رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أولا : مقدمة
قال تعالى " هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ" آل عمران: (138)
فى هذا البيان – بحول الله وقوته – رد علمي موضوعي على كل من ( خطيب الحرم المكي وإمامه ، وكذا شاغل منصب الإفتاء فى مصر سابقا ، وأزهري يُدعى سالم عبد الجليل ، وعمرو خالد ، وغيرهم ممن يرون رأيهم ) راجيا من الله تعالى القبول
ثانيا : تهيئة وتوطئة
من خلال مقطع يوتيوب لوازرة الدفاع المصرية ، ولا سيما إدارة الشئون المعنوية ، ظهر فيه صور شخصية ، لكل من ( سالم عبد الجليل ) وقد ظهر بزي أزهري ، بينما الصورة الأخرى لــ ( عمرو خالد ) وقد انبرى وافترى الأول على المعتصمين - في رابعة والنهضة وسائر مدن ومحافظات أرض الكنانة بأنهم بغاة – وأوجب على الدولة استخدام السلاح ضدهم للقضاء عليهم ، وشايعه في ذلك قرينه في هذا المقطع ، في استخدام العنف ضد الفكر ، وقوة السلاح في مواجهة الرأي تعزيزا وتأكيدا حتى يتوهم الجنود عند سماعهم لهذا المقطع أنهم في عمل برئ في سفك الدماء المحرمة ، وإزهاق الأرواح البريئة ، وهكذا تحريفا وتزييفا لعقيدة الجيش المصري ، وتحويل معاركه بعيدا عن العدو الحقيقى الفعلي للأمة ، وانحرافا لمسار خط سير الجيش ، بل تجرَّأ الأول – الأزهري - على تجريد هؤلاء المتظاهرين والمعتصمين من مصريتهم ، وأنهم ليسوا على دين ولا منطق ولا عقل فيما خرجوا فيه ويطالبون به ، وأفصح عن أن مهمة الجيش المحافظة على الأرض والعرض والدم والمال ، ويبدو أن المعتصمين في رابعة والنهضة ، والمتظاهرين في سائر ميادين مصر ليسوا مصريين بناء على مقدمة كلامه في تجريدهم من مصريتهم ولذا أحَّل للجيش سفك دمائهم وانتهاك حرماتهم ، وفى صدر كلامه أنكر نكسة الثلاثين من يونيو 2013 م ولم يعتبرها انقلابا بل ثورة بدليل خروج الشعب ، وما كان له أن يرى سوى ذلك ، حتى تُصدِّر الشئون المعنوية صورته وصوته ، أيقول إنه انقلاب ، وتنشر الشئون اللامعنوية قِيْله !، فماذا هو قائل لمستشار شيخ الأزهر – رئيس مجمع اللغة العربية - الذي صدع الحق ولم يخش في الله لومة لائم ، وجهر بأن ذلك إنما هو انقلاب عسكري مكتمل الأركان ، - وما هو قائل للسناتور الأمريكى جون ماكين الذي جهر بذلك - واستدل الأزهري بما لا ينهض معه دليلا أن ما حدث هو ثورة وإرادة شعب ، وهذا تلبيس إبليس ، أولا : شتان بين الخروج في الخامس والعشرين من يناير 2011م ، والخروج في الثلاثين من يونيو 2013م ، الأول كان إجماعا شعبيا ، والثاني كان هناك انقسام شعبي بين مؤيد ومعارض ، ولما افترق الخروجان ، افترق عليه موقف الجيش ، في الخروج الأول بإجماع شعبي سانده الجيش فقلَّت الخسائر ، وحُقنت دماء ، وانحسم الأمر ، بينما الخروج الثاني كان الانقسام الشعبي بين مؤيد ومعارض ، واستقوى المعارض بالجيش ، وانقسم الشعب بتدخل الجيش إلى قاتل ومقتول ؛ فقد أسفرت الأيام عن الوجه الكالح للمعارض ومن استقوى به ، عن أن المعركة ضد الإسلام ومن يُمثله ، ثانيا : شتان بين عدد الخارجين في الخامس والعشرين من يناير 2011م والخارجين فى نكسة الثلاثين من يونيو 2013م ، والتى اشتد فرح اليهود بها أشد من فرحهم بنكسة يونيو 1967م ، فقد كفاه الجيش المصري المؤونة حيث انكفأ إلى الداخل ووجَّهَ سهامه وسلاحه إلى شعبه لا إلى اليهود ولا يخفى ذلك على متابع !! وفعل بأفراد شعبه المخالفين له في الرأي والمعارضين لانقلابه وبغيه وغدره ،ما لم يفعله باليهود ، بل قتل وسحق من أفراد شعبه في سويعات من نهار ولا زال ، أضعاف ما قتل من اليهود في ربع قرن أو يزيد ، ثالثا : العدد الذي خرج في نكسة الثلاثين من يونيو 2013م يحتاج إلى شهادات موثوقة من أهل العدالة والنزاهة بحقيقة هذا العدد ، ما هو السبيل القانوني الصحيح بل ما هو المستند الشرعي الذي اعتمدت عليه أيها الأزهري وكذا شاغل منصب الإفتاء سابقا – مما ستلقون به ربكم ، بأحقية هذا العمل والخروج على الرئيس الشرعي المنتخب ، وما دمت مع البيادة ، فكيف تبلغ السيادة العلمية ، والحيادية العلية ، والنزاهة اليقينية ، والعجيب أن من كان يشغل منصب المفتى سابقا ، لا يتورع عن أن يقول إنه مع البيادة حيث يقول نصا " أنا مع الجيش " وليس ذلك بدعا ولا غريبا على بدعيات الرجل ، وتاريخه ، مما أُنزِّه قلمى ولساني عن الخوض فيه ، ولكنى أدور مع الحق - حيث دار بحول الله وقوته - ، وأسوقه ممهورا بالدليل والبرهان ليتقدم اتضاحا ، وتتأخر الشبهة افتضاحا ، فأولى بأمثاله أن يقول : أنا الحق ، كائنا من كان الذي معه الحق ، جيشًا أم شعبًا أم فردًا أم جماعة ، رئيسًا أم مرؤوسًا ، والأعجب الأغرب في كلام الأزهرى – سالم عبد الجليل – في وصفه لمعتصمي ومتظاهري رابعة والنهضة وسائر ميادين مصر بأنهم بغاة ، وجاء كلامه دون دليل من كتاب أو سنة ، فجاء حديثه عاريا عن الحقيقة ، ولكنها النفس حين تزل ، ويستبيح المرء لنفسه أن يقول على الله بغير علم ، فيوبق نفسه ويبيع أخراه ، ودينه بعرض من الدنيا ، وعلى شاكلته شاغل منصب الإفتاء في مصر سابقا ، فيصف المعتصمين والمتظاهرين - المطالبين بالشرعية المتمثلة في عودة الرئيس المنتخب من اختطافه القسري وعودة الدستور المستفتى عليه وكذا مجلس الشورى ، والقائلين بحرمة الخروج على هذا الحاكم الشرعي – يصفهم بالخوارج ويستحل سفك دمائهم ، ليبوء بإثمه وإثم من أفتاهم بالقتل فقتلوا ، وإثم شهداء مجزرة الساجدين ، والمنصة وحرائر المنصورة ، والأربعاء الأسود ،" إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ" المائدة:(29) ، ويُغالط الرجل – أعنى شاغل منصب الإفتاء سابقا أقول : يُغالط نفسه ويخون الأمانة العلمية ، حيث اعتبر قائد الانقلاب هو القائد الشرعي المجمع عليه ، والخارج عليه يحل قتله ، حيث يقول : هناك من يريد أن يشق الصفوف ، والنبي صلوات الله وسلامه عليه – يتكلم " إذا كنتم جميعا على رجل – وليس جماعة – هكذا يقول : وهذا هو الذي حدث في ثورة ثلاثين يونيو – هو يسمي ذلك ثورة - خرج الشعب ولذلك كان الجيش معه ، إذا نحن جميعا على رجل ، وجاء من يريد أن يفرقكم فاقتلوه كائنا من كان " يا صاحب الفضيلة هل نسبة التصويت التى فاز بموجبها الرئيس مرسي بولاية أمر مصر لمدة أربع سنوات كانت أصوات الجماعة أم أصوات الجميع يا فضيلة الشيخ ؟؟؟!! يا فضيلة الشيخ : كم النسبة التى يحكم أوباما جميع الشعب الأمريكى ؟؟ !! لا يحكم شعبه فحسب ؟؟!!! كم النسبة التي بها رجحت كفة الرئيس الفرنسى الحالى على منافسه ساركوزي !!! إن الرجل يغالط نفسه ، ويلعب بالأحداث والأحاديث الصحيحة ، الحديث الشريف الذي ساقه صحيح ، ولا ينطبق على قائد الانقلاب – بحال من الأحوال - بقدر انطباقه على الرئيس الشرعي ، إذا ما نظرنا إلى نسبة التصويت التى أعلنتها اللجنة العليا للانتخابات وتسلَّم الرجل مقاليد الأمور في البلاد بموجبها وكان هذا بمثابة عقد بين الأمة والحاكم الشرعي إلى أجل ، والواجب الشرعي ، الصبر حتى يبلغ الكتاب أجله ، لقوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ " المائدة: 1، أما قائد الانقلاب فمن الذي انتخبه ، من الذي اختاره ؟؟ !! وعلى كل حال نبرأ إلى الله تعالى من هذه الافتراءات والاتهامات ، ومن كل قطرة دم أريقت بغير حق ، ولما كان الواجب على أمثال هؤلاء بل كل المسلمين قول الحق ، وتحرِّيه ، وألا نقول ما ليس لنا بحق لقوله تعالى :" مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ " المائدة : 116، وكان التكليف بأن نقول القول السديد " وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا" النساء(9) ، وقوله تعالى : " يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا " الأحزاب : 70 – 71) ولأن الله تعالى أخذ على أمثالنا العهد والميثاق ، بالبيان والتوضيح ، وأن نقول بالحق حيث كنا ولا نخاف في الله لومة لائم ، وحذرا من إثم الكتمان الذي توعد عليه الله تعالى أهل العلم فى قوله تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ*إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ " البقرة: 159-160) . لهذه المنطلقات كلها من النصوص جاء هذا البيان ردا على كلٍ مِنْ : من كان يشغل منصب الإفتاء سابقا ، ومن ظهروا فى مقطع اليوتيوب لوزارة الدفاع المصرية إدارة الشئون المعنوية ، ( صاحب الزي الأزهري ، سالم عبد الجليل ، وعمرو خالد ) بل ردا كذلك على خطيب الحرم المكي – الذي ذاد فى اسمه على قائد الانقلاب بانحشار حرف الدال بعد السين الأولى - ،وإمامه فى مباركته لانتهاك حرمة المؤمنين الراكعين الساجدين ، الصائمين القائمين ، وغيرهم فقد كان الأحرى بخطيب الحرم ، أن يستحضر وهو في الحرم وينصح لإمامه ، أن هؤلاء الركَّع السجود أعظم عند الله حرمة من حرمة الكعبة ، ولكنها الفتنة ، وزلة العَالِم زلَّةٌ للعالَم ، كما سأتناوله في ردى على شيخ الأزهر ، بحول الله وقوته ، أقول وبالله التوفيق : البغاة والخوارج لهم أحكام مبثوثة فى كتب الفقه المبسوطة والموجزة ، وأصل هذه الأحكام قوله تعالى "إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[1]" وقوله تعالى :" وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" الحجرات:( 9 : 10) والسؤال المهم الآن هل هؤلاء المتظاهرون بغاة أو خوارج تنطبق عليهم هذه الآيات وأحكامها حتى يحل لأنظمة الحكم مواجهتها بالسلاح أم لا ؟؟ ، وهاك الجواب مؤصلا - بعدم بغيهم بعشرين دليلا - ومفصلا
ثالثا : الدلائل والبراهين على أن
*هؤلاء المتظاهرين ليسوا بغاة*
1-فالبغاة لهم شوكة ومنعة - لَا يَتَحَقَّقُ الْبَغْيُ بِدُونِهَا- بِحَيْثُ يُمْكِنُ بِهَا مُقَاوَمَةُ الْإِمَامِ ( السلطان وجنوده ، أو بِحَيْثُ لَا يَسْهُلُ الظَّفَرُ بِهِمْ ، و ليس لهؤلاء شوكة ولا منعة ، وإنما هم أُنَاس عُزَّل ، تلقَّوا بصدورهم العارية طلقات الأعيرة النارية ، وتمَّ إشعال النيران فى أجسادهم ، وبعضهم لا زالت الروح تجرى فى أوصاله ، ومن الأدلَّة التاريخية الدالة على أن هؤلاء ليسوا بغاة ولا خوارج ما وقع فى عهد عليّ - رضي الله عنه , فإن عليًا لم يتعرض لهم – أي للخوارج - حتى استعملوا القوة, ولم يعتبرهم بغاة إلا بعد استعمالها[2] بل البغى هنا قد كان من قادة الانقلاب وأعوانه ، ومفتيه ، هل لو كانت لهم شوكة ومنعة ، أكان يتم اعتقال من اعتقل ، وفى مقدمتهم المرشد ، وقتل من تم قتله ، وفيهم حفيد البنا ، وكريمة البلتاجي ، ونجل المرشد ؟؟!!
2- ليسوا بغاة ، إذ البغاة هم الخارجون على الإمام العادل القائم بأمر الله تعالى ، وليس الأمر هكذا هنا ، كما استوعبه القاصي والداني ، حتى طفح الكيل وأظلم الليل ، وبلغ الحزام الطبيين ،فالْخُرُوجَ عَلَى الْجَائِرِ لَيْسَ بَغْيًا[3] ، والجائر هنا من ظل ثلاثين عاما يعيث مصر فسادا وبغيا وعدوانا حتى خرجت عليه جموع الشعب فى الخامس والعشرين من يناير 2011م ، وكذا الجائر هنا ربيبه الذي غدر وخان العهد وحنث فى اليمين ، وقاد الانقلاب على الشرعية وسقك دماء الساجدين ، الصائمين ، ولا زال .
3- ليسوا بغاة فلم يحملوا سلاحا فقد وَعَوا أن النبي صلوات الله وسلامه عليه حذرهم من اللجوء إلى هذه الوسيلة فقال: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا".[4]، ولما كان حمل السلاح مؤديا بصورة أو بأخرى إلى إيذاء المسلمين كان تحريم تعاطي مثل هذا وغيره من الأسباب المفضية إلى الأذية بكل وجه، وفي الحديث حجة للقول بسد الذرائع".وفى رواية "مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْفَ فَلَيْسَ مِنَّا".[5] " من رمانا بالنبل فليس منا"[6] ، والمنظمات الدولية التى وصلت إلى ميدان رابعة شهدت بعدم حملهم أو احتواء أماكن اعتصامهم على أسلحة ، ولما نسب إليهم وزير خارجية الانقلاب زورا وبهتانا أنهم شاهدوا الأسلحة كذبوه جهرا نهارا. وذلك ليس سرا ، بل هو متداول مشهور.
4- ليسوا بغاة إذ لَيْسَ فِيهِمْ مُطَاعٌ[7]، إذْ لَا شَوْكَةَ لِمَنْ لَا مُطَاعَ لَهُمْ ،لَا يُكْتَفَى فِي قِيَامِ شَوْكَتِهِمْ بِكُلِّ مُطَاعٍ بَلْ لَا تُوجَدُ شَوْكَتُهُمْ إلَّا إنْ وُجِدَ الْمُطَاعُ، وَهُوَ (إمَامٌ) لَهُمْ (مَنْصُوبٌ) مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ لِلْحُكْمِ بَيْنَهُمْ[8] ، فكم أعيا المراقبين البحث عن قيادات لهم ومراكز توجيه لهم ، فلم يرجعوا حتى بخفي حنين ، وإنما الذكاء الجمعي الذي تجاوب معه كافة أطياف الشعب – على اختلاف حرفهم ومهنهم وأعمارهم ودرجات تدينهم ومِلَّتهم - في كافة محافظات مصر وخارجها، بل تجاوب معهم كذلك غير المصريين بل غير عرب كما في اليابان فى ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م - ، وماليزيا، وتركيا وغيرها من بلدان العالم ، تضامنا مع المتظاهرين ضد الانقلاب والمعتصنمين فى رابعة والنهضة وغيرها من ميادين مصر ، عجيب !! ما الذي أصاب شعوب هذه البلدان من ظلم وجور المخلوع والخائن ؟!!، أهو شعور الإنسانية العام، القرآن الكريم فيه شاهد لهذا ، وكذا التاريخ ، أما القرآن الكريم فقد قال تعالى :"مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً"[9] وأما التاريخ فلما عُزل المنصور بن عمران عن القضاء، جعل الناس يسبّونه. وكان فيهم رجل يلجّ ( يبالغ ) في أذاه فقال له: يا هذا أسأت إليك قطّ؟ قال: لا. قال: فما حملك على هذا الذي تأتيه؟ قال: سمعت الناس يشتمونك فساعدتهم، فأنشد المنصور:
غير مطالبين وترا ولكن ... مال دهر على أناس فمالوا
وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلى ذَمِّهِ ... ذَمُّوْهُ بِالحَقِّ وَبِالبَاطِلِ
مقالة السّوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل[10]
قلت : لا عجب في ذم أناس لولاة جور وظلم وحيف ، ولا سبيل ولا سلطان لهؤلاء الولاة عليهم ، ولم يمسسهم منهم سوء ، في القرآن الكريم ورد أن الملائكة - وهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون- يلعنون من يلعنه الله ، ويلعنه عموم الناس ، قال تعالى:" كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ*أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ*خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ*إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ [11]" " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ[12] ، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله أما بعد فقد أمكنتك القدرة من ظلم العباد فإذا هممت بظلم أحد فاذكر قدرة اللّه عليك واعلم أنك لا تأتي الناس شيئاً إلا كان زائلاً عنهم باقياً عليك واللّه آخذ للمظلوم من الظالم والسلام[13] كل ذلك ليحذر الإنسان في سلوكه مما يجلب عليه اللعنة من الخالق ، والمقت من المخلوقين، وقد قيل قديما: إياك وما يعتذر منه، وقيل: من عرَّض نفسه للتهم فلا يأمن من إساءة الظن، وقالوا: حسبك من شرّ سماعه. وكان من الأدب الجم : التحفظ من أن تكون عرضة للمقالة القبيحة وإن كانت باطلا.
5- ليسوا بغاة : لأنهم ليسوا متأولين[14] : فلم يخرجوا لإنكار أمر منكر يحتمل التأويل ،أي يحتمل أن يكون منكرا ، ويحتمل غير ذلك ،كالمرتدين [15] بل خرجوا لرد الظلم البيِّن ودفع البغي القطعي ، والعدوان السافر ، على السلطة الشرعية المتمثلة فى الرئيس المنتخب ، والدستور المستفتى عليه ، والمجلس المنتخب بأنزه انتخابات شهدتها مصر وشهد لها العالم ، وفى القرآن العزيز " لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِيماً"[16] وقال تعالى :" وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ"[17]
6- ليسوا بغاة : لأنهم ليسوا معاندين كمانعي الزكاة[18] فلم يعاندوا فى منع حق وجب عليهم 7- ليسوا بغاة: فلم يتركوا الجُمع والجماعات فقد أقاموا الجمع والجماعات ، بل صلوا التروايح والتهجد على سمع وبصر العالم كله، في ساحة الميادين ، حيث يعتصمون ، وحيثما أدركتهم الصلاة. فكيف تقول عنهم يا عبد الجليل إنهم بغاة ، بأي وجه حق ؟؟؟!!
8- ليسوا بغاة فلم يتحصنوا بحصن ، آووا إليه ، ولا بمعسكر عسكروا فيه، بحيث يُمْكِنُهم مَعَه مُقَاوَمَةُ الْإِمَامِ فَيَحْتَاجُ فِي رَدِّهِمْ إلَى الطَّاعَةِ لِكُلْفَةٍ مِنْ بَذْلِ مَالٍ وَتَحْصِيلِ - وَإِعْدَادِ - رِجَالٍ[19] وَنَصْبِ قِتَالٍ لِيَرُدَّهُمْ إلَى الطَّاعَةِ[20]
9- ليسوا بغاة: لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا إخَافَةَ الطَّرِيقِ ، ولا ترويع الآمنين ، فَيكون ُحكْمُهُمْ كَحُكْمِ قُطَّاعِ طَرِيقٍ ، فيواجهوا بالسلاح ، بل كانوا دعاة أمن وسلام ، وطلاب حق ودعاة خير ووئام ، ولم يصولوا على غير المسلمين، مما كان يتوهم ويُروَّج له ، بل إن غير المسلمين التحموا معهم ، وكوَّنُوا ملحمة رائعة قل أن يوجد لها نظير في العالم. أعان كل واحد منهم الآخر على إقامة شعائر دينه بسماحة منقطعة النظير وبحراسة انتفت معها مزاعم التعصب والفتنة الطائفية المدعاة ، بل تم خلال هذه الاعتصامات إشهار حالات إسلام غير مسلمين ، فالحقيقة جمع هؤلاء المتظاهرين والمعتصمين دعاة حق مسلوب ، وأصحاب مطالب مشروعة، سلبت حقوقهم، ونهبت ثروات بلادهم، وحيف عليهم ، وتعثر بهم السبيل، ولم يجدوا من الراعي – الذي سقط بثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م، ولا من قادة الانقلاب الغادرين الخائنين ، وإن زعموا أبوة رحيمة ، ولا أخوة شفيقة، ولا رعاية حميمة، ولكن وجدوا أنفسهم تحت هذين الحكمين – قبل الخامس والعشرين من يناير 2011م ومن الثلاثين من يونيو 2013م- أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام، لا يجدون قوتا في بيوتهم ، ولا يستطيعون حيلة ، ولا يهتدون سبيلا، وأمام أعينهم وتحت سمعهم وبصرهم ، يعب أناس من المال حتى التخمة، وهم يتضورون جوعا. والله تعالى سائل المخلوع والخائن عنهم يوم القيامة – سواء أدركتهم يد العدالة في الدنيا أم لم تدركهم ، فمن استطاع الإفلات من عدالة الدنيا فلن يُفلت من عدالة الآخرة ، ولئن انبرى وبرع محامون ليجادلوا بالباطل عن هؤلاء الطغاة البغاة من الانقلابيين وأركان الدولة العميقة ، فلسوف يخزيهم الله – جميعا يوم القيامة قال تعالى : " هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا" النساء (109)
10- هذا ومما يدل على أن هؤلاء المعتصمين والمتظاهرين ليسوا بغاة، وإنما دعاة حق ، ومن ساند أو ظاهر هذا الانقلاب من أفراد العامة ، من أركان الدولة العميقة ، ومن فلول الحزب الباغي أو من غير الحزب، أو من زعماء العالم المزيفين ، ليسوا على حق فى اتصالهم بقادة الانقلاب ، ومؤازرتهم ومناصرتهم، وتأييدهم لهم، ما تقرر فى الشرع من حرمة ذلك قال ابن عابدين، -[21] رحمه الله تعالى: "َإن الْمُسْلِمِينَ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى إمَامٍ وَصَارُوا آمِنِينَ بِهِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ لِظُلْمٍ ظَلَمَهُمْ بِهِ فَهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ الظُّلْمَ وَيُنْصِفَهُمْ. وَلَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يُعِينُوا الْإِمَامَ، عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى الظُّلْمِ، وَلَا أَنْ يُعِينُوا تِلْكَ الطَّائِفَةَ عَلَى الْإِمَامِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى خُرُوجِهِمْ عَلَى الْإِمَامِ"[22] ، ومما هو مقرر أصوليا : أن الإعانة على الحرام حرام.
11- ليسوا بغاة فلم يَتَعَرَّضُوا لِحَرِيمِ أَهْلِ الْعَدْلِ[23] فلم تؤثر حالة واحدة تم فيها التعرض لامرأة كبيرة أو صغيرة بخدش حياء ، أو تدنيس ثوب ، أو تجاوز حدود بل شاع العفاف، وانتشر الطهر فى النفس قبل الواقع المعاش.
12- ليسوا بغاة فلم يَأْخُذُوا مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ مَا لَيْسَ لَهُمْ ،أَوْ يَمْتَنِعُوا مِنْ دَفْعِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ بل مُنِعوا حقوقهم وانْتُهكت حرماتهم ، "وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد". البروج : 8
13- ليسوا بغاة فلم يَتَظَاهَرُوا عَلَى خَلْعِ الْإِمَامِ الَّذِي انْعَقَدَتْ بَيْعَتُهُ[24] بحق ؛ بل بالزور والبهتان والغش والبطلان مما أقر به رأس النظام بأن العملية الانتخابية شابها ما شابها ، وشهد به القاصي والداني وبدليل ما تقرر من العزم على إعادة الانتخاب فى بعض الدوائر ، وترافع إلى القضاء متظلمون .وأقُصي الكفاة والأخيار ، وتم التمكين لأزلام النظام ، وسدنته ، هذا حال ما قامت عليه ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م ، وما وقع فى الثلاثين من يونيو 2013م فقد وقع الانقلاب ، غدرا وخيانة للعهد ، وحنثا فى اليمين ، وإفسادا فى الأرض ، وتكميم الأفواه ، وإغلاق القنوات ، وقصف الأقلام التى من خلالها تتضح الصورة الأخرى بل الوجه الحقيقى لمجريات الأحداث ، حتى يكون الناس على بينة من أمرهم ، وشاع الاستبداد والقمع ، والمصادرة للحريات منذ اللحظة الأولى للانقلاب ، وألغيت قرارات ، وتم بمجرد الإنقلاب تعطيل وإيقاف وإلغاء مشاريع ، جبارة عملاقة كانت ذات بال فى تعديل المسار الاقتصادي للبلد، وذلك مما لا يخفى على متابع.
14- ليسوا بغاة ، فخروجهم إنما هو لإزالة جور أو – رفع - ظلم[25]
15- ليسوا بغاة ، ولو تنادوا بعزل ( الراعي العام ) – والمراد به هنا الرئيس المؤقت المُعيَّن أو قائد الانقلاب - أو بعصيانه وعدم طاعته أو بالامتناع عن أداء ما عليهم من واجبات تقوم الدولة على استيفائها[26].
16- ليسوا بغاة : فلم يرتكبوا جرما ، ولم يفعلوا محرما ، بل المجرمون - فى دولة الانقلاب - آمنون ، مطمئنون ، فقد أمِن الملحدون فى عهد هؤلاء الطغاة الانقلابيين ، وأخيف المُوحِّدون ، وأوحِشَت المساجد ، وأونست البِيَعُ والكنائس - ولكن إذا فعل الخارجون شيئًا محرمًا عوقبوا عليه باعتباره جريمة عادية[27]، لا على خروجهم وتظاهرهم وجؤارهم بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وإزالة الظلم والعسف، ، وسائر ما ترتب علي الانقلاب من آثار ، ومن الأدلة على ذلك ما قاله علي –رضي الله عنه - بعد أن جرحه ابن ملجم, قال على – رضي الله عنه - لابنه الحسن: أحسنوا إساره؛: أطعموه واسقوه واحبسوه, فإن عشت فأنا ولى دمى أعفو إن شئت وإن شئت استقدت, وإن مت فاقتلوه ولا تمثلوا به. - أنه أشار بالقصاص منه فقد اعتبر عليٌ – رضي الله عنه - جريمة ابن ملجم جريمة عادية ولم يعتبره باغيًا لأن خروجه لم يكن مغالبة[28]
هذا هدي الخلفاء الراشدين الذين قال فيهم رسول الله – صلوات الله وسلامه عليه - " عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ " صحيح الجامع (رقم2549) ، ولكن مفتى قائد الانقلاب والشئون المعنوية للجيش المصري اعتبروا المعتصمين المتظاهرين فى كافة المحافظات بغاة هكذا بلا تأصيل ولا دليل وأنَّى لهم الدليل والبرهان على ذلك ولو ابْيضَّ الغراب ، إلا فى دولة البوليس ، حيث تُكال التُهم ، ويتم تفصيل المؤامرات ويأمن الخائنون ، ويخاف الأمناء ، وتُلَوَّث صحائف الشرفاء ،لقد جاءت فتوى من ظهروا فى مقطع اليوتيوب الذي عليه شارة وزارة الدفاع المصرية لتدفع بالجيش المصري متخذا من هذه الكلمات الشوهاء ، ستارا وغطاء ليُحاكي الجيش ما فعله الحزب الشيوعي الصيني فى أخريات القرن الماضي عندما امتلأ ميدان السماء بالطلاب المطالبين بالحرية ، فسحقهم بالدبابات ،" وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا" النساء: (115) " يروى الحضرمى يقول: دخلت مسجد الكوفة من قِبَل أبواب كندة, فإذا نفر خمسة يشتمون عليًا وفيهم رجل عليه بُرْنُس يقول: أعاهد الله لأقتلنَّه, فتعلقتُ به وتفرقتْ أصحابه عنه, فأتيت به عليًا فقلت: إنى سمعت هذا يعاهد الله ليقتلنَّك, فقال: ادْنُ, ويحك من أنت؟ فقال أنا سور المنقرى. فقال عليٌ: خل عنه. فقلت: أُخَلِّى عنه وقد عاهد الله ليقتلنَّك؟! قال: أفأقْتُلْه ولم يَقْتُلني[29]؟ أرأيت يا صاحب الفضيلة ، يريد الرجل الذي جلب من هدَّد بقتل الخليفة العادل ختن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أن يتنزع تفويضا من الخليفة الشرعي – لا المؤقت ولا الخائن لسفك دم حرام ، فيأبي عليه لأن الله تعالى يأبى ذلك ورسوله والمؤمنون. " وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا" النساء: (115)
17- إن هؤلاء المتظاهرين ليسوا بغاة، ولو نفضوا أيديهم من يد قائد الانقلاب وأعوانه وحكومته ؛ لبغيهم وظلمهم وتضييعهم للأمانة وعدم قيامهم على مصالح الشعب ، وتفريطهم في دم أبناء وطنهم الذي أهدر على يد الصهاينة المتعصبين على الحدود بدم بارد ، فى كل ذلك لا يعدون به بغاة ، ولا أدل ولا أنص على ذلك من مثل ما وقع من بعض الصحابة – رضي الله عنهم - فى صدر الإسلام, من الامتناع عن البيعة المشروعة ؛ فقد امتنع عليٌ – رضي الله عنه - عن مبايعة الصديق أشهرا ثم بايع, ورفض سعد بن عبادة مبايعته ولم يبايعه حتى مات. وكامتناع عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير عن المبايعة ليزيد. ولم يعتبرهم أحد بذلك بغاة ؛ حتى يوجب قتالهم وقتلهم.
18- إن هؤلاء المتظاهرين ليسوا بغاة فلا يحل قتالهم ، ولا سفك دمائهم ،فها هو الخليفة الراشد علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – لم يعتبر الخارجين لمجرد خروجهم وتجمعهم – اعتصامهم - بغيا وعدوانا يقتضي قتالهم وقتلهم ، كان يخطب يومًا فقال رجل بباب المسجد: لا حكم إلا لله, وهى عبارة كان الخوارج يتنادونها يُعرِّضون بقبول عليٍ التحكيم. فقال عليٌ : كلمة حق أريد بها باطل, لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله, ولا نمنعكم من الفيء ما دامت أيديكم معنا, ولا نبدؤكم بقتال[30]. أرأيت هدي الخليفة الراشد . فما بال هؤلاء الانقلابيين ، ومن أصدروا لهم الفتاوى ، بأي دليل وبأي مستند شرعي ، استباحوا حرمات الراكعين الساجدين الصائمين القائمين والشيوخ والأطفال والنساء بل أشعلوا النيران في المصابين وهم داخل الخيام حتى تفحمت أجسادهم مما لم يسبق له مثيل؟؟
19- إن هؤلاء المتظاهرين ليسوا بغاة ،فلم يقطعوا سبيلا ، ولم يعتدوا على أحد قائم بعمله ، ولم يقاتلوا أحدا ؛ كتب عمر بن عبد العزيز إلى الولاة فى شأن الخوارج قائلا: إِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِ الْقَوْمِ أَنْ يَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ فَسَادٍ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَلَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا يَتَنَاوَلُونَ أَحَدًا وَلَا قَطْعَ سَبِيلٍ مَنْ سُبُلِ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَذْهَبُوا حَيْثُ شاؤوا وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُمُ الْقِتَالَ فَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّ أَبْكَارِي مِنْ وَلَدِي خَرَجُوا رَغْبَةً عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لَأَرَقْتُ دِمَاءَهُمْ أَلْتَمِسُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ والدار الآخرة[31] وكان من سيرة الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه - فى الخوارج: ما ورد من أنه لما كتب إليه عدى بن أرطأة أن الخوارج يسبونك, فكتب إليه: إن سبونى فسبوهم, وإن شهروا السلاح فأشهروا عليهم, وإن ضربوا فاضربوا[32]. أرأيت لم يأذن بإشهار السلاح والضرب إلا معاملةً بالمثل ، وإلا فمن أين لهؤلاء المفتين ما ذهبوا إليه فى تضليل الرأي العام ، وتجرئيهم الجيش على شعبه ، حتى يقتل الأخ أخاه ، والابن أباه. أولم تتعالى الأصوات هادرة ، ومتجاوبة مع المرشد ، ثورتنا سلمية ، سلميتنا أقوى أقوى من الرصاص.؟؟!!
20- ولا يعتبر الخروج – التظاهر والاعتصام - بغيًا عند مالك والشافعى وأحمد والظاهريين إلا حينما يبدأ هؤلاء الخارجين باستعمال القوة فعلاً, أما قبل استعمالها فلا يُعتبر الخروج بغيًا ولا يُعتبرون بغاة ، ويعاملون كما يعامل العادلون ولو تحيزوا فى مكان وتجمعوا – أي اعتصموا - ولو كانوا يقصدون استعمال القوة فى الوقت المناسب, ولكن ليس ثمة ما يمنع من منعهم من التحيز وتعزيرهم على التجمع بقصد استعمال القوة ولإثارة الفتنة. أما أبو حنيفة فيعتبرهم بغاة- إذا كان تجمعهم أي اعتصامهم بقصد القتال - ويعتبر حالة البغى قائمة من وقت تجمعهم بقصد القتال - والامتناع من الإمام لأنه لو انتظر حقيقة قتالهم ربما لا يمكنه الدفع. وعلى ذلك فقد التقى رأي الإمام أبي حنيفة مع الأئمة الثلاثة والظاهريين بأن هؤلاء المعتصمين والمتظاهرين ليسوا بغاة ، إلا إذا توفرت القرائن على قصد المعتصمين والمتظاهرين القتال ، ودون إثبات ذلك خرط القتاد ، لأنه عزيز الملتمس ، بعيد المقتبس ، هذا ومذهب الشيعة الزيدية يماثل مذهب أبى حنيفة فى هذا. والأصل عند الجميع أن البغاة لا يحل قتالهم إلا إذا قاتلوا, فمن نظر إلى حقيقة القتال اشترط أن يقع القتال فعلاً, ومن نظر إلى وجودهم فى حال قتال اكتفى بتجمعهم بقصد القتال والامتناع[33] ما أنصع هذا التقرير الذي حرَّره شهيد الإسلام القاضي : عبد القادر عودة – عليه سحائب الرحمة - ومنه تتبين أيضا أن هؤلاء المعتصمين والمتظاهرين ليسوا بغاة ، وأنه يحرم قتلهم بل قتالهم إلا إذا قاتلوا أو كان حالهم حال قتال ودون تبَيُّن هذا من دون قرائن خرط القتاد كما أسلفنا ، فكيف أيها المفتى تجرؤ على أن تُحِل ما حرَّم الله ، ورسوله -صلوات الله وسلامه عليه .؟؟؟!!!
21-إن هؤلاء المتظاهرين ليسوا بغاة ، كما أسلفنا، وإنما هم طلاب حق ودعاة إصلاح سدت في وجوههم الأبواب، وحيل بينهم وبين قول كلمة الحق، وإحقاقه ، وتحقيق الصالح للعباد والبلاد ، وسد النظام في وجوههم أبواب الحوار والمراجعة أو قل الرجوع إلى المسار الديمقراطي الذي تواضع الكل عليه ، وصار ما يُسمى بخارطة الطريق كقرار فرعون القديم " مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى " ووصدت في نفوسهم بواعث الأمل ، وكممت الأفواه، وقصفت أقلام الحق، وتم إقصاء دعاة الحق عن المنابر ،في المساجد، والصحف وأجهزة الإعلام ، والمجالس النيابية ، بتزييف إرادتهم في الانتخابات، فلم يكن أمامهم بد من ركوب متن الطريق، ليسمع صوتهم، وليصل أنينهم إلى سمع كل ذي سمع ، قاصي وداني، بل إلى سمع العالم الحر ، وذوي الضمائر الحية ، والفطر السليمة ، انتصارا وانتصافا ، قال تعالى "لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِيماً"[34] أولم يأمر النبي صلي الله عليه وآله وسلم من تأذي من جاره ، - عندما تفاقم أذاه - ، وبلغ السيل الزبي من ضره وانتشار شره، أولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى الطريق العام ويجلس بمتاعه فيه ، أمام ناظري المارة والغادي والرائح ، يستلعنهم على الجار المؤذي، حتى أقلع عن ظلمه ، وكفَّ عن بغيه وغَيِّه ، لمَّا كان فيه بقية من خير، عن أبي جحيفة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو جاره، قال: "اطرح متاعك على الطريق". فطرحه، فجعل الناس يمرون عليه ويلعنونه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما لقيت من الناس؟ قال: "وما لقيت منهم؟". قال: يلعنوني. قال: "لعنك الله قبل الناس". فقال: إني لا أعود. فجاء الذي شكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ارفع متاعك فقد كفيت". ورواه الطبراني والبزار بنحوه إلا أنه قال: "ضع متاعك على الطريق، أي على ظهر الطريق". فوضعه، فكان كل من مر قال: ما شأنك؟ قال: جاري يؤذيني. فيدعو عليه، فجاء جاره فقال: رد متاعك، فلا أؤذيك أبدا[35] وهو فى مستدرك الحاكم من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- بلفظ -: أن رجلا أتى النبي -صلَّى الله عليه وسلم-، فشكا إليه جاره. فقال: يا رسول الله، إن جاري يؤذيني. فقال: (أخرج متاعك، فضعه على الطريق). فأخرج متاعه، فوضعه على الطريق. فجعل كل من مر عليه قال: ما شأنك؟ قال: إني شكوت جاري إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأمرني أن أخرج متاعي، فأضعه على الطريق. فجعلوا يقولون: اللهم العنه، اللهم اخزه. قال: فبلغ ذلك الرجل. فأتاه، فقال: ارجع، فوالله لا أؤذيك أبدا[36] " أرأيت كيف أن الرأي العام كان له دوره في تقويم انحراف واعوجاج الجار وقد كان سبيل ذلك الطريق العام ، بمعناه ولفظه البدهي وقد تكون وسيلته توظيف كل وسائل الإعلام (من صحف ومدونات ومطويات ومنشورات وقنوات واليوم الشبكة العنكبوتية، ومواقع النت المتطورة التي جعلها الله تعالى جندا من جنوده المعاصرة ) لإظهار السوء الذي طفح ، والظلم الذي ربى ، والبغي الذي طم والبلاء الذي عم أرجاء النفس والناس ، والهدف رفع الظلم ورد البغي ، والتغيير والإصلاح ، وقد يكون بإمكان هذا الجار الذي تأذي أن يتحول ، إلى سكن آخر ، أما الرعية التي يؤذيها راعيها ويظلمها فأين تتحول؟ وإلى أين تذهب؟، وعليه فالشارع والطريق العام خير منبر، والتكاتف والتآزر من كافة الفئات وأصحاب الحرف ، سبيل لا نظير له لكفكفة يد الراعي الظالمة، وتقليم أظفاره .رحم الله زمانا، كان الراعي فى هذه الأمة يستشعر المسئولية الجسيمة ، والتبعة العظيمة الملقاة على عاتقه ، والتي يأتي بها يوم القيامة أعتقه عدله ، أو أوبقه جوره ، ها هو الفاروق يستشعر هذه المسئولية والتبعة ، فيقول :" لو عثرت بغلة بالعراق ، لقد خشيت أن يسألني الله تعالى عنها يوم القيامة لِمَ لَمْ أسوي لها الطريق ، ويتعثر شباب ، وطبقات بأكملها في الشعب ، ولا يحس بهم الراعي ، ولا تتحرك فيه شعرة ، ولا ينبض عرق بدمه هشاشة لحال هؤلاء وأولئك لطول الأمد ، وقسوة لقلوب ، وها هو الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز يتذكر الموقف العظيم بيد يدي ديان السموات والأرضين ، ويتوجس خيفة من زلة القدم، فيزرف الدموع تململا من شدة وطأة التبعة وجسامتها، ويشعر به أهله ، فلم يعُد له تواجد بينهم ولا حضور ، فتسأله زوجه فاطمة بنت عبد الملك ، أن يبثها شجنه ومشاعره ، لعلها تتعظ، وتتيقظ ،وإلا فما انفكت عنه، وما أخلته وشأنه ، عَن عَطاء قَالَ: قلت لفاطمة بنت عبد الْملك: أَخْبِرِينِي عَن عمر بن عبد الْعَزِيز. قَالَت: أفعل، وَلَو كَانَ حَيا مَا فعلت. إِن عمر رَحمَه الله كَانَ قد فرَّغ للْمُسلمين نَفسه، ولأمورهم ذهنه ، فَكَانَ إِذا أَمْسَى مسَاء لم يفرغ فِيهِ من حوائج النَّاس فِي يَوْمه دَعَا بسراجه الَّذِي كَانَ يسرج لَهُ من مَاله ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ أقعى وَاضِعا رَأسه على يَدَيْهِ، تسيل دُمُوعه على خديه يشهق الشهقة تكَاد ينصدع لَهَا قلبه، أَو تخرج لَهَا نَفسه، حَتَّى يرى الصُّبْح. وَأصْبح صَائِما فدنوت مِنْهُ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ ألشيء كَانَ مِنْك مَا كَانَ؟ قَالَ: أجل، فَعَلَيْكِ بشأنكِ، وخلِّيني وشأني. فَقلت: إِنِّي أَرْجُو أَن أتعظ. قَالَ: إِذًا أخْبرك، إِنِّي نظرت قد وجدتني وليت أَمر هَذِه الْأمة أحمرها وأسودها، ثمَّ ذكرت الْفَقِير الجائع، والغريب الضائع، والأسير المقهور، وَذَا المَال الْقَلِيل والعيال الْكثير، وَأَشْيَاء من ذَلِك فِي أقاصي الْبِلَاد، وأطراف الأَرْض، فَعلمت أَن الله عز وَجل سائلي عَنْهُم، وَأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حجيجي، لَا يقبل الله مني فيهم معذرة، وَلَا يقوم لي مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حجَّة، فرحمت - وَالله يَا فَاطِمَة - نَفسِي رَحْمَة دَمَعَتْ لَهَا عَيْني، ووجع لَهَا قلبِي، فَأَنا كلما ازددت ذكرا ازددت خوفًا فأيقظي أو دعي[37]. أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ"[38] أُولَئِكَ أكفائي فجئني بمثلهم
أولئك آبائي فجئني بمثلهم..... إذا جمعتنا يا جرير المجامع[39]
هذا وللحديث صلة بحول الله وقوته.
[1] المائدة:33-34.
[2] [التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي 2/ 687]
[3] [أسنى المطالب في شرح روض الطالب 4/ 111]
[4] صحيح البخاري كِتَاب الْفِتَنِ. باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا صحيح مسلم كتاب الإيمان. باب قول النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا".
[5] مسند الإمام أحمد، صحيح مسلم كتاب الإيمان. باب قول النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا".
[6] عند أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
[7] مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (5/ 401):
[8] [تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي 9/ 67]
[9] المائدة:32.
[10] من أبيات لكعب بن زهير
[11] آل عمران: 86-89
[12] البقرة:161- 162
[13] فيض القدير، شرح الجامع الصغير
[14] مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (5/ 401):
[15] نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (7/ 403):
[16] النساء: 148
[17] الشروى:41+ 42
[18] نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (7/ 403):
[19] [تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي 9/ 66]
[20] [حاشية البجيرمي على شرح المنهج = التجريد لنفع العبيد 4/ 200]
[21] محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي (المتوفى: 1252هـ)
[22] الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (4/ 261):
[23] [حاشية الجمل على شرح المنهج = فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب 5/ 114]
[24] [حاشية الجمل على شرح المنهج = فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب 5/ 114]
[25] أسنى المطالب, وحاشية الشهاب الرملى ج4 ص111, كشاف القناع ج4 ص96.
[26] [التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي 2/ 687]
[27] [التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي 2/ 687]
[28] المهذب ج2 ص237, 238, مواهب الجليل ج6 ص278, شرح الزرقانى, وحاشية الشيبانى ج8 ص60, المغنى ج10 ص58, 60, كشاف القناع ج4 ص99
[29] شرح فتح القدير ج4 ص409.
[30] [التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي 2/ 687]
[31] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (23/ 336)[التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي 2/ 688]
[32] المرجع السابق.
[33] شرح فتح القدير ج4 ص410, الروض النضير ج4 ص331, شرح الزرقانى, وحاشية الشيبانى ج8 ص60, نهاية المحتاج ج7 ص383
[34] النساء:148.
[35]مجمع الزوائد كتاب البر والصلة. باب ما جاء في جار السوء وإمام السوء وزوجة السوء نعوذ بالله منهم باب ما جاء في أذى الجار. صحيح الترغيب والترهيب محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى: 1420هـ) مكتبة المعارف - الرياض 2558 - (صحيح لغيره)
[36] مستدرك الحاكم كتاب البر والصلة
[37] نثر الدر في المحاضرات (4/ 30):
[38] الأنعام:90
[39] البيت للفرزدق من قصيدة من الطَّوِيل يفتخر بهَا على جرير
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
28041
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
6849
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5325
| 13 سبتمبر 2026