رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يقترب النأي كثيرا فيصبح ضربا من القرب الناء، وينأى القرب إلى درجة يكون فيها نأيا قريبا جدا.
لا يروم القرب نأيا هنا، ولا يبحث النأي عن قرب له هنالك، بل ينزعان إلى الآخر نزوعا عفويا كنزوع الأثر إلى الخطوة، والظل إلى الشمس، إنهما يهربان من بعضهما البعض فيمتزجان في الآخر، ونراهما في تضاد حاد لا مجال معه للتوافق، ولو رأينا أخرى لوجدناهما ائتلافا متسقا لا سبيل فيه إلى التنافر.
وبين نأيين يمتشق القرب قوامه السافر، وبين قربين يبرق النأي المسافر.
وبين هذين المسارين المتجاذبين، اللذين بهما يشتد عود المسافة، ويحتد نظر المعنى، يكتسي الكلام عن الشاعر الدكتور حسن النعمة شكلا من الصمت الفصيح، ويغامر الصمت في حلبات الغناء الصادح.
تتسع الرؤية في تجربة النعمة - الشاعر والدبلوماسي الأديب - أو تضيق، فإننا نجد إزاءنا من العبارة سكونا مطبقا، كأن الأمر لا يعنيها، وحيث يبلغ الإفراط في التذوق شأوا طويلا وشمما عاليا، فإن قامة الحديث تظل متضائلة، كأن الحال يستدعي مطاولة نقدية ممتدة الزمان وفسيحة النطاق، أو غرقا في مناخ العقود الثمانية الأخيرة من عمر قطر، واستدعاء لأمزجة الدهر العربي الحديث وهي بين انقباض وانبساط، واستحضار لذاكرات منثورة في المدى، محفوفة بالجوع والفيض والندى، كما واستجماعا لقطع من الوجوه والقلوب والصور والأصوات، فرقتها يد الخليج في مخابئ مصر والهند وأمريكا وتركيا.
هكذا يبدو الخيط العريض الناظم لحياة النعمة، خريطة من الترحال في مرايا الذاكرة، وعالما تفتح نوافذه على نوافذ أخرى، وطريقا يفضي إلى طريق آخر، إلى أن يتبدى الشجن دليلا للإحاطة، وكشفا للسر، وهداية للغواية، أعني الشجن الذي يحل عقدة الانطباع، تجاه هذه التجربة التي اختمرت طويلا في ثنايا الزمان، وارتبعت بين روض وقفر، واعتلت آفاقا، وانتبذت وديانا، فحل وصالها متقطعا، وجاء حضوره رهين التلقائية التي يحركها وجدان الشعر، وكما لو أنها تكشفت بتقادم الهموم والقضايا السياسية في محيطنا العربي، وباحتدام الهواجس والمواقف في محيط النعمة، ثم بزغت في لحظة الإغفال، وتجلت في معرض التناسي.
وما الشعر إلا نهلةٌ واندفاقةٌ
وفَرْطُ رجاءٍ نبْعُهُ لم يزل ثرّا
نصوغُ به الذكرى طُيوفًا جميلةً
وفَيْئًا وَريفَ الظلّ يبترد الصدرا
بقدر الانسياب الذي تتركه قصائد شاعرنا في نفس قارئها، بحجم الحيرة التي تلفّها -القصائد- حول قلم هذا القارئ، على الأقل في حالتي هذه، التي كثيرًا ما تساءلتُ حيالها: كيف ينبغي الكتابة عن حسن النعمة؟ على نحو يفصح عن مكانته وموقعه سيّما في التاريخين الثقافي والدبلوماسي القطري، ولا يخل باتساع مسيرته، ولا يقصر في حقها. قد تكون ثمة نبرة احتفائية، والحق يقال ما المانع من الاحتفاء؟ إذا كان النعمة قد ترك هذه المسافة، لا لمن يقوم بها من الأغيار، بل زهدا في تصديرها من جهة، وانهماكا في شؤون أحواله من جهة أخرى.
كأنما أراد أن يعيش في الحياة، متبتلا في عوالمها السرية، متمسكا بعُراها الخاصة، ملتزما بحماها المغلّقة، لا أن يعيش من أجلها، ويباهي بها القاصي والداني.
والحقيقة أن ما يسترعي التفكير في حياة النعمة وشعره ومواقفه، ليس القيمة الإبداعية والتاريخية التي يحملها وحسب، إنما ذاكرة البلاد التي ضمها في ساعديه بين حله وترحاله، وعيون الأخبار التي عبرت عن مقالة حاله، ولو قررت أن أمضي نحو استنطاق صمته، واستكناه قلبه، لركبت في ذلك الصعاب، وحملت نفسي ما لا يجوز احتماله، فدعوني أحدث عن فقرات حياته كما حدث عنها بنفسه، وذكره الآخرون عنه، أعني الكتاب الذي صدر حديثا عن دار نشر كتارا للناقدة المتميزة د. مريم عبدالرحمن النعيمي، وتكون من جزأين احتوى الأول على خمس وأربعين قصيدة من قصائده، موشّى بثلاثة فصول تناولت جوانب من سيرته العريضة، بينما خُصص الجزء الثاني لدراسة فنية للمضامين الشعرية والأنساق الموسيقية عند حسن النعمة.
ولأنه ما أستعرضه هنا وجيز جدا، وليس بالطبع عرضا لهذين الكتابين اللذين بذلت فيهما الأستاذة مريم النعيمي جهدا جليلا، فإنه إذن لا يستوفي سياقا فسيحا - من حياة النعمة - كالوادي الأبطح، غمرته الأحداث على مدى الأعوام الطوال، وتعرضت له رياح المواسم المتقلبة، ومرت عليه نسائم السنين، ونبتت على ضفافه زهور العشب، ولم ينضب معينه.
ولد شاعرنا حسن النعمة في عام ١٩٤٢م، يقول: "ولدت في سوق واقف، لأن الأم في العادات القطرية تضع مولودها في بيت الأب، وبيت جدي لأمي - رحمه الله - في أحد أهم مواقع سوق واقف، وأنا نشأت في هذا البيت، وأتمنى أن أموت في سوق واقف، وأتردد بشكل يومي على سوق واقف، ولا أعرف سواه في قطر".
التحق سنين طفولته بالكُتّاب ثم سرعان ما انتظم في المدارس النظامية، وفي عام ١٩٥٨م انخرط موظفا متدربا في وزارة التربية والتعليم، ومن الطريف أنه حضر في ذلك العام مؤتمر الأدباء العراقيين المنعقد في بغداد وهو ابن ست عشرة سنة، وشارك بعد ذلك بعام في مؤتمر أدبي عقد في الكويت، مما يشير إلى كونه ربما بدأ ينظم الشعر آنذاك، وهي سن صغيرة جدا بمعاييرنا الحديثة، وكيف لفتى أن يتقصد المحافل الأدبية في ذلك العمر والزمان، إلا بنضج تام، ونظر بعيد، وروح واعية؟.
يذكر النعمة أنه شهد حفل افتتاح دار الكتب القطرية عام ١٩٦١م حيث ألقى قصيدة في ذلك المحفل، وليس يُعرف الكثير عن الأعوام الخمسة التي توالت بعدها، إلا ارتباطه بالعمل الحكومي، غير أنه كان - بلا شك - أكثر ارتباطا بالقضايا العربية وهواجسها وهمومها، التي كانت تحتدم احتدامها المشهود في تلك الفترة الحرجة. وبين شاغل قومي، وسعي معيشي، وتحصيل علمي، تخرج الشاب المتدفق شعرا حسن النعمة من مدرسة الدوحة - كانت في مقام الجامعة - عام ١٩٦٦م، وبعد ذلك بعامين انتقل للدراسة في جامعة كامبردج: "وانصرمت فيها خمس سنوات من العمر لدراسة الدكتوراه، فدرست الدراسات الشرقية في الفكر المقارن. الفكر الإنساني المقارن". ومما يُذكر أن المستشرقة الألمانية المعروفة آنا ماري شيمل قامت بمناقشة رسالته في الدكتوراه مع مجموعة من الأكاديميين، وليس بمستبعد أنه ارتبط بشخصيات علمية أدبية ذات تأثير، تحديدا أثناء دراسته في المملكة المتحدة. ومن عَجَبٍ أن تحول إثر عودته إلى السلك الدبلوماسي دون سابق تقدير، إذ كان مزمعا له العمل في السلك التعليمي، فحزم متاعه واتجه سفيرا لقطر في الهند، التي طاب فيها المقام قرابة عقد ونصف، إذ وجد فيها موطئا للتخفف وأرضا للاكتشاف، كما ومرتعا يفيض بالألوان المختلفة من الشعر سيما الشعر الصوفي الهندي، والفن والموسيقى، ولعل أهم مكتنزات الهند قد تجلت في اتصاله بالشاعر السوري عمر أبو ريشة، إذ توثقت بينهما عرى الصداقة، وجمعهما الود والشعر والأدب واهتمامات متعددة. وقدر له بعد ما غرس في تراب الهند نخيلا ووردا، أن ينتدب إلى الأمم المتحدة عام ١٩٨٩م، حيث قضى بها ردحا ناهز السبع سنين، وصادف أن تسنمت قطر حينها رئاسة مجلس التعاون الخليجي إبان غزو الكويت الغاشم أغسطس عام ١٩٩٠، فوجد نفسه في مواجهة سلسلة من المسؤوليات الثقيلة، لم يتخفف عنها كاهله إلا بعد انتقاله إلى تركيا، حيث وجد فيها أُنسا، ورِواء، وعودا إلى جذور تالدة، وتحررا من قيود جمة، حملته على المصاعب: "كان دافعي للعمل في تركيا هو محاولة العودة للجذور والروح". ولا ريب أن المعنيّ هنا هو الجانب الحضاري بطابعيه العربي والإسلامي في الإرث العثماني-التركي.
في ٢٠٠٢م بلغ العمل الدبلوماسي الطويل ذروته، فتيسر له أخيرًا أن يلقي عصا الترحال بعد سبعة وعشرين عاما، ويشغل منذاك مستشارا ثقافيا لدى سمو الأمير الوالد.
إن هذه المسيرة الدبلوماسية والشعرية لقصة عريضة تفيض بالفوائد والشواهد، وباب من أبواب ذاكرة قطر المعاصرة، ونظرة من نظراتها، ساهمت الأستاذة مريم النعيمي في جمعها وإخراجها، والاستزادة عبر قراءة محطاتها ونقد ملامحها وإبراز مآثرها. وبالرغم من أهمية هذا العمل وثرائه، إلا أن السيرة الذاتية للأستاذ النعمة تبقى ذات إلحاح، باعتبارها سردية - قل نظيرها - تجمع مراحل التطور القطري، منذ الأربعينيات الميلادية،
ومؤالفتها بين مساقات مختلفة متباينة، وتبحر النعمة فيها، كما وارتباطه الوثيق بشخصيات أدبية وفنية محلية كالشاعر الطبيب حجر البنعلي والموسيقار عبدالعزيز ناصر العبيدان (ابن خاله)، وعربية مثل عمر أبو ريشة - كما تقدم - والطيب صالح وصلاح عبدالصبور.
لقد كان الدكتور حسن النعمة قريبا جدا بمقدار نأيه، ونائيا جدا بحجم قربه، فلم يشبهه أحد.
الزواج والطلاق وتحولات القيم
تأخذ القضايا - كما هو معهود- حيّزًا متواصلًا في تفكير أصحابها أو مُعايشيها، ما دامت تنعكس بشكل ملموس... اقرأ المزيد
3744
| 03 أكتوبر 2022
ثنيُ الزمان على مسألة السُكّان
تحتل المسألةُ السكانية موقعًا متعاظمًا في هواجس المثقفين والمختصين بالشؤون التنموية الوطنية في بلدان الخليج العربي. وهي مسألةٌ... اقرأ المزيد
1944
| 19 سبتمبر 2022
لمَ هذا الجفاء بين الظاهرة والمنظور؟
يسري في الأذهان العربية، وبأثرٍ من القضايا السياسية الملتهبة التي ألمَّتَ بجسد الإنسان العربي المثخن ولا تزال، أن... اقرأ المزيد
1754
| 31 أغسطس 2022
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8898
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4797
| 22 سبتمبر 2026
بين تعميمين أسبوع واحد. في الثالث من سبتمبر 2026 عمّمت إدارة شؤون المدارس والطلبة بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي حظر استخدام العقاب مع الطلبة بكل أشكاله: البدني واللفظي والنفسي، وكل ممارسة تُسيء إلى الطالب أو تؤثر سلبًا في سلامته وتكيفه مع البيئة المدرسية. وفي العاشر منه دشنت الوزارة سياسة إدارة سلوك الطلبة بالمدارس ورياض الأطفال الحكومية ودليلها التنظيمي. الخطوتان صحيحتان، والأسبوع الفاصل بينهما هو المشكلة: كان كافيًا ليستقر في الأذهان أن الحظر جاء بلا بديل، فامتلأ النقاش العام بعبارة «من أمن العقوبة أساء الأدب» قبل أن يصل خبر البديل. والحظر ليس مستجدًّا حتى يُفهَم هكذا. قرار وزير التربية والتعليم رقم (3) لسنة 1993 يمنع العقاب البدني، والقرار رقم (57) لسنة 2001 يحظر أي شكل من أشكال العنف ضد الأطفال والطلبة، وقد ذكرت الوزارة بهما في تعميم سابق عام 2024. أي أن عمر الحظر ثلاثة عقود، وأن الجديد في سبتمبر هو البديل لا المنع. لكن البديل، كما أُعلن، يرتب سلوك الطالب ولا يُعلن ما يقابله: الإجراء الذي يحمي المعلم حين تُرفع في حقه شكوى غير صحيحة. وهذه بعينها الثغرة التي دفعت كوريا الجنوبية ثمنها. حظرت العقاب البدني المباشر في مدارسها في مارس 2011 بتعديل اللائحة التنفيذية لقانون التعليم الابتدائي والثانوي، وتركت المعلم وحده أمام الشكوى. وبعد اثنتي عشرة سنة، وعقب احتجاجات واسعة للمعلمين في صيف 2023، أقرّ البرلمان في 21 سبتمبر 2023 أربعة تعديلات عُرفت بقوانين استعادة حقوق المعلم: تشدد معايير مساءلته بتهمة إيذاء الطفل، وتمنع إيقافه تلقائيًّا عند مجرد الاتهام، وتمنع مدير المدرسة من التهوين أو الإخفاء. وكانت الكلفة قد ظهرت في الأرقام قبل ذلك: 1133 معلمًا تعرضوا لمضايقات من هذا النوع بين 2018 و2022، و589 معلمًا خدمتهم أقل من خمس سنوات تركوا المهنة في عام واحد مقابل 303 في العام السابق. ثم ألغى مجلس سول لائحة حقوق الطلاب بعد اثنتي عشرة سنة من سنّها، لأنها أُخذت على إغفالها المعلم. والمسألة عندنا مقاسة لا متوهَّمة. في تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن نتائج قطر في برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA) لعام 2022، أفاد نحو 26% من الطلبة بأنهم لا يستطيعون العمل جيدًا في معظم الحصص أو كلها، و33% بأنّ الطلبة لا يستمعون إلى ما يقوله المعلم. فالمعلم يواجه مشكلة ضبط حقيقية، وحين يُسحب منه أسلوبٌ قديم ولا يُسلَّم إجراءً مضمونًا، فأقصر الطرق أمامه أن ينسحب من التدخل أصلًا: لا يُقوّم ولا يوثق ولا يبلّغ. وهذا الانسحاب أضرّ من العقاب، لأنه لا يُرى ولا يُحصى. وقد تردد في الأيام الماضية على ألسنة المعلمين والمعلمات ومديري المدارس قلق من تلاشي صورة المعلم المهيب، وأن يحل محلها موظف يؤدي ولا يربي. والخاسر الأكبر في هذه المبادلة هو التعليم نفسه. والمطلوب أن يُستكمل الدليل التنظيمي بطرفه الثاني، في ثلاث خطوات متسلسلة: أن تُنقل الشكوى من عاتق المعلم إلى فريق مدرسي مختص يتلقاها ويحقق فيها، فلا يبقى المعلّم خصمًا وشاهدًا في الوقت نفسه. وأن يُنص صريحًا على أن التوجيه التربوي المنضبط الموصوف في السياسة نفسها ليس إساءةً بحكم التعريف، وأن الاتهام وحده لا يترتب عليه إجراء في حق المعلم قبل التحقيق. وأن يُدرب الأخصائيون النفسيون والاجتماعيون على تشغيل السياسة لا على تلقّي نصها، فهم من ستُحال إليهم الحالات. وهذه الخطوات مجتمعةً تُقيم التوازن في الإجراءات والتوجيهات الإدارية، فلا تُكتب لطرف على حساب طرف. ويبقى أن تُفتح هذه الزاوية الحساسة على الشفافية. فعدد حالات السلوك المسجلة، ومتوسط زمن معالجتها، وعدد الشكاوى المرفوعة على المعلمين وما ثبت منها، مؤشرات ثلاثة إن أُعلنت سنويًّا قومت المسار وحفظته. فما لا يُقاس لا يُدار. أسبوع واحد فصل بين المنع والبديل، ولو صدرا معًا لاستُغني عن هذا كله. والأصل أن يخرج الحظر وطرفه المقابل في وثيقة واحدة، يستقيم بها التوازن في المحيط المدرسي فلا يطغى طرف على طرف. فحماية الطالب وحماية المعلم ليستا خطوتين متعاقبتين، بل وجهان لإجراء واحد.
3321
| 16 سبتمبر 2026