رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قبل كل قول، يؤكد الكاتب مرة أخرى، رفضه لكل الأعمال القتالية / الإرهابية، التي يقوم بها عرب أو مسلمون، في أوطانهم، أو خارج حدود أوطانهم، ضد أهداف مدنية، سواء كانت تلك الأهداف بشرية أو مؤسسات، ويعتبرها من الأعمال التي تلحق الأضرار بالأمة العربية والإسلامية، وديننا الإسلامي لا يقر تلك الأعمال ولا يأمر بها.
❷
في الثالث عشر من شهر نوفمبر الحالي حدثت تفجيرات في العاصمة الفرنسية باريس نسبت إلى تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" راح ضحية تلك التفجيرات أكثر من 200 إنسان بين قتيل وجريح وضجت الدنيا بذلك العمل الإرهابي المشين، وتسابق الناس في إدانة ذلك العمل الإجرامي الرهيب الذي ذهب ضحيته مدنيون أبرياء لا ذنب لهم فيما يجري على الساحة الدولية.
تسابقت الحكومات العربية في إدانة وشجب واستنكار ذلك الحدث، وراح الناس على دين ملوكهم بمختلف ثقافاتهم واتجاهاتهم الفكرية والسياسية والعقدية يدينون ويستنكرون تلك الجريمة، والحق أنها جريمة. كل تلك الإدانات والاحتجاجات من العالم العربي وعلى كل الصعد لم ترو غليل الشعوب الغربية ولا حتى حكوماتها، بل راح جمهور عريض منهم يمعن في العداء والتعدي على كل من يعتقد أنه مسلم أو عربي في دار الغرب. المسلمون في فرنسا يشكلون 8% من السكان يتعرضون بشكل يومي لاعتداءات جسدية وروحانية وأخلاقية، إشارات النازية ترسم على مساجدهم ومدارسهم، أفراد يتعرضون للاعتداءات، مثلا: سيدة مسلمة في مدينة مرسيليا وأمام جمهور من المارة تعرضت للضرب وسط الشارع ومزقت ملابسها بآلة حادة، والمعتدون عليها برروا عدوانهم بأنها امرأة إرهابية.
ويذكر المركز الوطني لمناهضة الخوف من الإسلام أن 32 حادثة معادية للمسلمين والإسلام حدثت في أسبوع واحد، وأن المركز يتلقى ما يزيد على خمس شكاوى من مواطنين فرنسيين مسلمين من أصول شرقية بشكل أسبوعي وحتى أن بعضهم أعرضوا عن إرسال أبنائهم إلى المدارس خشية عليهم من الاعتداءات، سيدة أخرى تعرضت للدفع بها أمام أحد القطارات، لكن إرادة الله أنجتها من الموت. في معظم المدن الأوروبية يتعرض العرب والمسلمون للملاحقة ودهم المنازل وترويع الأسر تحت ذريعة البحث عن مطلوبين متهمين بالإرهاب أو تمويل الإرهابيين أو التستر عليهم وأصبحت حياة الناس في ضنك لا يعرفون ماذا يفعلون. إن ذلك هو الإرهاب بكل ما تعني الكلمة، في هذا الإطار تتسابق الأحزاب السياسية في المجتمع الأوروبي في إمعان النيل من العرب والمسلمين، المهاجرين منهم والمواطنين، من أصول عربية بهدف الدعاية لانتخابات برلمانية أو رئاسية قادمة في كل دولة على حدة، فالأحزاب اليمينية المتطرفة هي ضد الهجرة الأجنبية إلى دولهم وأحزاب أخرى لا تمانع في الهجرة المنظمة ومن هنا يشتد التنافس بين هذه الأحزاب ليحقق كل منهم هدفه، والضحية هم العرب والمسلمون والذين لا يشكلون خطورة على المجتمعات الغربية لأنهم في كل الحالات أقلية.
❸
سؤال يجب توجيهه إلى كل مفكري الغرب وقادتهم، لماذا تقتلوننا نحن العرب، وتدمرون بيوتنا ومزارعنا وتسرقون متاحفنا وتزرعون الرعب في قلوب أطفالنا وتلاحقون وترهبون إخواننا المهاجرين إليكم وأنتم تعرفون العدو الواجب اجتثاثه وبأقل تكلفة بشرية ومالية، نذكركم كم، أن مفتي الجمهورية السورية السيد أحمد حسون هدد أوروبا وأمريكا بعمليات انتحارية ينفذها أشخاص متواجدون بالفعل في أوروبا، إبراهيم الجعفري وزير خارجية العراق قال: إن أجهزة المخابرات العراقية أبلغت فرنسا وأمريكا وإيران بأعمال إرهابية ستحدث في تلك الدول وحدثت خاصة في فرنسا الأكثر تشددا ضد نظام بشار الأسد وإيران وحزب الله، أليس هذا مؤشر على تورط هذين النظامين في أعمال إرهابية خارج الحدود وداخلها.
أسألكم، كم قتلتم ودمرتم وأهنتم من الشعب العراقي العظيم من أجل إحلال الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان فماذا كانت النتيجة؟ كم تقتلون اليوم في سوريا الحبيبة وأنتم تعلمون من هو الإرهابي الأكبر الذي استعمل كل أنواع أسلحة الدمار ضد شعبه وهجرهم وشتتهم وأباد أكثر من 300 ألف إنسان وأنتم تشهدون، وإسرائيل؟ كم قتلت وتقتل من الشعب الفلسطيني وبأسلحتكم وطائراتكم وتريدوننا أن نخضع ونسكت وأنتم تستبيحون أرضنا وعرضنا وثرواتنا وتهينون حكامنا؟ أذكركم بما يقوله الصادقون منكم: يقول السياسي الألماني المعروف لديكم الأستاذ (يورجن تودنهوفر): "يجب ألا ينسى الغرب كله أنه مارس القتل لعقود طويلة من الزمن في الشرق الأوسط، وعذب وقتل ملايين من المسلمين من النساء والأطفال والشيوخ"، ويقول: الغرب لا يريد الاعتراف بأن ما زرعه من حروب في الشرق الأوسط يحصده بعنف ارتد إليه في عقر أوروبا، ويؤكد السياسي الألماني آنف الذكر: "المسلمون ليسوا من ذبح أربعة ملايين من البشر في الحروب الصليبية، وليسوا من قتل خمسين مليون إنسان أثناء الاستعمار، وليسوا من قتل سبعين مليونا في الحرب العالمية الثانية، وليسوا من قتل ستة ملايين يهودي، ولكن هذه حصيلة عدوان العالم الغربي".
نذكر كل قادة أوروبا ومفكريها، أن تنظيم القاعدة تأسس إبان كنا معكم في حرب أفغانستان ضد الشيوعية، ولما التفتم علينا في عدوانكم الظالم على العراق جد من جاهد معكم ضد الشيوعية أن يحارب ضد ظلمكم وطغيانكم وجبروتكم بما حل بالعراق، والدولة الإسلامية ــ داعش ــ تأسست نتيجة لما فعلتم بالعراق وتنصيبكم حكومة طائفية فاشية شعوبية حاقدة بقيادة حزب الدعوة الظالم الملعون، وموقفكم المهادن من النظام القائم في دمشق بقيادة بشار الأسد الذي لم يكتف بالبراميل المتفجرة ضد شعبه التي يلقيها طيرانه الحربي عشوائيا على السكان الآمنين، بل استخدم الأسلحة المحرمة دوليا وأنتم تعلمون.
آخر القول: تقتلوننا بكل أسلحتكم في أوطاننا، وترعبون وتلاحقون إخواننا الذين جذبتهم ديمقراطيتكم إلى أوطانكم، وأرعبتم شعبكم بإغلاق خطوط المواصلات البرية، وأعلنتم الطوارئ، وأغلقتم المتاجر في عواصمكم، وحاصرتم أحياء يسكن فيها عرب ومسلمون مع جيرانهم الغربيين، إنه إرهاب مزدوج، وإذا أردتم الحل فأجهزوا على أركان الإرهاب في بغداد ودمشق وبيروت.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4650
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1173
| 01 أكتوبر 2026