رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما من شك أن الجامعات والصروح الأكاديمية المختلفة تعد صروحا علمية مهمة تسهم في خلق جيل متسلح بالمعرفة واعد بالخير، وينبغي ألا ننسى أيضا أن الجامعات نوافذ للمثقف والأديب الشاب ينطلق منها إلى العالم، ومنبر حر يعبر عن أفكار أولئك الشباب وتطلعاتهم وطموحهم.
وانطلاقا من الاعتقاد بأنه لكل منا جانب منزو أو مهمّش من الاهتمامات ولكل منا جانب مهمل من الهوايات لصالح الانشغال بالعمل ومتطلبات الحياة، إلا أننا لا ندرك خطورة إهمال تلك الجوانب إلا بعد فوات الأوان.. من هنا تأتي المؤسسات الأكاديمية عصبا حيّا يمنحنا الفرص الكافية كي لا نستكين للكسل الثقافي لحساب التحصيل المعرفي الذي صار مؤخرا يلقب بـ(الشهادة الكرتونة) أي الرخصة التي تثبت صلاحية الفرد لسوق العمل ليس أكثر، مغفلين أن قيمة الفرد الإنسانية ترتقي سلم الحياة الكريمة والصحية من خلال مقاعد الدرس الجامعي الأول.
والفرد جملة أشياء إلى جانب المهارة التي يسعى إلى اكتسابها من خلال الأكاديمية، وأنه لا فصل بين عالمي المعرفة والإبداع، فكل منهما يسهم في صقل شخصية الفرد وتطويرها ورفع مستوى القيادية فيها، فكم من طالب يملك موهبة الكتابة أو الرسم أو العزف أو الرياضة وغيرها من الفنون والمواهب التي تحتاج إلى اكتشاف أولا ثم صقل بالدرجة الثانية.
لذا كان لابد من بيان دور المؤسسات الأكاديمية في مجال رعاية وتنمية الإبداع الشبابي، ونعني بداية بالإبداع الشبابي تلك المواهب والطاقات الكامنة التي تنبئ عن فرد يتميز بحساسية عالية تجاه الكون والموجودات والأشياء مختلفة عن حساسية الأفراد العاديين مما تمكنه من استشراف رؤى أكثر عمقا وأبعد مدى وأقوى حدة لواقعها المعيش، مع إمكانية القدرة على تفسير ظواهر ذلك الواقع بأساليب فنية مميزة (لافتة وغير عادية).
فلو كان يملك ملكة كتابية لخلق نص أدبي، على سبيل المثال، ولا يمكن أن يتمكن من تطوير أدوات ذلك الفن إذا لم يجد الراعي لذلك، ابتداء من أستاذ الصف وانتهاء ببرامج الجامعات لمثل هؤلاء، رغم أننا لا ننكر وجود من هم يملكون مثل تلك الطاقات الفنية والأدبية قبل المرحلة الجامعية ولهم تجارب في ذلك، لكن ينبغي ألا ننسى أنها ستكون تلك حالات محدودة أشبه بالطفرة وما نرمي إليه أبعد من ذلك يمنح الجامعات فكرة الذهاب إلى الموهوب وليس انتظاره ليأتي إليها.
ومن المؤكد أن جامعاتنا لا تبخل على الطلبة في تقديم الوسائل العديدة لمتابعة مثل هذه الشؤون ماديا ومعنويا، مجسدا بما يعرف بعمادة شؤون الطلبة أو برامج الأقسام الخاصة بمتابعة أنشطة الطلبة، لها للحق والأمانة، برامج مميزة ولكن الكثير منها حبر على الورق، خاصة إذا ما قررنا أن نفحص مخرجاتنا الخاصة بما نتحدث عنه من كشف عن مبدعين أو إنتاج مبدعين من حيث المبدأ، سنجد هواة في كثير من الأحيان، ونحن إذ نتفق على وجود مثل تلك البرامج في معظم جامعاتنا إلا أننا نكاد لا نلمس حضورها اللافت في الوسط الثقافي العام في أي دولة، ويكتفى بها على أنها فرصة جيدة لممارسة الهوايات والمواهب دون متابعة أو رعاية.
وقبل الشروع في التمثيل على نوعية البرامج لابد من طرح السؤال المقلق، كيف نحتفي بالمبدع، الذي ينبثق عنه سؤال أكثر أهمية، كيفية الكشف عن ذلك المبدع، من هنا يمكن أن نقدم مقترحات جيدة للتنفيذ تستثمر بالصورة التي تحقق أهدافها عمليا.
منها مثلا: إقامة المسابقات والمهرجانات التي تسمح للطلبة بعرض مواهبهم الفنية والكتابية والخطابية على لجان متخصصة من الأساتذة الأكاديميين بهدف الكشف عن تلك المواهب، ومن ثم إعداد ورش تدريبية خاصة للراغبين في صقل مواهبهم، بحيث تكون مخرجات تلك الورش قابلة للتقويم والقياس، وليس الاكتفاء بعقدها دون توفير المتابعة، وتأسيس مجلة أدبية ثقافية خاصة بالطلبة، تهتم بتجاربهم الكتابية ومفتوحة لجميع التخصصات، ومرتبطة بالأساتذة على اختلاف تخصصاتهم، لضمان متابعة ترشيحاتهم للنماذج المميزة التي قد يكتشفونها داخل المحاضرات، فيعملون على تحويلها للمختصين في تلك المجلة للمتابعة والرعاية.
وكذلك عقد الندوات الخاصة بالمواهب ومجالات الإبداع المختلفة باستضافة كبار المبدعين وعقد جلسات حوارية مفتوحة للطلبة معهم، وبذلك نتمكن من خلق جيل القدوة الذي يرى أمامه تجارب هؤلاء ويستمع إلى شهاداتهم وتجاربهم التي قادتهم إلى التميز، خلق ما يعرف بالتبادل الثقافي بين المؤسسات المشابهة داخل البلاد وخارجها، أضف إلى ذلك إعفاء المبدع فنيا وأدبيا من رسوم سنة جامعية، إذا ما حصل على شهادة أساتذة متخصصين بحق موهبته وتميزها.
ويمكن أن تقدم الجامعات مكافآتها للمبدعين من خلال منحهم فرصة جولة سياحية يلتقون فيها بأبرز الكتاب المبدعين العالميين، فلعله بعد أن يمضي بصحبة الأديب المعروف أياما، يكون قد لمس مكامن التميز لديه ولربما ساعده ذلك على شق طريقه الخاصة من خلال زرع بذور الثقة بطاقاته، وأنه لا بد يوما أن يصبح شخصا مهما كمثل هؤلاء، ومنها الخروج بالطالب المبدع إلى الهيئات الثقافية، وتعريضهم إلى تجربة عرض منجزهم أمام المجتمع في محافل ثقافية عامة، تعلمهم بذلك الجرأة على البوح، وترجمة ما يجول في الخاطر إلى شكل فني خاص يصلح لأن يقرأ على الملأ.
ومن أهم الجوانب الخاصة برعاية المبدعين هي فتح قنوات التواصل مع وسائل الإعلام المختلفة، صحافة وإذاعة وتلفزيون، تحفزهم على تقديم منجزهم ونشر إبداعهم.
ويمكن أن تكون فكرة التبني فكرة مدهشة أيضا، كأن يتبنى أديب عربي مرموق أحد طلبة الجامعة، فيخصه بالرعاية والمتابعة والمساعدة ما أمكن كيف يصقل موهبته، عقد الندوات المتخصصة في طرح أحدث القضايا الفنية والأدبية التي تمكن المبدع من مواكبة العصر وعدم الانغلاق.
من هنا ينبغي تأكيد فكرة أن الدعم وتنمية الإبداع الشبابي، لا يمكن أن ينجح بعزل الطالب داخل الحرم الجامعي وإنما لا بد من تكاتف الجهود كافة للدعم والرعاية.
الجمال.. أم الصحة؟
حين أصبح البحث عن معايير الجمال الشكلي مطلبا مجتمعيًا عند الكثير، وجد التجار والمروجون ضالتهم في الربح السريع،... اقرأ المزيد
57
| 16 مايو 2026
صنائع المعروف
بين الخير والشر مسافات، لا يميزها إلا من يعرف حقيقتها، فالخير حالة خاصة يعيشها الإنسان مع ربه ويتفانى... اقرأ المزيد
54
| 16 مايو 2026
ببغاوات الثقافة
هناك إشكالية واضحة لدى بعض مثقفي العرب في التعامل مع الثقافات الغربية، وذلك عندما يقومون بدور الببغاوات ويعملون... اقرأ المزيد
108
| 16 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4773
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4725
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1548
| 13 مايو 2026