رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سياسة الهروب للعوازل الطبيعية هي تدليل قوي بحد ذاتها على أن الحاكم الذي يسلك هذا المسلك هو حاكم ظالم وغير ديمقراطي ويبحث عن مكان يختبئ فيه خوفا من الخطر الداهم و يهيأ لي أن العاصمة الإدارية التي يشيدها السيسي في الصحراء بالقرب من قناة السويس ويجري التخطيط لنقل مقار الحكم ودواوين الحكومة إليها، ما هي إلا تكرار للمنطقة الخضراء التي شيدها الاحتلال الأمريكي في بغداد لحماية قيادات جيشه وحلفائهم العراقيين، لكنه تكرار بالغ الكلفة والفجاجة.
حيث يتشابهان في الأسوار العالية، وفي التأمين بالكمائن والكيانات العسكرية والكاميرات وفي الكروت الذكية التي تمنح للمواطنين ليتسنى لهم الدخول، رغم أن من فعل الإجراءات في العراق - وهي الأقل تأمينا من نظيرتها المصرية - قوة احتلال أجنبي.
سلوك عسكري
عموما فإن فكرة إنشاء عاصمة إدارية للبلاد ليست بجديدة، فقد طرحها الحكم العسكري كثيرا كإجراءات تأمينية، ولكن كانت كلها تجارب فاشلة، إما بسبب الزحف العمراني القادم نحوها من القاهرة القديمة، وإما لنقص التمويل، أو لكليهما.
فقد حول عبد الناصر حي مصر الجديدة النائي في صحراء شرق القاهرة والذي تأسس عام 1910 سكنا لنخبته العسكرية وحول فندق هليوبوليس الفخم إلى قصر جمهوري، وأسكن في هذا الحي الجاليات الأجنبية، وأنشأ بجواره مطار القاهرة ليسهل حركة الانتقال للخارج؛ فيما لجأ مبارك لمدينة نصر لإسكان أسر العسكريين ولتكون امتدادا لحي مصر الجديدة، ولما فشلت التجربة أقام مدينة القاهرة الجديدة.
ثم قام بالاحتماء بمدينة شرم الشيخ في جنوب سيناء معظم الثلاثين عاما التي أمضاها في الحكم، مستفيدا في ذلك بالعوازل الصحراوية والبحرية، فضلا عن قلة أعداد السكان الذين كانوا في الغالب من نخبته الأمنية، هذا بالإضافة إلى الأسوار العالية التي تحيط بقصوره هناك.
أما السيسي فلم يكتف فقط بإنشاء العاصمة الإدارية، ولكن أنشأ أيضا مدينة العلمين الجديدة التي أسموها "مدينة الأحلام"، دون أن تكون هناك أدنى حاجة لها، لتبقى مقرا أكثر تحصينا بالصحراء من العاصمة الإدارية ، وبالطبع أنشأ فيها قصرا جمهوريا حصينا.
سلوك استعماري
سادت ثقافة العوازل الحصينة في القرون الوسطى وما قبلها، ومن أبرز أمثلتها عالميا سور الصين العظيم، فيما كان ما يشبهه بشكل أصغر سور القاهرة الفاطمية في مصر، وكان الهدف من تلك الأسوار آنذاك هو حماية البلاد والناس من الأعداء الخارجيين، في وقت كانت تسود فيه شرعية البقاء للأقوى.
وحينما غزا الإنجليز مصر راحوا يعزلون مناطق القاهرة الخديوية وهي المبنية على الطراز الأوربي ليقطن فيها قادتهم العسكريون وجاليتهم وحلفاؤهم المصريون بينما جعلوا دخول عوام المصريين إليها يتم أيضا بالكروت.
ومن قبل هؤلاء فعل نابليون نفس ما فعله "السيسي" وراح يحتمي بصحراء المقطم المرتفعة ليتخذ منها مقرا للحكم، ويتخذ منه منصة لضرب القاهرة والجامع الأزهر بـ "القنابر".
لكن رغم ذلك زال عنها حكم الفرنسيين والإنجليز وبقيت مصر.
كما أن سور الصين العظيم لم يمنع المغول من غزو تلك البلاد حيث فتح أبوابه أمامهم جنود مرتشون، ولم يمنع سور القاهرة الفاطمية الناصر صلاح الدين من الإجهاز على الدولة الفاطمية للأبد.
تجربة كاشفة
هناك في بورما تجربة عالمية فريدة في مدى اهتمام الحكام العسكريين بإنشاء عواصم إدارية ليحكموا بلادهم من خلالها.
وتقول تقارير صحفية إن منجمين أخبروا الحاكم العسكري عن قرب تفجر احتجاجات شعبية عارمة، وإن الكثافة السكانية في العاصمة "يانغون" ستكون عامل حسم لانتصار تلك الثورة، ونصحوه بالانتقال سريعا لعاصمة حصينة.
وعلى عجل نقلت حكومة بورما عاصمتها إلى منطقة غير مأهولة تدعى "بينمانا" تبعد عن العاصمة القديمة 400 كيلو متر، وحصل كبار موظفي الدولة على إخطارات بسرعة استعدادهم وأسرهم وممتلكاتهم للانتقال إلى العاصمة الجديدة خلال يومين فقط، حيث أقاموا في الخيام لحين الشروع في إنشاء العاصمة.
ومن المهم التأكيد على أن احتماء الحكام بالكانتونات والجيتوهات أو العوازل الطبيعية والمناطق "الخضراء" ، هو إجراء طبيعي ومقبول إن تعلق فقط بالشؤون الحربية.
وفي المقابل يعد إجراء مثيرا للارتياب والدهشة حينما تتم ممارسته على الشعب بما يحمله ذلك من تمييز بين أبناء الشعب الواحد.
سياسة الهروب للعوازل الطبيعية هي تدليل قوي بحد ذاتها على أن الحاكم الذي يسلك هذا المسلك هو حاكم ظالم وغير ديمقراطي، ولن يحسن من قبح ديكتاتوريته اقتياده للدراجات أو الطائرات بين حشود مصطنعة ومزيفة.
حكمت، فعدلت، فأمنت، فنمت يا عمر.
كاتب مصري
الجزيرة نت
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8388
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4830
| 05 أغسطس 2026
تجاوز السيجار في المجتمعات الخليجية حدود كونه مجرد خيارٍ استهلاكي شخصي، ليصبح لدى البعض رمزًا للمكانة والوجاهة الاجتماعية، وأحيانًا مفتاحًا طلسميًا للدخول إلى خفايا دهاليز صالونات النخبة ورجال الأعمال. حتى يُخيَّل للمرء أن بعض العلاقات والتفاهمات بين كبار القوم تبدأ بطقة الولاعة قبل تبادل بطاقات التعارف (Business Cards). إن التكلفة العالية لمحبي السيجار، واقترانه بأشهر العلامات الفاخرة، جعلته في نظر البعض مؤشرًا على الوجاهة الاجتماعية؛ إذ لم يعد اقتناؤه مجرد شغفٍ بالتدخين والكيف، بل أصبح لدى بعضهم وسيلةً لاستعراض المكانة الاجتماعية. فالسيجار في كوبا ابنُ بيئته وتراثها وثقافتها، يبدأ من سائق الأجرة الغلبان في شوارع هافانا إلى رئيس الجمهورية في قصره، أما في بعض مجتمعاتنا، فقد أصبح أحيانًا مهاجرًا بلا عنوان، يبحث عن هويةٍ اجتماعية أكثر مما يبحث عن مكانه الطبيعي. ولعل كثيرًا من المساكين من هواة الشروتة، والشيشة، والسجائر، والقدو، يتطلعون بحسرةٍ وشوق إلى خوض هذه التجربة المخملية، غير أن المثل الشعبي يصفع طموحهم مبكرًا: «العين بصيرة، واليد قصيرة». ومن عجائب جاذبية السيجار في تلك الصالونات (Cigar Lounge)، أن دخانه بات يمارس دورًا يكاد يشبه فعل السحرة مع قوم فرعون في جذب أنظار الراغبين في دخول ذلك العالم. فهو يمنح حامله مسحةً متكلفة من الهدوء، ويُظهره في حالةٍ من التفكير العميق والتركيز الحاد، حتى يُخيَّل للمشاهد أن هذا «السرحان الاستراتيجي» كفيلٌ بهندسة الاستثمارات العابرة للقارات وجلب الصفقات المليارية، بمجرد زفرةٍ واحدةٍ تنطلق في الهواء. وهنا يبرز تساؤلٌ يستحق التأمل: هل يمكن أن تتطور تكاليف اقتناء السيجار الفاخر لتتحول مستقبلًا إلى ظاهرةٍ اجتماعية ضاغطة، يرافقها عبءٌ مالي يشبه ما نشاهده من مظاهر الاستعراض والمبالغة في تكاليف الزواج وصالات الأفراح والعزاء؟ ختامًا، ليس المقصود نقد السيجار أو محبيه، أو عشاقه، أو هواة اقتنائه، فذلك شأنٌ شخصي محض. وإنما المقصود هو ألا تتحول هذه الظاهرة إلى سباقٍ اجتماعي يُرهق كاهل الفرد، ويجعل قيمته تُقاس بما يمسكه بين أصابعه، وبما يحمله بين يديه من عُدَّة وإكسسوارات السيجار الفاخرة.
990
| 02 أغسطس 2026