رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حرصت محكمة قطر الدولية ومنذ تأسيسها على أن يكون نظامها وإجراءاتها قائمة على احترام مبادئ العدل والمساواة وسيادة القانون، حفاظاً على حقوق المتقاضين ومصالحهم. وفي سبيل تعزيز نظام العدالة في مركز قطر للمال وضمان المساواة بين الخصوم، قامت المحكمة مؤخرا بإرساء مبادرة لتقديم المساعدة القانونية للأفراد من ذوي الدخل المحدود، باعتبار أن المساعدة القانونية تشكل ضمانة أساسية من ضمانات المحاكمة العدالة، وترتبط ارتباطا وثيقا بمبدأ حق التقاضي، ومبدأ المساواة، ومبدأ عدم التمييز فيما بين المتقاضين لاختلاف وتفاوت مراكزهم المالية. وتعرّف المساعدة القانونية عموما بأنها كل عمل ينطوي على تقديم النصح والمشورة القانونية أو التمثيل القانوني أمام الجهات القضائية بالمجان للأفراد ذوي الدخل المحدود والذين ليس لديهم الوسائل المادية والقانونية الكفيلة لتغطية أتعاب المحاماة أو مصاريف الدعوى. ولقد جاءت مبادرة المحكمة إعمالا لأفضل المعايير الدولية لضمانات المحاكمة العادلة، وتجسيدا لمضمون مبادئ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومبادئ الميثاق العربي لحقوق الانسان، والذي صادقت عليه دولة قطر، والتي تقضي بكفالة حق كل شخص في أن يكون له من يدافع عن حقوقه ومصالحه، إذا لم تكن لديه المقدرة المادية لدفع نفقات الدفاع عنه.
وتسعى المحكمة من خلال مبادرتها إلى توفير المساعدة القانونية للأفراد غير المقتدرين ماليا من خلال خدمات المحامين المتطوعين في هذه المبادرة. ولقد نظمت قواعد المساعدة القانونية الصادرة عن محكمة قطر الدولية والتي أطلق عليها مسمى " المبادئ الاسترشادية للمساعدة القانونية " شروط وضوابط منح المساعدة القانونية، وآليات تقديمها، ونطاق الخدمات التي تشملها، وحالات إنهائها، والحد الأدنى المفترض من المساعدة القانونية التي يجب تقديمها من المحامين المتطوعين المشاركين بالمبادرة.
وقد نصت المادة الأولى من القواعد على حق الفرد ذي الدخل المحدود في الحصول على المساعدة القانونية بالمجان في المسائل والدعاوى التي تكون ضمن ولاية المحكمة القضائية. وعلى ذلك، فإنه لا يمكن التقدم للحصول على هذه المساعدة إذا كانت المسألة موضوع الخصومة أو النزاع تقع في ولاية المحاكم الأخرى في الدولة. وتتعدد صور المساعدة القانونية التي يمكن الحصول عليها وفقا لما جاء في أحكام نص المادة السادسة من القواعد إذ تتضمن تقديم النصح والإرشاد والمشورة القانونية للفرد قبل البدء بالإجراءات القانونية أو بعد الخصومة القضائية لتشمل جميع الإجراءات القضائية منذ رفع الدعوى وقيد صحيفتها بقلم المحكمة إلى حين صدور الحكم النهائي فيها وإعلانه. وينطوي هذا النوع من المساعدة القانونية غالبا على التوعية بحقوق المتقاضي وواجباته في الدعاوى المنظورة أمام محكمة قطر الدولية في نطاق ولايتها واختصاصها القضائي. ويمكن اجمال الاعمال المقدمة في هذا النوع من المساعدة في تمثيل الفرد أمام المحكمة والإنابة عنه في جميع الإجراءات القضائية التي تقتضيها الدعوى والمتمثلة بإعداد الصحف والمذكرات وتبادلها مع الخصوم وإعداد الأدلة والرد على دفوع الخصوم وتفنيدها والمرافعة امام المحكمة والطعن بالاستئناف على احكام الدائرة الابتدائية وغيرها من الأعمال المتعلقة بأعمال المحاماة.
وقد نصت المادة 8 من القواعد على الإجراءات الواجب اتباعها للحصول على المساعدة القانونية، كما نصت المادة 11 على الضوابط التي تحدد مدى أحقية الفرد في الحصول عليها. وبينت المادة 19 أنه من حق المحامي المتطوع عند تقديم المساعدة للفرد تحديد نطاق العمل الذي سوف يقوم به بالمجان شريطة ألا يقل عن الحد الأدنى المحدد في القواعد الذي يتضمن إعطاء المشورة القانونية الأولية بشأن المسألة المعروضة عليه.
وقد فتحت محكمة قطر الدولية أبواب التسجيل أمام المحامين الراغبين في التطوع في مبادرة المساعدة القانونية لتمثيل الأفراد ذوي الدخل المحدود وغير القادرين ماديا على دفع اتعاب وتكاليف المحامين.
وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى قانون المحاماة رقم 23 لسنة 2006 والذي نظّم مسألة المساعدة القضائية، حيث تنص المادة 61 من القانون المشار إليه على أنه " تُشكل بقرار من رئيس المحكمة الابتدائية لجنة تسمى «لجنة المساعدة القضائية»، برئاسة أحد الرؤساء بالمحكمة وعضوية اثنين من قضاتها، تتولى ندب أحد المحامين للقيام بأي عمل من أعمال المحاماة، وذلك في الحالات الآتية: (1. إذا كان أحد المتقاضين معسراً أو عاجزاً عن دفع أتعاب المحاماة، وكانت الدعوى راجحة الكسب، 2. إذا تقرر إعفاء المتقاضي من الرسوم القضائية كلها أو بعضها، 3. إذا رفض عدد من المحامين قبول الوكالة في الدعوى، 4. إذا توفي المحامي أو كان لديه مانع من مزاولة المهنة...5. وفي الحالات الأخرى التي يوجب فيها القانون تعيين محام عن متهم أو حدث لم يختر محامياً للدفاع عنه). وتتابع المادة: يتولى المحامي المنتدب في أي من هذه الأحوال، اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالمحافظة على مصالح من يمثله، ويعتبر القرار الصادر من لجنة المساعدة القضائية بمثابة توكيل صادر من صاحب الشأن. وتنص المادة 63 من نفس القانون على أنه " على المحامي المنتدب أن يقوم بالعمل الذي كلف به، ولا يجوز له أن يتنحى إلا لأسباب تقبلها الجهة التي ندبته. فإذا رفض المحامي تقديم المساعدة القضائية دون سبب مقبول، أو أهمل في أداء واجباته، تتم مساءلته تأديبياً. وتخوّل المادة 64 المحكمة في تقدير أتعاب المحامي المنتدب حيث تنص على أنه " يقوم المحامي المنتدب عن المعسر بالدفاع عنه دون مقابل، وتقدر المحكمة أتعاب المحامي، وتلزم بها الخصم المحكوم عليه بالمصروفات، ويجوز للمحامي الرجوع بالأتعاب على من ندب عنه إذا زالت حالة إعساره».
وباستعراض النصوص أعلاه وبمقارنتها مع قواعد المساعدة القانونية لمحكمة قطر الدولية، نلاحظ أن قواعد المساعدة القانونية اشمل وأكثر سعة من المساعدة القضائية، إذ أن المساعدة القانونية تبدأ قبل بدء الإجراءات القضائية ورفع الدعوى وانعقاد الخصومة بينما تبدأ المساعدة القضائية بعد بدء الاجراءات القضائية. كذلك فإن المساعدة القانونية تكون بالمجان ولا يتقاضى المحامون المتطوعون في المبادرة أي عوائد مالية، بينما وفقا لنظام المساعدة القضائية، فإن تقدير أتعاب المحامي المنتدب يكون من قبل المحكمة ويتولى دفعها المحكوم عليه بالمصروفات القضائية، كذلك يجوز للمحامي الرجوع بالأتعاب على من ندب عنه إذا زالت حالة إعساره.
وفي الختام، فإن مبادرة محكمة قطر الدولية لتدشين قواعد المساعدة القانونية تعزز مبادئ حق التقاضي والمحاكمة العادلة والمساواة أمام القضاء بنصرة الحقوق وتحقيق العدالة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12159
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10302
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3486
| 22 أكتوبر 2026