رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أمتنا أمة عظمية، ذات منهج عظيم، ورسالة عالمية عظيمة، من قبلُ قادت هذه الأمة البشرية، وأحسنت قيادها، وساساتها بما حقق للبشرية السعادة والطمأنينة، ثم أصيبت بأمراض شتى، جعلتها في ذيل الأمم، لكنها – بإذن الله تعالى- قادرة على أن تقود البشرية من جديد، وتسود الأرض مرة ثانية، لكن أمر السيادة والريادة لا يتم بالأماني والشعارات، ولا بالشكوى والبكاء، الريادة والسيادة طريقهما التخطيط الدقيق، والعمل الجاد الدءوب، فلا بد لنا من وضوح في التخطيط، وجدية في العمل، وتشير الدراسات الحديثة إلى أن كل ساعة نقضيها في التخطيط ستوفر علينا (٤) ساعات عند التنفيذ.
الصحة والتعليم الأساسي
وحيث إننا ماضون في هذه المقالات بطرح مشاكلنا مع تقديم رؤية وأفكار لها، فإننا سنبحث خلال هذا المقال وما بعده مشكلة الصحة والتعليم الأساسي في أمتنا الإسلامية، ولعل شهر رمضان الذي فرض فيه الصوم لصحة المؤمنين ونزل فيه قول الله تعالى (اقرأ) يكون حافزا لنا في الحديث عن هذين المجالين.
أفضل ست دول في العالم في معيار الصحة والتعليم الأساسي
* المركز الأول: بلجيكا
* المركز الثاني: فلندا
* المركز الثالث: سنغافورة
* المركز الرابع: آيسلند
* المركز الخامس: نيوزيلندا
* المركز السادس: كندا
هذه هي الدول الأفضل في العالم في معيار الصحة والتعليم الأساسي، فإذا أردنا أن نقتدي فبهم، ولا مانع من أن نقيس أنفسنا بما لديهم، ثم نعدل على الخطط بما يتناسب معنا، فأحد قوانين الإبداع يقول: قلّد أفضل الموجود ثم عدل.
معيار تميز الصحة والتعليم الأساسي لدول الخليج العربي ومصر
الرسم البياني التالي يبيّن الوضع الحالي لدول الخليج العربي بالإضافة لمصر في العام (2011) م، في معيار الصحة والتعليم الأساسي.
* حصلت الإمارات على المركز (37) من أصل (139) دولة
* البحرين حصلت على المركز (35)
* الكويت حصلت على المركز (66)
* السعودية حصلت على المركز (72)
* عمان حصلت على المركز (96)
* قطر حصلت على المركز (15)
* مصر حصلت على المركز (88)
ويحق لنا هنا أن نفخر بدولة قطر العربية، التي نالت المركز (15) على مستوى العالم في معيار الصحة والتعليم الأساسي، أي أنها تفوقت على كثير من الدول الكبرى المتقدمة، مثل أمريكا وبريطانيا والصين.
معيار الصحة كيف يقاس..؟
يقاس معيار الصحة في الدول بعدة أمور أهمها:
(1) ﺗﺄﺛﻴﺮ اﻷوﺑﺌﺔ ﻋﻠﻰ اﻟدوﻟﺔ ومدى اﻧﺘﺸﺎرها خاصة اﻹﻳﺪز واﻟﻤﻼرﻳﺎ واﻟﺴﻞ.
(2) ﻧﺴﺒﺔ اﻟﻮﻓﻴﺎت ﺑﻴﻦ اﻷﻃﻔﺎل.
(3) ﻣﺘﻮﺳﻂ اﻟﻌﻤﺮ اﻟﻤﺘﻮﻗﻊ
أولا: ﺗﺄﺛﻴﺮ اﻷوﺑﺌﺔ ﻋﻠﻰ اﻟدوﻟﺔ
ارتبطت كلمة الوباء (Epidemic) بحدوث مرض معدٍ وانتشاره بشكل واسع بين كثير من الناس في وقت واحد، فهو انتشار مفاجئ وسريع لمرض معين، في بقعة جغرافية، بمعدل فوق المعدل الطبيعي المعتاد.
ولطالما شكّلت الأوبئة مصدر قلق للدول، وتحدياً كبيراً للطب والأطباء وكل من يقدم الرعاية الصحية للناس، بما تسببه من هلاك للأنفس، وإنفاق هائل للأموال، فوباء الملاريا –مثلاً – يحصد أرواح مليون طفل سنوياً، أي بمعدل طفل كل (٣٠) ثانية.
في الماضي كانت الأوبئة تشكل خطراً رهيباً، بسبب الجهل وضعف الرعاية الصحية، وعدم توافر العلاج الناجع، واليوم أيضاً ما زالت الأوبئة تشكل تهديداً للدول، ليس بسبب الجهل، ولكن بسبب سرعة الانتشار بين الناس، لأن انتقال الناس وتواصلهم أصبح أسرع وأوسع من ذي قبل.
وباء الطاعون
ما زالت الصحة تشكل تحدياً أمام رواد التطوير والبناء الحضاري، فلا يمكن أن تتقدم أي دولة طالما بقي معيار الصحة لديها متخلفاً، ولنأخذ مثالا على ذلك وباء الطاعون الذي تنقله الفئران، وأطلق عليها الناس اسم " الموت الأسود " (Black Death).
بين عامي (1347-1352)م اجتاح الطاعون أنحاء واسعة من أوروبا، وتسبب في موت (60) مليون إنسان، أي ما يعادل ثلث سكان القارة آنذاك.
لذا فأي دولة تكون مهيأة لانتشار الأوبئة هي دولة ضعيفة، لا يمكن الاعتماد عليها في التنمية والتطور، ولأننا نخطط لبناء حضارة عالمية لتسود، لا يمكن أن نهمل هذا الجانب، أو أن نغض الطرف عنه، ويمكننا محاصرة الأوبئة من خلال الاستفادة من التطور الإداري وتطويع التقنية لهذا الهدف.
- SARS
مرض (SARS) هو مرض معدٍ يصيب الجهاز التنفسي، ظهر لأول مرة في عام (2003)م، فأصيب الناس على مستوى العالم بالذعر الشديد، والخوف الرهيب، مما دفع دولاً كثيرة إلى دفع تكاليف باهظة لمواجهة هذا المرض، ومن تلك الدول كانت " كندا " التي تشير الأرقام إلى أن تكاليف مكافحة المرض بين عامي (٢٠٠٣-٢٠٠٦)م، بلغت (٨٠٠) مليون دولار، مع أن عدد المصابين لم يتجاوز (160) حالة.
واعترفت الجهات الصحية فيما بعد أنها وقعت فريسة للإعلام الموجّه، والذي بالغ في تضخيم المرض، وأنها لو استفادت من هذه التكاليف، واستغلت تلك المبالغ بشكل صحيح، لأصبح لديها نظام معلوماتي صحي متطور.
انتشار الأوبئة
من المؤشرات التي يقاس بها معيار الصحة في دولة ما، مراقبة ثلاثة أوبئة هي اﻹﻳﺪز واﻟﻤﻼرﻳﺎ واﻟﺴﻞ، لأنها أمراض قاتلة وواسعة الانتشار، فمثلاً وبحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية فإن (40%) من سكان العالم مهددون بخطر الإصابة بالملاريا.
ولقد حاز الإسلام قصب السبق حين دعاء إلى ما اصطلح على تسميته حالياً بالحجر الصحي، حيث يقول النبي "إِنَّ هَذَا الطَّاعُونَ رِجْزٌ أَوْ بَقِيَّةٌ مِنْ عَذَابٍ عُذِّبَ بِهِ قَوْمٌ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا مِنْهُ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فِي أَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ" أحمد
عمر يطبق الحجر الصحي
لقد طبّق عمر بن الخطاب (مفهوم الحجر الصحي في زمانه، فيما عرف بطاعون " عمواس" الذي مات فيه أمين هذه الأمة، أبو عبيدة عامر بن الجراح (، فعن عبد الله بن عباس "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّامِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءَ.
فَقَالَ عُمَرُ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي الْأَنْصَارَ، فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ، فَقَالَ ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمُ رَجُلَانِ، فَقَالُوا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءَ.
فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ! نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ..." البخاري
أوروبا في القرون الوسطى
قارنوا هذا بحال أوروبا في القرون الوسطى، الذي يصفه " كينيث ووكر" حيث يقول في كتابه "تاريخ الطب " إن ظهور الأوبئة وبشكل خاص الطاعون كان يعزى إلى أسباب إلهية، وهذا يعني عقاب البشر بسبب ذنوبهم " وهذا الأمر يسبب للناس شعوراً بالألم، وإحساساً بالذنب، مما يدفعهم إلى حالات من الهستيريا الجماعية، مثل أن يجتمع المريض بالطاعون مع غيره في ذات الكنيسة، دون تطبيق لأدنى قواعد الحجر الصحي، فترى الكنائس وقد امتلأت بالمصلين والمبتهلين، ومع ترنيمات الصلوات كنتَ تسمع أنين المرضى المصابين بالطاعون، فيزداد المرض انتشار واتساعاً بين الناس.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4416
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
2340
| 29 يونيو 2026
يواصل التحكيم القطري ترسيخ مكانته على الساحة الدولية من خلال الكفاءات الوطنية التي أثبتت جدارتها في أكبر البطولات، ويأتي الحكم الدولي عبدالرحمن الجاسم في مقدمة هذه الأسماء التي أصبحت محل تقدير واحترام داخل الأوساط الرياضية العالمية. وقد جاءت إدارته لمباراة البرتغال وجمهورية الكونغو الديمقراطية في كأس العالم 2026 لتؤكد من جديد أن الحكم القطري قادر على تحمل مسؤولية المباريات الكبرى بثقة واقتدار. من وجهة نظري، فإن أكثر ما يميز عبدالرحمن الجاسم ليس فقط معرفته الدقيقة بقانون اللعبة، بل شخصيته القوية وحضوره الواضح داخل الملعب. فمنذ صافرة البداية بدا مسيطراً على مجريات اللقاء، يتخذ قراراته بثقة وهدوء، بعيداً عن التردد أو التأثر بضغوط المباراة وأهميتها. وهذه الصفات تمثل أساس نجاح أي حكم يسعى لإدارة مباريات على أعلى المستويات. كما لفت انتباهي مستوى التركيز العالي الذي ظهر به طوال اللقاء، إضافة إلى حسن تمركزه وقراءته المميزة للعب، الأمر الذي ساعده على الاقتراب من معظم الحالات التحكيمية واتخاذ القرارات المناسبة في توقيتها الصحيح. ولم يكن نجاحه فردياً، بل جاء أيضاً نتيجة التناغم الكامل مع الحكمين المساعدين طالب سالم المري وسعود أحمد، إلى جانب التعاون الفعال مع حكام تقنية الفيديو، وهو ما عكس صورة مشرفة للتحكيم القطري كفريق عمل متكامل. ومن الصفات التي تستحق الإشادة كذلك قدرته على التعامل مع نجوم المباراة بحكمة واحترام. فالحكم الناجح لا يكتفي بإشهار البطاقات أو إطلاق الصافرة، بل يعرف كيف يدير الحوار مع اللاعبين ويحافظ على أجواء المنافسة بروح رياضية راقية. وقد نجح الجاسم في تحقيق هذا التوازن، حيث جمع بين الحزم عند الحاجة والابتسامة التي تعكس الثقة والهدوء. إن الإشادة الإعلامية العالمية التي حظي بها عبدالرحمن الجاسم بعد هذه المباراة لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة أداء متميز يعكس سنوات من العمل والاجتهاد والخبرة. ونحن كقطريين نشعر بالفخر ونحن نرى أبناء الوطن يمثلون بلادهم بأفضل صورة في أكبر المحافل الرياضية العالمية. كلمة أخيرة نتمنى للحكم الدولي عبدالرحمن الجاسم وطاقمه القطري كل التوفيق في مباراتهم المقبلة بين إنجلترا وبنما، وأن يواصلوا تقديم الصورة المشرقة للتحكيم القطري، الذي أصبح اليوم علامة بارزة في كرة القدم العالمية.
1377
| 26 يونيو 2026