رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحدّثت في المقال الأخير عن علاقة القطريين بالبعثة الدنماركية التي وصلت عام ١٩٥٨ وقامت بأعمال بحثية من أهمها كان تنقيبهم قرية مروب شمال غرب قطر بتوجيه من المرحوم الشيخ أحمد بن جاسم بن محمد، إذ قاموا بعملٍ (حفري-أركيولوجي) تأسيسي من حيث طبيعته، ولكنه لم يكن اكتشافًا كما يُشاع عنه، فهذه القرية -كما أنازع- لا بد وأنها كانت معروفة لدى أهل قطر، ولا شك أنهم وقفوا عليها، وأجالوا النظر في أطلالها، وتبيّنوا ملامحها، وهم أولئك الذين عاشوا القرون السوابق على أرض قطر، بين حلٍّ دائم، وارتحالٍ دائر، في طلب تحصيل العيش وما شابه.
وإذا كان معلومًا أن نمط العيش القديم من رعي الأغنام أو الإبل أو غير ذلك يقتضي تنقّلًا يوميًّا دؤوبًا، فهذا خير شاهد استدلاليٍّ على احتمالية أن الإنسان القطري في تاريخه، قد ساقَهُ مرعى مواشيه أو مرَّ به على موقع القرية، فرأها آثارها رأي العين مرارًا وتكرارًا، مما يؤكد أن القول بالاكتشاف الحديث للآثار التاريخية هو قولٌ غير دقيق على الإطلاق، وأنه يُضمِر في داخله دلالة سلبية، تجعل من السكان وكأنهم جهلة حتى في شؤون أنفسهم، وتعالوا عن ذلك، بل إن الأمر -كما أسلفت- معلوم ومشهود وحاضر في الذاكرة الشعبية للأفراد والجماعات، والذي منع من العناية به وإبرازه وتقديمه ليس إلّا غياب الشروط المادية اللازمة، فالناس كانوا منهمكين بتأمين الضروري من المعاش، ولم يبلغوا بعد المرحلة التاريخية التي تجعلهم يقبلون على التنقيب إقبالًا علميًّا مُركّزًا.
وفي كل الأحوال، فإن الأكثر أهميّة في هذا الحديث هو منطق الفكرة التي أحاول شرحها قدر الإمكان، وهي أن ما يُطلق عليه "اكتشاف علمي" في أي مكان في الوطن العربي، غالبًا ما يشوبه بعض التضليل في جوانب رئيسية مثل الظرف التاريخي للشعوب العربية وما يتضمنّه من فتور الدافعيّة الثقافية، غياب الدولة أو عدم اكتمالها، مواقع الهيمنة، علاقات القوى، وسلطة المعرفة لاسيّما المعرفة المتسيّدة التي ترسم الألفاظ وتحدد المعاني وتضبط اللغة، إضافة إلى توفّر الأدوات الإجرائية المطلوبة من عدمها.
ولنا في واقع الحال أن نستعير هذا المنطق ونسحبه إلى مواطن كثيرة مختلفة، من أجل الظفر بقياسٍ دقيق يضع الحقائق التاريخية في نصابها، كتاريخ المخطوطات العربية وعلاقته بالاستشراق والمستشرقين، وأن اكتشافاتهم ليست اكتشافات بقدر ما هي إبرازات دفع بها تفتّق القوّة الغربية وبروزها، مقابل اضمحلال الرابطة الحضارية الإسلامية في ظل تفكك بلدانها.
وأؤكد مرة أخرى أن منطق التحليل باق ولو تغيرت الأمثلة.
أردت من خلال هذه المقدمة أن أضع القارئ العزيز في السياق المركّب للموضوع، مُراعيًا تفكيك دلالاته المُضمَرة، ومُحاولًا استنطاق الأسئلة الصامتة في ذهنه، والإجابة عليها.
لقد تعاقب على تنقيب قرية مروب الإسلاميّة فريقان علميّان، وهما البعثة الدنماركية ١٩٥٨-٥٩ والبعثة الفرنسية ١٩٧٩-٨١ إذ يفصل بينهما قرابة العقدين وأكثر، وقد أرجعت البعثة الأولى تاريخَ القرية -عبر دراسة آثار القلعة الموجودة- إلى أواخر العصر الأموي وبدايات الحكم العبّاسي، بينما رجّح الفريق الفرنسي أن تاريخها يعود إلى الفترة العبّاسية، استنادًا إلى مقارنتها بخان عطشان، وهو مبنى أثري يقع في بادية العراق، يرجع تاريخه إلى العقد السابع من القرن الثاني هجريّة، ويماثل في تخطيطه العمراني قلعةَ مروب، كما أنهم عثروا على جرّتين خزفيتين لونهما أزرق مائل للاخضرار، أظهرت نتائج التنقيب أنها تعود إلى القرن الثالث هجريّة. وقد قام الفقيد محمد بن جاسم الخليفي (١٩٥٧-٢٠١٦) مدير إدارة المتاحف والآثار في إعداد كتاب تقريري كامل بعنوان "آثار الزبارة ومِرْوَب"، طُبع عام ١٩٨٧م، ضمّن بين ثناياه تفاصيل عمليّتي التنقيب من الجهة التقنية البحتة، موردًا مساحة القلعة وقياساتها وأبعادها، وصفة بنائها من الصخور المتناثرة في قفارها، والطين الطبيعي الذي كان يُؤتى به من الوديان المجاورة، دون التطرق إلى الجانب التأريخي، إلا في مقدمة الدراسة، التي أشارت إلى المعنى اللغوي لكلمة "مروب"، ولم تزد على ذلك شيئًا. وحتى تتضح لنا مسألة التأصيل اللغوي لهذه المسألة أكثر، يأتي تتبع تاريخ اللفظة في المعاجم العربية عملًا لا بد منه.
جاءت كلمة مروب في أكثر من معنى، ولكل منهم مدلول، من ذلك ما أورده ابن منظور في لسان العرب،"والمِروْب: الإناء والسقاء الذي يروب فيه اللبن، وفي التهذيب: إناء يروب فيه اللبن.
قال عُجيّزٍ من عامرِ بن جندب:
تبغضُ أن يظلم ما في المِروْب، وفي المثل: «أهونُ مظلوم سِقَاءٌ مُرَوَّب»، وأصله: السقّاء يلف حتى يبلغ أوان المخض، والمظلوم: الذي يظلم فيُسقى أو يُشرَب قبل أن تخرج زبدته".
وذكر الأزهري في معجمه [تهذيب اللغة]: "وروى أبو عبيدة، عن أبي زيد في باب الرجل الذليل المستضعف: أهون مظلوم سِقاءٌ مُرَوَّب. وظلمت السِّقاء، إذا سقيته قبل إدراكه" وقال أيضًا: "والمُروَّب: الذي لم يُمخَض بعدُ وهو في السقاء، لم تُؤخَذ زُبدَتُه" والمخض - كما هو معلوم- تحريك الشيء بشدّة، ونقول في الدارجة الشعبية، خُضّ الشيء، أي: هُزّه بشدّة.
وقال آخر:
"طوى الجراد مِرْوب ابن عثجل
لا مرحبا بذا الجراد المقبل"
أي وقع على رعيه فأكله فجفت ألبان إبله فطوي مروبه، وله موقع حسن في الإسناد المجازي". (المصدر: أساس البلاغة للزمخشري؛ مادة: روب)
يظهر لنا من خلال هذا العرض اللغوي الموجَز أن كلمة مروب تأتي على أكثر من وجه، فهي:
١- مِرْوَب -بكسر الميم وتسكين الراء وفتح الألف- أي: الإناء الذي يوضَعُ فيه اللبن.
٢- مُرَوَّبْ -بضم الميم وفتح الألف والواو- وهو اللبن الذي لم يُخَضُّ بعد فلم تظهر زبدته.
٣- ووجه صرفي وهو مُرَوِّب - بضم الواو وفتح الراء وكسر الواو- فاعل من رَوَّب.
لقد كان الجانب اللغوي مهمّا للغاية على صعيد تأصيل التسمية، والتي كما يبدو لم تُولّ أهمية تُذكر من قبل، إلا لماما، ونتيجة لهذا التأصيل نجد أن كلمة مروب اتفقت في جوهرها المعنوي واختلفت في دلالاتها بعض الشيء، ومن الصعوبة بمكان أن نضبط بجزمٍ أي الوجوه التي كانت تُسمّى بها قرية مروب الإسلامية، هل كان الوجه الأول أم الثاني أم الثالث؟ -أعلاه-.
لم تستطع المصادر التاريخية القليلة التي تعرّضت لتاريخ القرية البالغ حجمها ٢٥٥ منزلًا، وتاريخ قلعتها العسكرية، التوصّل إلى الحد الأدنى من المعلومات أو الإشارات، التي تمكننا من بناء خلفية موضوعية واضحة عن التطور التاريخي الخاص بالقرية، فكل ما نعرفه عنها هو بضع شذرات أغلبها كانت نتائج التنقيب الحفري، إذ توصّلت إلى الفترة الزمانية المرجّحة لتأسيس القرية ونشأتها. ولكن بَقِيَت المساحة اللازمة من التنقيب التأريخي-البحثي: غائبة، إذ نحن لا ندري متى هُجِرَتْ هذه القرية أو متى هُجِّرَ أهلها وكيف، ولسنا متأكدين من صحة بعض الأخبار الشفوية المتداولة في نطاق ضيّق، والتي تقول إن قرية مروب إنّما أُحرِقت من قِبَل القرامطة في نهايات القرن الثالث هجرية.
الزواج والطلاق وتحولات القيم
تأخذ القضايا - كما هو معهود- حيّزًا متواصلًا في تفكير أصحابها أو مُعايشيها، ما دامت تنعكس بشكل ملموس... اقرأ المزيد
3759
| 03 أكتوبر 2022
ثنيُ الزمان على مسألة السُكّان
تحتل المسألةُ السكانية موقعًا متعاظمًا في هواجس المثقفين والمختصين بالشؤون التنموية الوطنية في بلدان الخليج العربي. وهي مسألةٌ... اقرأ المزيد
1950
| 19 سبتمبر 2022
لمَ هذا الجفاء بين الظاهرة والمنظور؟
يسري في الأذهان العربية، وبأثرٍ من القضايا السياسية الملتهبة التي ألمَّتَ بجسد الإنسان العربي المثخن ولا تزال، أن... اقرأ المزيد
1769
| 31 أغسطس 2022
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4617
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1278
| 28 سبتمبر 2026