبهنا إلى أن سيناء أصبحت تعج بالتنظيمات الإرهابية، وأنها أصبحت معملا لتفريخ تلك التنظيمات. وهو ما يستدعي العديد من علامات الاستفهام، لأننا نفهم أن للقوات المسلحة والشرطة سيطرة كاملة على شبه الجزيرة. وأن حملات ملاحقة التنظيمات والبؤر الإرهابية مستمرة منذ سنتين، وطائرات إف ١٦ والأباتشي تمسح سماء المنطقة طول الوقت وتلاحق الإرهابيين في كل مظانهم.
وسوف تلاحظ أن الجماعات التي تتمركز في سيناء أكثر وأخطر من مثيلاتها في بقية أنحاء مصر، كما أن الجهد الذي يبذل في الملاحقة هناك أضعاف أضعاف نظيره في الدلتا والصعيد. ومع ذلك فإن عملية التوالد وتفريخ التنظيمات الجديدة لم تتوقف، وأصبحت أنشط في سيناء منها في بقية أنحاء البلاد.
هذه الخلفية تثير السؤال التالي: لماذا أصبحت سيناء بمثابة معمل تفريخ للجماعات الإرهابية رغم الملاحقات الأمنية الكثيفة، ورغم الإجراءات التي اتخذت لتهجير بعض الأهالي ومراقبة الأوضاع وتقييد الحركة وحظر التجول فيها؟.
ما نعلمه أن سيناء تنتشر فيها الظاهرة السلفية التي بدأت دعوية وتطورت بمضي الوقت، خصوصا بعد احتلال إسرائيل لها في عام ١٩٦٧، بحيث أفرزت تيارا تحدى الاحتلال وتبنى نهج السلفية الجهادية. ورغم أن الإخوان كان لهم وجودهم في شمال سيناء، إلا أن السمة السلفية ظلت غالبة. تيار السلفية الجهادية كان أقرب إلى تنظيم القاعدة وجماعة الجهاد في مصر التي برزت في الثمانينيات. ومن عباءة السلفية الجهادية خرجت جماعة التوحيد والجهاد التي تأسست عام ٢٠٠١ ويقال إن مؤسسها طبيب أسنان سيناوي هو خالد مساعد.
وقد قامت عناصر الجماعة بعدة عمليات ضد إسرائيل تمثلت في مهاجمة الفنادق التي تستقبل سياحها في عامي ٢٠٠٤ و٢٠٠٦. وفي وقت لاحق أصبح للجماعة اسم آخر، هو «أنصار بيت المقدس»، التي ظلت على ولائها لأفكار القاعدة، وعلى موقفها من تحدي الإسرائيليين.
وعبرت عن ذلك بتفجير أنبوب الغاز الموصل إلى إسرائيل أكثر من ١٦ مرة، وينسب إليهم أنهم أطلقوا بعض الصواريخ على إسرائيل أثناء عدوانهم على غزة. وأثناء حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك وطوال حكم المجلس العسكري ورئاسة الدكتور محمد مرسي، أي إلى عام ٢٠١١.
ظلت عمليات أنصار بيت المقدس مقصورة على سيناء، ولم يكن لها نشاط ملحوظ في بقية أنحاء مصر، وإنما يذكر أنهم توسطوا لإطلاق سراح بعض جنود الجيش المختطفين أثناء حكم الدكتور مرسي. وتم كذلك في صفقة تم فيها إطلاق سراح بعض المعتقلين السيناويين.
ومع ذلك فإن الملاحقة الأمنية لعناصرها في سيناء لم تتوقف، الأمر الذي ألقى بذور ثأرات نمت بمضي الوقت وانتهت بتمدد نشاط أنصار بيت المقدس في الدلتا والقاهرة.
وبرز ذلك بوجه أخص بعد عزل الدكتور محمد مرسي في عام ٢٠١٣. وحين حدث ذلك فإن الإجراءات الأمنية لم تتوقف ضد تجمعات «الأنصار» في سيناء، الأمر الذي تخللته مواجهات عنيفة وهجمات متبادلة بين الطرفين، سقط فيها مئات من الجنود المصريين والإرهابيين والأهالي، كما هدمت بيوت وخربت زراعات.
وتوازى ذلك مع توجيه ضربات جوية لتجمعات الإرهابيين وبؤرهم. ومع اتخاذ إجراءات أخرى شملت تهجير بعض الأهالي وحظر التجول وقطع الاتصالات وما إلى ذلك.
وفي هذه الأثناء ظهر تنظيم جديد باسم «أجناد مصر» قام أعضاؤه ببعض العمليات ضد الجيش والشرطة، وبدوا أقل خبرة ووزنا من أنصار بيت المقدس، إلا أنها ضعفت كثيرا بعدما قتلت الشرطة من وصف بأنه قائد التنظيم واسمه مجد الدين المصري.
في آخر العام الماضي (٢٠١٤) أعلن أنصار بيت المقدس انضمامهم إلى تنظيم داعش ومبايعتهم لقائده أبو بكر البغدادي، واختاروا لجماعتهم اسم «ولاية سيناء». ولم تمض عدة أشهر حتى فوجئنا بظهور جماعة «المرابطي» التي أسسها ضابط الصاعقة المصري المفصول هشام عشماوي، الذي صدر باسمه تسجيل استخدم بعض مقاطع من بيانات أيمن الظواهري الذي خلف أسامة بن لادن في قيادة تنظيم القاعدة.
ورغم شح المعلومات المتواترة عن هذه الجماعات، إلا أن ما توفر لدينا يعطي انطباعا بأن العنف والإرهاب في سيناء، الذي له أصداؤه في الدلتا والقاهرة يقوم به تنظيمان أساسيان، هما داعش والقاعدة، ولكل منهما خلاياه وأفرعه التي لا نعرف عنها الكثير.
(٣)
على صعيد السلطة لا أستطيع أن أقارن بين الوضع في مصر وبينه في سوريا أو العراق أو ليبيا واليمن. إذ لا يشك أي باحث منصف في تماسك وضع السلطة والمؤسسة الأمنية في مصر، في حين أن ذلك التماسك مشكوك فيه أو غائب في تلك الدول التي ذكرتها. وإذ أزعم أن المشكلة لا تكمن في قوة السلطة، فإنني لا أستطيع أن أتحدث بذات القدر من الثقة عن السياسات المتبعة ولا عن سلامة الأوضاع الاجتماعية السائدة في سيناء أو في عموم الواقع المصري، وهذا منطوق يحتاج إلى بعض الإيضاح.
ذلك أن مصر تعيش مشكلة موت السياسة وانتعاش الأمن، الأمر الذي يعني تراجع دور العقل والمراهنة على قوة العضلات، وهو ما استصحب غيابا ملحوظا للحوار المجتمعي وحضورا قويا للإجراءات والمراسيم والقوانين.
وفي هذه الحالة يسمع صوت السلطة عاليا ويحبس صوت المجتمع، وفي مثل هذه الأجواء لا يستغرب أن يسود الاحتقان وتطفو المرارات على السطح ولا يستخلص من الناس أفضل ما فيهم. وهو ما نلحظه في حملات تسويق الكراهية وتصفية الحسابات وغلبة الدعوة إلى الإقصاء والانتقام على الرغبة في التوافق وتعزيز الاصطفاف الوطني وحين يتوازى ذلك مع تراجع سقف الحريات العامة وتسخير القانون والأبواق الإعلامية لذلك، فإن أفق المستقبل يبدو مسدودا بقدر انسداد الأمل في الإصلاح السياسي بما يستصحبه من مشاركة في السلطة أو تداولها.
من ناحية أخرى، فإن سيناء تحولت إلى ساحة قتال ارتفع فيها صوت السلاح بأكثر مما حضر الحوار، وتقدمت الرغبة في الإخضاع على السعي للنهوض والإنماء. وخيمت أجواء الشك والتوجس حتى ارتفعت بعض الأصوات، داعية إلى إخلائها من سكانها، وهذا الأسلوب كان له أثره السلبي على ثقة القبائل في السلطة، خصوصا حين شعرت بأن أبناءها يعاملون كمتهمين لا كمواطنين.
وحين تعددت حملات القصف وقرارات التهجير والحظر، ومن ثم عم السخط والغضب، فإن سيناء تحولت إلى مستودع للمرارة وبيئة جاهزة لاحتضان التطرف والعنف. وكانت جغرافية المنطقة التي يعرفها أهل سيناء أكثر من غيرهم عنصرا مساعدا على استمرار التحدي وإطالة أمده.
هذا التحليل إذا صح فهو يعني أن المناخ العام في مصر مهيأ لتصعيد التطرف واتساع نطاق الإرهاب. ذلك أن ضحايا الصراع الحاصل، سواء في سيناء أو في عموم أنحاء الوطن، وهم ليسوا قلة ولا تنبغي الاستهانة بأعدادهم، هؤلاء يشكلون تربة مواتية وجاهزة للانخراط في صفوف دعاة العنف والإرهاب، فلا أحد جبر بخاطرهم أو ترفق بهم أو ضمد جراحهم، أو حتى أعطاهم أملا في أن أحزانهم أو محنتهم لها نهاية. وإذا أضفنا إلى ذلك أعباء المعيشة التي تضغط على الناس وتمسك بخناقهم، فسندرك أن الأفق ملبد بغيوم كثيرة لا ينبغي تجاهلها أو الاستخفاف بمخزونها.
(٤)
أقاوم هاجسا يدعوني إلى القول بأن المستقبل في مصر لصالح داعش، وأرجو أن أكون مخطئاً في ملاحظتي، أن أبواب العنف باتت مفتوحة على مصارعها، بقدر ما إن أبواب التوافق والتسامح باتت موصدة ومحكمة الإغلاق. وهي خلاصة تمنيت أن تكون موضع تدقيق وتحقيق، لأن النتيجة التي يتم الخروج بها يمكن أن تفتح أعيننا على أمور كثيرة يحجبها عنا الانفعال والإقصاء والاستغراق في الاستقطاب الحاصل الذي يختزل الصراع بين طرفين، هما السلطة والإخوان، في حين أن التهديد الأكبر هو ذلك الذي يصيب المجتمع والوطن.
صحيح أن الأسوأ لم يقع بعد، لكنه ليس مستبعدا تماما، وينبغي أن نفكر جيدا وندير أمورنا جيدا لتجنب وقوعه قبل فوات الأوان، لأن ما نلمسه الآن لا يطمئننا إلى استبعاد ذلك الاحتمال البائس.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2636
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1027
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
675
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2541
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2331
| 15 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات ما لا يشعر الناس بحدوثه: خدمة لم تنقطع، وسلعة لم تختفِ، وعمل استمر، وحياة يومية حافظت على انتظامها رغم الخطر. ومن هذه الزاوية أقرأ خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى. فقد كشف سموه عما يقف وراء هذا الانتظام، من استعداد طويل وقرارات مدروسة وجهود مؤسسية، ثم حدد المسؤوليات اللازمة لصونه وتطويره. وفي تقديري، فإن إحدى أعمق دلالات الخطاب تكمن في وصل الدفاع عن الوطن بكفاءة إدارة شؤونه؛ فحماية السيادة، واستمرار الخدمات، وحسن استخدام المال العام، وأمانة تقييم الموظفين، تتكامل في بناء دولة تستطيع مواجهة الخطر ومواصلة التنمية. وهنا تتسع قراءة الصمود لتشمل ما يجري داخل المؤسسة، وما تتخذه من قرارات، وما تحققه من نتائج. أوضح سمو الأمير أن قطر حملت خلال الأزمة ثلاث مسؤوليات متزامنة: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة. وحدد سموه عناصر الاستراتيجية التي أدارت بها الدولة هذه المسؤوليات، من الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب، إلى المحافظة على الخدمات وسلاسل التزويد والحياة الاقتصادية، والعمل لوقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية والعودة إلى التفاوض. وتكشف هذه المضامين عن دقة الموازنة التي اضطلعت بها الدولة. فإدارة هذه المسؤوليات معًا تتطلب وضوح الأهداف، والتنسيق بين الجهات، وضبط الخيارات تحت الضغط. وبذلك يصبح استمرار الحياة اليومية تعبيرًا ملموسًا عن نجاح عمل واسع، يشترك فيه الدفاع والأمن والدبلوماسية والاقتصاد. وقد نسب سموه استمرار الحياة الطبيعية إلى جهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وإلى أكثر من عقد من الإعداد والتدريب والتجهيز. وتمنح هذه الإشارة الاستعداد قيمته الحقيقية؛ فما يُبنى في سنوات الاستقرار تظهر جدواه عندما يحمي الناس ويتيح لهم مواصلة حياتهم في أصعب الظروف. ومن هنا يمكن استخلاص معيار مهم لتقييم السياسات: بعضها تتحقق قيمته في ضرر جرى تجنبه. فالمخزون الذي يمنع نقصًا، وخطة الإمداد التي تحول دون انقطاع، والتجهيز الذي يحمي منشأة، تحقق نتائج قد لا تستوقف الناس، لكنها أساسية لاستقرار المجتمع والاقتصاد. وقد يصعب قياس كلفة الأزمة التي مُنعت، لكن أثرها يظهر في حياة استمرت. في الجانب المالي، ذكر سمو الأمير انخفاض إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، مقابل انخفاض المصروفات العامة بنسبة 14%، مع المحافظة على الخدمات الأساسية والأولويات التنموية. وأوضح سموه أن الدولة اتخذت هذا القرار حرصًا على استمرار الزخم الاقتصادي. وتتجاوز دلالة هذه الأرقام بيان حجم الضغط على الموازنة؛ إذ تكشف عن اختيار اقتصادي يحمي النشاط الذي تحتاجه البلاد للتعافي. فالخدمات الأساسية تسند حياة المجتمع، والمشاريع التنموية تدعم أعمال الشركات وفرص العمل، واستمرارهما يحد من انتقال الصدمة إلى مجالات أوسع. وقد نسب سموه إمكان استيعاب تداعيات الأزمة إلى سياسات سبقتها، شملت تعزيز الاحتياطيات وخفض الدين العام وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة وتنمية الإيرادات غير النفطية. وفي قراءة هذه العلاقة، تبدو الاحتياطيات رصيدًا يحفظ للدولة مساحة القرار؛ فهي تتيح التعامل مع تراجع الإيرادات دون الاضطرار إلى التخلي سريعًا عن الأولويات التنموية. لكن سمو الأمير قرن هذه المساحة بواجب مواصلة الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد. وهذا توجيه يضع مسؤولية واضحة على الجهات المنفذة: أن تثبت قيمة ما تنفقه، وأن تراجع برامجها على أساس النتائج. فالبرنامج الذي يحافظ على مخصصاته يحتاج إلى بيان ما يحققه بها، والمشروع الذي يتقدم في التنفيذ يحتاج إلى إظهار أثره في الغاية التي أُنشئ من أجلها. وبهذا تصبح مراجعة الإنفاق وسيلة لحماية التنمية، عبر توجيه الموارد إلى ما يخدمها بصورة أجدى. وتبرز الصلة بين السياسة الاقتصادية والإدارة حين يتناول خطاب سمو الأمير مساءلة القيادات وتقييم الأداء. فقد وجّه سموه إلى تمكين الموظفين ونقل المعرفة وتأهيل الصف الثاني، وربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص، وحذر من التطبيق الشكلي لهذه السياسات، مؤكدًا الأمانة في التقييم وأخلاق العمل. وفي تقديري، يحدد هذا التوجيه شرطًا جوهريًا لنجاح الإصلاح: صدق المؤسسة في معرفة أدائها. فإذا تجمّلت النتائج في التقارير، أو مُنحت التقديرات وفق المجاملة، بُنيت القرارات اللاحقة على صورة غير دقيقة. وقد يتجه التدريب إلى غير موضع الحاجة، أو تُسند المسؤولية إلى غير الأجدر، أو يستمر خلل لم يُعترف بوجوده. ولهذا تمتد عدالة التقييم إلى ما هو أبعد من علاقة الموظف بمديره؛ فهي تؤثر في اختيار من يدير الموارد وينفذ المشاريع ويقدم الخدمات. وإنصاف الكفاءة يحفظ حافزها، ويعزز ثقة الموظفين بأن اجتهادهم ينعكس على مسارهم المهني، ويجعل المؤسسة أقدر على تطوير أدائها. ويتصل بذلك ما أورده سموه عن قاعدة البيانات المركزية، واستكمال الربط بين الجهات وتوحيد المعايير وحماية الخصوصية. فالبيانات الموثوقة تتيح رؤية الواقع، والأمانة في التقييم تجعله أساسًا للقرار. وتكتمل قيمة التطوير حين تساعد المعلومات على كشف الخلل، وتجد داخل المؤسسة من يتحمل مسؤولية معالجته. وأكد سمو الأمير أن هدف قطر هو جعل التعافي منطلقًا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية. وأشار سموه إلى مشاريع وفرص استثمارية تُقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة، وإلى دور مجلس الشورى في مواكبة المرحلة بتشريعات تعزز القطاع الخاص وجاذبية الاستثمار. ومن منظور هذه القراءة، يتحدد أثر تلك الفرص أيضًا بجودة المؤسسات التي تتعامل معها؛ بوضوح الإجراءات، وكفاءة التنفيذ، وحسن المتابعة، والقدرة على معالجة العوائق. وتلك هي الحلقة التي تصل بين التوجيه الوطني والنتيجة الاقتصادية: تحويل الموارد والفرص إلى نشاط منتج وخبرات وطنية ومنافع مستدامة. وفي ختام خطابه، ربط سمو الأمير صمود الدولة بالاستعداد وتنوع الاقتصاد وكفاءة المؤسسات وتكافل المجتمع ومسؤولية الأفراد. وهذه الرابطة تمنح انتظام الحياة معناه الأعمق؛ فهو حصيلة مسؤوليات أُديت، ومكتسبات صينت، وقرارات اتُّخذت في وقتها. لقد كشف خطاب سمو الأمير عن العمل الذي جعل استمرار الحياة ممكنًا، ووضع أمام المؤسسات واجب الارتقاء به. ومن هنا يبدأ الوفاء بتوجيهات سموه في تفاصيل ملموسة: مال عام يُصان، وكفاءة تُنصف، وخلل يُعالج، وخدمة تتحسن. فحين تستمر الحياة تحت الضغط، يظهر أثر الاستعداد؛ وحين ترتقي جودتها بعد الأزمة، يظهر صدق الأداء.
1095
| 14 أكتوبر 2026