رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يلعب المصرف المركزي دوراً مهماً في تمثيل الدولة وبسط سيادتها على أنشطة الحياة اليومية ( المالية - الاقتصادية - الاستثمارية - التجارية - الاجتماعية) سواء للفرد أو المجتمع ككل فالمصرف المركزي يعكس دور الحكومة في النشاط المالي والاقتصادي وذلك من خلال التحكم باتجاهات التعامل النقدي في السوق، وضبط السياسة النقدية، وتوجيه الموارد ومجالات الإنتاج نحو الاستخدام الأمثل والفعال وفق الإمكانات المتاحة للدول ، وإصدار الأوراق النقدية، والمحافظة على مستويات الدخول والأسعار، ومراقبة أسعار الصرف، واتخاذ التدابير اللازمة لإستقرار الحياة الاقتصادية والمالية عموما مستعينا بالأساليب والوسائل التي تمكنه من الأداء الكفء والفعال لهذه المهام .
- بالإضافة إلى أنه يزاول مجموعة من الوظائف الأخرى (مباشرة - غير مباشرة) من أهمها متطلبات الحد الأدنى للاحتياطي، وتطبيق آلية سعر الخصم، ودور المقرض الأخير، وعمليات السوق المفتوحة، وبالرغم من أهمية الأدوار الوظيفية التي ينهض بها المصرف المركزي عموما من خلال تحمله لأعباء المسؤولية القانونية بإعتباره بنك الدولة وبنك البنوك فمن خلال المهام والوظائف التي يطلع بها قانونا تتضح مدى قوة النظام النقدي والمصرفي الكلى ومن ثم المالي والاقتصادي للبلد المعني فضلا عن كونه المرجع المسؤول عن مراقبة تنفيذ السياسة النقدية للدولة وكذلك سياستها المصرفية من خلال أدواته ووسائله التي قد تختلف من نظام إقتصادي لآخر حسب مدى قوة هذا الدور وحد تدخل الدولة في النشاط المالي والاقتصادي .
- أما على الساحة الاقتصادية العالمية فقد احتلت دراسات تحقيق الاستقرار المالي مركز الصدارة ضمن الاهتمامات الرئيسية لكل الجهات الحكومية والمالية والاقتصادية سواء أفراد أو مؤسسات على المستوين المحلي والدولي وأصبحت محط أنظار البنوك المركزية للدول والمؤسسات المالية والاقتصادية الدولية مثل صندوق النقد الدولي (IMF) والبنك الدولي (WB) وبنك التسويات الدولي ( BIS) التى اعتادت جميعها على إصدار تقارير دورية عن الاستقرار المالي بل وخصصت جوانب من نشاطها لبحث دراساته والسعى لتحقيقة وسيشمل هذا التحليل قراءة لأحد الكتب الصادرة عن بنك التسويات الدولي عام 2010 م حسب العرض التالي : -
أولا : الاستقرار المالي ( Financial Stability )
التأكد من قوة وسلامة عمل جميع مكونات النظام المالي والاقتصادي مما يعني غياب الاضطرابات في هذا النظام فالمغزى من الاستقرار المالي يتجاوز المفهوم البسيط لعدم وقوع الاضطرابات والنظام المالي يكون مستقرا إذا ما اتسم بإمكانات معينة مثل تيسير كفاءة الموارد الاقتصادية وتوزيعها حسب المناطق بجانب العمليات المالية والاقتصادية الهامة الأخرى مثل الادخار- الاستثمار- الإقراض - السيولة وتوزيعها وتحديد أسعار الأصول وتراكم الثروة ونمو الناتج وتقييم مخاطر المالية وإدارتها واستمرار القدرة على أداء الوظائف الأساسية للنظام ومكوناته على أكمل صورة .
ثانيا :عدم الاستقرار المالي ( Financial Instability )
عرفه صندوق النقد الدولي (IMF) أنه يمثل فترات عدم الاستقرار المالي في الأسواق المالية والتي تتحول لفترات الاضطرابات الحاد وتضعف قابلية النظام على تقديم خدمات الدفع إلى السعر ومخاطر التحويل وتخصيص الائتمان والسيولة ومن المحتمل أن يؤدي الى انخفاض النشاط الحقيقي في الاقتصاد .
ثالثا : الأهداف المنوطة بالمصارف المركزية لتحقيقها
الأهداف الكلية للمصارف المركزية تمثل الحفاظ على الاستقرار النقدي وتشجيع النمو الاقتصادي المطرد وفق السياسات الاقتصادية العامة وهذه أهم المهام المنوطة بالمصرف المركزي في إطار الأعمال والوظائف والاختصاصات الأخرى التي ينص عليها قانون الدولة وتكتسب هذه المهام أهمية متفاوتة بين الدول وتختلف في نتائجها بقدر نجاح المصرف المركزي في استخدام أدواته ووسائلة المتنوعة ومنها :-
• تنظيم السياسة النقدية لدعم النقد والمحافظة على الاستقرار محليا ودوليا .
• ضبط وتوجيه سياسة الائتمان وتأكيد توفير الائتمان المحلي (كما - نوعا) وفقا لحاجة الاقتصاد.
• خلق الأجواء المناسبة لتنمية وتنفيذ عوامل الادخار والاستثمار وفق السياسة النقدية والائتمانية المعتمدة .
• المساهمة في معالجة أوضاع موازين المدفوعات بإستخدام السياسة النقدية والمالية .
• إدارة الاحتياطات من الذهب والعملات الأجنبية الأخرى .
• إدارة وتنظيم ورقابة القطاع المالي والمصرفي وممارسة دور بنك البنوك والمقرض الأخير .
رابعا : وسائل المصارف المركزية لتحقيق الاستقرار المالي
تقوم المصارف المركزية بتحقيق الأهداف من خلال الأدوات والأساليب التي يتضمنها دستورها من تشريعات وقوانين ومن ثم تضطلع بمجموعة من المهام سواء ما تعلق منها بإدارتها للسياسة النقدية أو الرقابة والإشراف على الجهاز المالي والمصرفي وذلك كله بهدف السيطرة على عرض النقود تمهيداً للسيطرة على التضخم ووصولا إلى توازن ميزان المدفوعات بما يؤدى لتحقيق نمو في الاقتصاد باستخدام مجموعة من الأدوات التقليدية والفاعلة منها :-
( عمليات السوق المفتوحة - إعادة خصم الأوراق التجارية - وضع سقوف الائتمان - نسـب السيولة - تحديد نسب الاحتياطي النقدي - مراقـبة أسعار الصـرف - مبادلة العملات الأجنبية - تحديد سعر الفائدة )
خامسا: دور الإدارة الرشيدة للمصارف المركزية في تحقيق الاستقرار المالي والمحافطة عليه
أصدر بنك التسويات الدولي (Bank for International Settlements) مجموعة من الدراسات والأبحاث في كتاب عن ( الإدارة الرشيدة للبنك المركزي والاستقرار المالي ) عام 2010 م تتناول الفصول الأولى من الكتاب مهام ووظائف المصارف المركزية في تحقيق الاستقرار المالي في الظروف العادية وغير العادية والتي تمثل الاضطرابات المالية والاقتصادية أما الجزء الأخير من فصوله فيشمل دراسات عن السياسة الوقائية للمصرف المركزي الخاصة بالمؤسسات المالية والنتائج المستفادة منها وفي قراءة مختصرة لمحتويات هذا الكتاب وفصولة الثلاثة التي تشمل:-
أ- وظيفة المصارف المركزية في تحقيق الاستقرار المالي خلال الفترات العادية
شملت الدراسة عددا من المؤسسات المركزية وأوضحت النتائج التحليلية والمقارنة أن وظيفة المصارف المركزية في تحقيق الاستقرار المالي في ظل الأوضاع الإقتصادية العادية وفي معظم هذه البنوك تقوم بأدوارمختلفة ويعزى ذلك لعدد من العوامل أهمها اختلاف القوانين واللوائح السياسية والهياكل التنظيمية للمؤسسات المختلفة وتوزيع وتنسيق المهام مع الجهات الأخرى ذات الصلة ومثال ذلك يقوم البنك المركزي بالرقابة الوقائية الجزئية وبالتالي يقوم بتوفير السيولة الطارئة للمصارف وتوصلت الدراسة إلى عدم توافر مصرف مركزي في عينة الدراسة استهدف بوضوح الاستقرار المالي وإنما جاء ذلك ضمنيا في أهداف السياسة النقدية والمصرفية .
ب- وظيفة المصارف المركزية في تحقيق الاستقرار المالي خلال الفترات غير العادية
تقوم المصارف المركزية في الأحوال العادية بإعداد ومتابعة السياسة النقدية ونظام الدفع والتدخل في بعض الأحيان إذا كان هناك ضرورة فمثلا معالجة ارتفاع معدل التضخم وتدهور سعر الصرف بجانب دورها الرقابي والإشرافي على المصارف مستخدمة الأدوات سواء المباشرة وغير المباشرة ولاحظت الدراسة أن هذا الدور هو نفسه الذي تقوم به المصارف المركزية خلال فترة الإضطرابات وخاصة الأزمة العالمية (2008 م) ثم قامت المصارف المركزية في دول أخرى بدور المقرض الأخير وذلك بتوفير السيولة لعدد من المصارف والمؤسسات المالية مقابل ضمانات معينة وفق الحالات المستعجلة أو بدون ضمانات وفيما يتعلق بالترتيبات والمقترحات ركزت الدراسة على السياسات التي تحد من حدوث الأزمات والترتيبات وإدارتها والتعامل معها ويتطلب ذلك توفير المصارف المركزية للسيولة الطارئة للمؤسسات المالية التي تواجه نقص السيولة وكذلك تقديم التمويل الطارئ وإعداد الترتيبات والإجراءات لإدارة عملية أنشطة هذه المؤسسات والتي قد تكون بنوكا وشركات أموال أو أي مؤسسات مالية واقتصادية متنوعة .
ج- السياسات الوقائية للمصارف المركزية
يقوم المصرف المركزي في معظم الدول بالتنسيق مع الجهات ذات الصلة كوزارة المالية والاقتصاد والأعمال والتجارة ( داخلية - خارجية ) بمهمة تحقيق الاستقرار المالي والمحافظة عليه وذلك من خلال إعداد ومتابعة تنفيذ السياسة النقدية وسياسة النقد الأجنبي والسياسات المصرفية والرقابية وتشير الدراسة أن قيام المصرف المركزي بإعداد وتنفيذ السياسات الوقائية الخاصة بالمؤسسات المالية قد أدى الى تحسين فعالية هذه السياسات وذلك نسبة لتوفير البيانات المتعلقة بأداء هذه المؤسسات ودرجة الترابط بينها وتأثيرها على بعضها وتقوم الإدارة المعنية بالرقابة الوقائية بالمصرف المركزي بتحليل الميزانيات وحساب الأرباح والخسائر بصورة دورية يتم تحديدها ومن ثم إعداد التقارير التي تتضمن التوصيات والمعالجات المالية والمحاسبة لأي إضطرابات يتوفع حدوثها وبالتالي يتم التحوط لاحتمال ظهورها من خلال أن تقوم الوحدات التابعة للمؤسسات المسؤولة عن تنفيذ سياسة الرقابة الوقائية الجزئية وتطبيقها بصورة :-
1- تتسق مع فعاليات الحوكمة الرشيدة ( ( Governance.
2- تراعي التنسيق مع أهداف السياسة النقدية والسياسات المصرفية والرقابية الأخرى.
3- تعتمد تطبيق هذه السياسات على الهيكل المؤسسي ودرجة تطور السوق المالي والترتيبات السياسية والتجارب الماضية .
4- تتفق مع الرأى الاقتصادي بأنه ليس هناك معالجات موحدة للاضطرابات في أداء المؤشرات المالية والمصرفية تتوافق مع الاقتصاديات المتنوعة للدول.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4683
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
4506
| 29 يونيو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
2787
| 01 يوليو 2026