رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتور محمد أنس أرناؤوط

مساحة إعلانية

مقالات

45

الدكتور محمد أنس أرناؤوط

أمن الخوارزميات وسيادة القانون

26 أكتوبر 2026 , 12:00ص

شهدت الدوحة «عاصمة السلام العالمي» حدثاً محورياً ناقش تقاطع التكنولوجيا والسيادة القانونية، هو مؤتمر الدوحة الدولي للذكاء الصناعي والأمن، ومن خلال ما تم طرحه من محاضرات توضح جلياً أن الإنسانية اليوم تختبر تحولاً جذرياً غير مسبوق، حيث لم يعد مفهوم الأمن القومي مرتبطاً بحدود مادية مرئية أو ترسانات عسكرية كلاسيكية، بل انتقل بالكامل إلى فضاء سيبراني معقد تديره خوارزميات مستقلة وتوجهه تدفقات بيانات ضخمة فائقة السرعة، وفي هذا المنعطف الفاصل، مثّل مؤتمر الدوحة الدولي للذكاء الاصطناعي والأمن محطة بالغة الأهمية لتفكيك الإشكاليات البنيوية المعقدة الناتجة عن تداخل التقنية الحديثة والأمن الوطني والأطر التشريعية المنظمة لها، لأن صياغة استراتيجيات أمنية حقيقية ومستدامة للمقبل من الأيام لا تتطلب سباق تسلح برمجياً بلا قيود، بل تستدعي ثورة شاملة وجذرية في الفلسفة القانونية تضمن الإبقاء على الرقابة البشرية الواعية كضمانة وجودية وحيدة أمام خوارزميات الآلة المطبقة في المنظومات الدفاعية والأمنية.

وفي الواقع يتجاوز التأثير الفعلي والعميق للذكاء الاصطناعي في الاستراتيجيات الأمنية المستقبلية مفاهيم الأتمتة الميكانيكية البسيطة، ليؤسس لمنظومات دفاعية ذكية قادرة على التنبؤ بالتهديدات، ورصد الأنماط الجنائية والسيبرانية وتحليلها قبل تشكلها الفعلي في الواقع الملموس، ومع ذلك، فإن هذا الاعتماد المطلق والمتزايد يفرز معضلة أمنية وقانونية بالغة الخطورة؛ فالأنظمة الرقمية التي تتغذى على معالجة البيانات الحساسة تصبح بحد ذاتها هدفاً مباشراً لعمليات الهندسة العكسية العدائية، حيث يمكن للخصوم استغلال الثغرات البرمجية الدقيقة لاختراق الأمن الداخلي وتفكيك شفرات الحماية السرية للدول.ومن هذا المنطلق، بحث المؤتمر باستفاضة متطلبات حماية بيانات الأنظمة الأمنية الذكية وذاتية التشغيل، وضرورة تكييف الأمن الصناعي بحد ذاته ليكون وسيلة أمان ذاتية ودرعاً واقياً لمنع الاختراقات السيبرانية قبل وقوعها. يتحقق ذلك عبر تبني فلسفة الحصانة التشغيلية المستندة إلى مبدأ «الأمن منذ التصميم»، وهي إلزام المطورين قانونياً بصناعة خوارزميات مغلقة تماماً تجاه محاولات التلاعب الخارجي الخبيث، وذاتية التشفير عند استشعار أدنى خطر.

مما يحمي المعلومات السيادية للدول والبيانات الشخصية للأفراد دون المساس بكفاءة المنظومة الأمنية الحيوية للأنظمة المستقلة ذاتياً، لأن مآلات العلاقة المعقدة بين الذكاء الاصطناعي والأمن تضع المنظومة الدولية المعاصرة أمام خيارين حتميين: إما الاستسلام لسيادة رقمية منفلتة تديرها شركات التكنولوجيا الاحتكارية العابرة للقارات، أو صياغة الأطر التشريعية والضوابط الأخلاقية المنظمة لاستخدام هذه التقنيات لحماية الحقوق الأساسية للمجتمعات البشرية.

وبالتالي فإن الانتقال الحقيقي من الأسلوب الإنشائي الفضفاض إلى الجانب القانوني يوجب على المشرع معالجة الفجوة التشريعية الكبرى المتعلقة بالمسؤولية الجنائية والمدنية. ففي حال وقوع خطأ كارثي أو اختراق أمني جسيم نتيجة قرار اتخذته خوارزمية مستقلة، تفشل القواعد التقليدية للقانون الجنائي والمدني في تحديد المسؤولية التقصيرية بدقة. 

لذا، يبرز المفهوم الحقوقي المبتكر بضرورة إقرار المسؤولية التضامنية الرقمية الممتدة، والتي توزع التبعات القانونية بالتساوي بين جهة التطوير البرمجي، والجهة المشغلة، وصانع القرار التقني، مانعةً تنصل الأطراف خلف ذريعة استقلالية الآلة التامة وعجزها عن الإدراك البشري المعاصر.

ولتطوير المنظومة القانونية بشكل عملي ومواكب، يتعين على المشرعين تبني آليات الرقابة القانونية على الخوارزميات كشرط أساسي للاعتماد التقني الرسمي والنهائي، هذا المفهوم يعني إخضاع كافة البرمجيات الأمنية قبل اعتمادها ميدانياً لعمليات تدقيق قانوني وتقني صارم من قبل هيئات رقابية وأكاديمية مستقلة، للتحقق من توافقها مع مبادئ حقوق الإنسان وخلوها من الانحياز البرمجي الضار، كما يجب سن تشريعات دولية ملزمة تفرض «حق التفسير» وبساطة «الصندوق الأسود»، مما يلزم الشركات التقنية بتوفير مسارات برمجية واضحة تتيح للقضاة والمحققين فهم الآلية الذكية التي اتخذت بها الآلة قرارها الأمني لتحديد الخطأ القانوني والمسؤولية المدنية بدقة، ودون أي لبس تقني معقد.

بالإضافة إلى ذلك، تتطلب السيادة الرقمية تكييفاً قانونياً جديداً يجرم تخزين أو معالجة البيانات الأمنية والمجتمعية الحساسة خارج الحدود الإقليمية للدول، معتبرة سحب البيانات إلى سحابات إلكترونية خاضعة لولايات قضائية أجنبية بمثابة انتهاك مباشر للسيادة الوطنية يرتب عقوبات دولية مغلظة. إن هذا التوجه الإنساني في التشريع يمنع تحويل الإنسان إلى مجرد رقم إحصائي في خوارزميات القوى الكبرى، ويحافظ على كرامته وحريته الدستورية الأصيلة، كما يفرض التزاماً كاملاً بصون الحقوق والحريات الفردية كمعيار أساسي للحكم الرشيد في العصر الرقمي الجديد.

لقد أكدت نقاشات المؤتمر أن حماية المستقبل لا ترتبط بمتانة الشفرة البرمجية بقدر ارتباطها بحصانة الأطر القانونية والضوابط الأخلاقية التي تحكمها وتوجه مسارها؛ فالتقنية بلا ضوابط تشريعية هي قوة عمياء، بينما القانون هو وحده الكفيل بتحويل الذكاء الاصطناعي إلى حصن أمني منيع يحمي الأوطان والإنسان وبناءً على ذلك، فإن الشراكة الحقيقية بين سلطة التشريع ومبتكري التقنيات الذكية تظل حجر الزاوية لإرساء قواعد عدالة رقمية شاملة تحمي الأجيال القادمة من أية مخاطر تقنية محتملة.

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية