رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الباقي من الزمن حتى 30 يونيو 2013 لا يقاس بالأيام والساعات بل يحمل كل حدث في لحظة عبئا لسنين قادمة، ويوجب حساب الزمن باللحظات، ومن ينجح في اعتبار دقة قيمة الزمن ينجح في الاستفادة منه لإنجاز ما يهدف إليه. واحترام دقة الزمن بفرض الاقتصاد في الكلام، فلم يعد هناك لدى المصريين من قدرة على تحمل الكلمات أو التصريحات أو الأحاديث، فقد بلغ الأمر أن يحكم مصر متهم بالخيانة العظمى حسب حكم محكمة وادي النطرون، وهو في الوقت ذاته مقامر بأمنها القومي، وداعية للاقتتال المذهبي، وهذه اللحظات تحمل شعار "لا تقل لي ولكن دعني أرى"، ولعله موجه لكل من يعلن أنه يقف ضد حكم الإخوان في مصر، فالشعب يرى ويعيش ما لم يتوقع من هزل سياسي وإفك، ويرى بعينيه القتل والتجبر، وتناقض المظهر الديني مع دعوات التكفير والتحريض والوعيد حتى صار القابض على دينه كالقابض على الجمر. هذه اللحظة المصيرية في تاريخ مصر لا تتحمل ترف الجدل فيما تتوهم بعض الرؤوس، ولا تتحمل تعبيرات حمالة للأوجه، يفسرها من شاء كيفما شاء ودون قدرة على توفير أسباب مشيئته هذه، وجل غايته ذاته. ما يحدث في مصر يتجاوز تأثيره حدودها، وما يجري في مصر ليس وليد قواها الداخلية وحدها. وقائع الاقتتال وانهيار القدرة على إدارة الدولة ومظاهرات التهديد والوعيد تحت عنوان "نبذ العنف"، والمعلومات التي تتردد عن حشد لعناصر جرى تدريبها من الجماعات والإخوان، ومشهد القتل المذهبي الذي جرى يوم الأحد 23 يونيو بقرية أبو مسلم بالجيزة لأربعة أشخاص وحرق منزل وسحل الجثث بالشارع، تحت عنوان أنهم شيعة، مؤشرا لما ينتظر مصر خلال الأيام القادمة، إنهم يخوضون معركتهم الأخيرة، ولن يردعهم عما أعلنوه أي شيء. خريطة الصراع داخل مصر تضع أمامنا الشعب في جانب، والجميع بلا استثناء في جانب آخر، بل إن محاولات الإرهاب بالعنف يتوازى معها سؤال عن البديل، ويرافق ذلك اتهامات بأن من يخرج ضد الإخوان هو متآمر ومن بقايا النظام السابق وهو ثالثا كافر، وأيضا تطل مراهقات صبيانية تجد نفسها وبعجزها ودون أن تمتلك رؤية تطرحها تتهم كل من يقول بأن للجيش دورا بكفر من نوع آخر، الكفر بالديمقراطية. المؤكد أن اللاعبين الأساسيين ويملكان القوة، هما الجيش والإخوان، وأن أمريكا وكل المصالح الخارجية تبحث العلاقة بعدا أو اقترابا منهما حسب مدى إمكانية تحقيق هذه المصالح والتي ليست بالطبع مصالح مصر. ومن المؤكد أيضاً أن الشعب الذي دخل معادلة الصراع في يناير، هو مصدر الخطر على الجميع، فحضوره وإبداعاته في الحركة، مازالت قادرة على المقاومة، رغم غياب قيادة له تملك رؤية ويقين وقدرة ويقتنع بها الشعب، ولكن اللحظة ليست مجرد لحظة مقاومة، اللحظة في مصر لحظة ضرورة التغيير، واسترداد مقدرات الوطن من جماعة خارجة عن الدين والوطن، ترى أنها امتلكت الدين، فتكفر من عداها، وأنها استولت على السلطة، فتعرض الوطن للبيع، وترهنه لغير الشعب، وترفع السلاح في وجه الشعب، وحولت الوطن إلى بيئة حاضنة للإرهاب، وقاعدة لانطلاق عمليات الإرهاب وبالأساس في مواجهة الداخل لصالح الاحتفاظ بالسلطة. تحقق الانقلاب المبكر على الثورة قبل استفتاء 19 مارس 2011، عندما نجحت أمريكا في عقد تحالف بين الإخوان والمجلس العسكري، تحالف فتح الباب على مصراعيه للإخوان للسيطرة والاستقطاب وإطلاق آلة التكفير على المجتمع، وفتح الباب لوجود كافة الجماعات الدينية، وكان الشباب في الشارع يتلقى الرصاص وهو يخوض معارك ضمنت تنفيذ جدول الأعمال الأمريكي الإخواني، ولا نلومهم على ما فعلوا، ولكن يبقى التحذير من استمراء ذات الحالة في اللحظة الراهنة.
اللحظة الراهنة صراع على الوطن، وليس صراعا على نوعية نظام الحكم ووضع المؤسسة العسكرية فيه وعلاقتها بالدولة. الصراع على الوطن لا معنى له إن لم يستطع أن يحسم قبل أن يبدأ، ولن يتوفر له ذلك دون إعادة ترتيب للقوى الداخلية. حسم الصراع يعني إدراك حقيقة أنه صراع وجود لوطن، وعندما يجري تأمين الوجود وتخليص الهوية مما علق بها من تشوهات، يصبح إعداد البديل واجبا قوميا لكل القوى الحقيقية داخل الوطن والأمينة عليه. البديل ليس أسماء، حيث إن المراجعة المجردة أثبتت أن هذه الأسماء ذاتها كانت ضمن "جوقة" المسرح لمسرحية ديمقراطية أمريكا بعد الثورة. البديل هو ذلك الميثاق الوطني الذي يبدأ بمناقشة قضايا الدستور جميعها، والنظام الاقتصادي، وأهداف مصر الثورة وفلسفة الحكم فيها، ومعنى العدالة الاجتماعية، والأمن القومي المصري وعلاقاته وأسسه ومتطلباته ونطاقه ومعايير تقييمه السياسي.
والبديل هو حالة الانتماء التي تتزايد وطنيا مع تعرية أداء سلطة الإخوان، فإدراك حقيقة نطاقات الأمن القومي المصري تتجلى سواء في ردود الأفعال على حركة النظام تجاه مياه النيل أو تجاه الصراع على سوريا أو بموقفه من القضية الفلسطينية، ومن التراب الوطني في سيناء أو حلايب وشلاتين، ومدى خطورة جماعات الإرهاب تحت مسميات إسلامية، ومعنى التاريخ لمصر، ومعنى وقيمة قناة السويس. والبديل أيضاً تجسد في مدى الحاجة إلى تكامل عناصر تكوين الدولة، ومعنى الأزهر والكنيسة، ومعنى القضاء ودوره، ومعنى انتماء الشرطة للشعب، ومعنى وطنية الجيش، الذي ليس بالضرورة هو جيش يستدعي للانقلاب السياسي كما يحلوا للبعض أن يزايدوا، ولكنه جيش بالأساس ضرورة للأمن وللدولة، وإن إعداده وبناءه مسؤولية وطنية، وإن تخليصه من كل وسائل الضغط أو السيطرة واجب لتمكينه من دوره. والبديل استوعب الآن ومن تجربة الثلاثين شهرا الماضية، معنى عدم وجود أحزاب دينية، وأعاد اكتشاف حقيقة جماعة الإخوان كجماعة سرية، لا ترتبط وقضايا الوطن، بل إن حبل المشيمة المغذي لها خارج مصر. ميلاد البديل لن يأتي بنضال الفضائيات ولا بمجرد الاعتصام والتظاهرات. البديل مجتمع يجد فرصة الحوار الآمن داخله لمناقشة قضاياه، ويناقشها، ويحدد رؤيته، ومهامها، وإمكاناتها. كيف يمكن أن نسترد وطننا، ونتيح للمجتمع فرصة إقرار البديل؟ هذا السؤال هو محور تقدير الموقف، وهو يفرض إعادة تقييم القوى داخل المجتمع خاصة أن القوى الاجتماعية الأساسية بالمجتمع في حالة من السيولة، والزمن اللازم لتماسكها حتى تصبح فاعلة في معادلة التغيير وإنتاج قياداتها الطبيعية، لا يتحمله الوطن وهو ينزلق إلى الفتنة الكبرى. وتقدير الموقف يفرض الانتباه إلى تحركات السفيرة الأمريكية بالقاهرة، وماذا تحمل في جعبتها، ولماذا يحضر كيري "الأب الروحي الجديد لجماعة الإخوان" إلى القاهرة؟ وماذا لديهم؟ هل يسعون إلى تفريغ مسبق لحالة الرفض الشعبي والاحتشاد تسبق 30 يونيو وتفرغه من مضمونه؟ وهل يمكن وضع تصريح وزير الدفاع المصري بوجوب أن تجد القوى المتصارعة حلا خلال هذا الأسبوع في إطار دعم الحل الأميركي!!؟ أم إنه يعلن لأمريكا أنها الفرصة الأخيرة؟
إن تصريح وزير الدفاع المصري من تلك الأحاديث حمالة الأوجه، يستدعي كل الأطراف للتوافق؟ وكيف يمكن أن يكون هناك توافق والوطن يتفكك وينهار؟ فهل انهيار الوطن سببه اختلاف من هم على الساحة السياسية؟ أم أن الوطن ينهار لأن قدرات السلطة القائمة وأداءها أدنى من حاجة الوطن؟ ولعل استدراكه بأن عملية إعادة تأهيل القوات المسلحة قد تمت على خير وجه، يتضمن أنها جاهزة لتولي مسؤولية مباشرة في الصراع السياسي.
يتردد في مصر طيلة الأشهر الماضية منذ واقعة الاتحادية في 5 ديسمبر 2012 أن الجيش لن يتدخل إلا في حالة الاقتتال الداخلي وأن تكون الشوارع حمامات من الدماء!!، وهي مقولة تطالب أن يدفع الوطن بأبنائه ثمنا فادحا، بينما أن ما يمكن تسميته بالمعلومات وهناك ما يمكن تسميته بالشواهد والتصرفات، وهو ما يتيح لأي قيادة تتحمل المسؤولية إمكانية تقدير الموقف قبل حدوث الانفجار، وهم يدركون عندما تسيل الدماء ستكون دماء من؟ إن الوصول إلى يوم 30 يونيو دون حدوث التغيير سيكون مؤشرا إلى حالة من الاحتراب قد تؤدي إلى مواجهة تدخل خارجي. فهل يسترد الشعب جيشه؟ وهل الجيش يرى ما يراه الضمير الشعبي؟ أسئلة لا تريد مثقفين أو ساسة، ولكن الإجابة عليها هي أفعال، إن تأخر منها شيء، تحققت نذر الدم الموعودة لمصر من كافة عناصر الإخوان وموالاتهم.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43551
| 14 سبتمبر 2026
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8802
| 20 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7173
| 15 سبتمبر 2026