رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بينما تكشر الحياة كثيراً عن شراستها، وتنشر شوكها العنيد الجارح، وتغيب مشاعر التواد والرحمة، وتعلن القسوة أنها المتحدث الرسمي الوحيد عن كثير من بشر هذا الكوكب يوقفك فجأة خبر، حكاية، منظر، فعل، يجعلك تتأمله سعيداً جداً به، فرحاً جداً بوجوده، تماما كما حدث معي وأنا أقرأ أمس بالشرق خبراً يقول إن سائق حافلة كنديا توقف فجأة، ونزل من الحافلة ليخلع حذاءه ويعطيه لمشرد كان يمشي حافيا، ولما سأله الركاب لماذا فعلت ذلك أجاب: لقد قال المشرد إنه لا يملك حذاءً وكان يجب أن أمنحه حذائي، كان يجب أن أفعل شيئاً، الراكبة دينس كامبيل قالت إن هذا المنظر أجمل ما رأيته في حياتي، وعلى الفور استدعى كلامها عن السائق والمشرد، ما تماثل مع هذا المنظر، عادت بي إلى آخر شهر يناير كنت في الحي السابع بمدينة أكتوبر، البرد قارس، الوقت ليلاً، وبينما أمشي على مهل والمطر يهمي رأيت سيدة تنزل من سيارتها، خلعت شالها الصوف واتجهت مسرعة نحو حارسة عمارة مسنة ووضعته على كتفيها بإحكام بعد أن ربتت على كتفها ثم عادت مسرعة إلى سيارتها تتابع سيرها! إنها لقطة متكررة، تهز المشاعر، لزهور الحياة الجميلة النبيلة التي قد تنبت في كندا، أو مصر، أو قطر، أو الصين، أو حتى في بلاد الواق واق، نعم ليس للنبل جنسية، ولا للرحمة وطن، إنه اللغة العالمية للحنان الإنساني، إنه الجمال الذي يبرق فجأة والإظلام تام ليخطف قلبك ويلفته لتتأمل أجمل لقطات الحنان التي يهديها الإنسان للإنسان.
* * *
* أرسل لي رسالة فيها يقول قرأت مقالتك (مش خايف) عن المسؤول المدير، وأريد أن أقول لوجه الحقيقة (إن فيه مديرين رائعين) وأنا أيضا لا أغفل ذلك وأقول لوجه الحقيقة إنه إلى جانب المدير الدكتاتور الذي هو أساس قهر موظفيه وكل أمراضهم وتعاسة بيوتهم أيضا، هناك فئات رائعة لا يمكن تجاهلها فأنا أعرف مديرا كان إذا (عصب) على فراش لا يذهب إلى بيته بعد انتهاء الدوام إلا إذا استرضى الفراش ونفحه (خمسين) ريالاً، واسمع عن مدير عندما عرف أن في موظفيه من يحضر للماجستير تسامح في أي ساعة فراغ ليراجعوا ويذاكروا، واعرف مديرا لما علم بما يعانيه أخو موظفه من مرض السرطان وعجزه عن الإنفاق على أسرته تعهد بإعالة الأسرة وتوفير مصاريف علاجه وهو خارج الدوحة ليس مقيما بها دون أي إعلانات لزوم البروزة والحصول على لقب (المحسن البار) وأعرف مديرا بكى موظفوه في حفلة وداعه وقد انتقل إلى موقع آخر، وأعرف علاقات إنسانية بديعة مازالت تربط بين موظفين ومديريهم رغم أنهم استقالوا أو سافروا أو انتقلوا لمواقع أخرى، أبداً لم اقصد التعميم، فكما أن هناك مديرين يتمنى موظفوهم فراقهم، هناك آخرون رائعون تتجدد محبتهم بقلوب موظفيهم وهم بالتأكيد الذين أدركوا أن الموظف إنسان ومشاعر، وطاقة لا يمكن أن تعطى إلا في ظل المودة والاحترام.
آلام مصر
* مضطرون أن نقول لمتعمدي الفوضى، والداعين للوقفات الاحتجاجية لعرقلة دورة الحياة وتعافي مصر اقتصاديا (عندما يلتقي هدفك مع هدف عدوك عليك أن تعرف أنك على خطأ) مصر أولاً وأخيراً وطنكم جميعا الذي يستحق الوفاء، متعرفوش الوفاء؟ اتعلموا من الكلاب.
* الأخبار المحزنة تقول إن الميكروب الحلزوني المسبب لسرطان القولون والمعدة منتشر في مصر وهو ينتقل بسهولة، فعطسة واحدة من المشتغلين في المطاعم قادرة على نقل العدوى لبلد بحاله، ياريت تنتبه (الأمهات) إلى أنهن صمام الأمان لأسرهن باعداد الطعام الآمن من غير (عطس) وضروري من وجود حملة شعبية لمحاربة الميكروب بدلاً من التحريض على الشغب، والإضراب.
* أتفرج على سوق الإعلاميين، ألحظ التغيير المفاجئ، وركوب الموجة، ألحظ المرفوض الذي أصبح مقبولا، والمشتوم الذي أصبح مكرما، والطالح الذي أصبح إمام الصالحين، وغصبا عني أسأل أهي كلمة حق ورجوع عن باطل وزور، أم أن الحرص أذل أعناق الرجال أيها المنافقون؟
* رسب (وائل الابراشي) رسوباً مدوياً في العاشرة مساء، الذي كانت تقدمه المتألقة بجد (منى الشاذلي) حاول الابراشي نقل نفس طريقة (التوليع) التي كان ينتهجها في برنامجه (الحقيقة) فكان فشله الذريع، لقد تألمت جدا عندما استضاف العالم المحترم (زغلول النجار) لبهدلته بمداخلات الضيوف الذين صبوا كل ما عندهم من وحل الانحطاط في الأسلوب، كما استضاف معه ثلاثة من أعدى أعداء الدين دون أن يخبر ضيفا بحجم وقيمة العالم الجليل بمن سيشاركه في الحلقة ليترك لهم الهجوم بشراسة على الضيف المحترم دون أن يتيح له فرصة كافية للرد على المداخلات المرتبة بهدف النيل من الرجل الكريم، وبهذا اللقاء الراسب بامتياز كشف (وائل الابراشي) عن وجه جديد ما كنا نعرفه، لكن الثابت الآن أن مقدم العاشرة مساء إعلامي مثير للفتن ويحمل في جيبه كلما أطل علينا (نار وزيت حار) لزوم التوليع، الغريب أنه لم يفطن حتى الآن أنه أضاع رونق العاشرة مساء وأسقطه ربما للأبد، أسجل مرة ثانية إعجابي وتقديري ومحبتي للرائعة منى الشاذلي، وضروري أن أقول للسيد وائل لقد أظهرت بفجاجة حوارك روعة من سبقتك طبعا دون قصد!.
* أحاول أن أفهم سر الهجمة على العالم البديع زويل، هل لأنه عاد إلى مصر ليبني شيئا محترما بعد طول خراب؟ أم هي الغيرة من الإبداع؟ أم هي الفلول مازالت تطارد النجوم لتطفئها؟
* * *
طبقات فوق الهمس
* كان دمثا، متواضعا، متعاونا، الابتسامة لا تفارق محياه، صوته خفيض لا يكاد محدثه يسمعه، بعد فترة رقي ليكون أعلى الهرم الوظيفي على الكرسي الهزاز، وبدأ التغيير، الصوت الخفيض علا، مكان الابتسامة تكشيرة سوبر، الدماثة هاجرت ليكون تأنيب موظفه أمام الفراش أمرا عاديا، التواضع تلاشى وعلا مستوى الخشم كثيراً عما كان، انتفخ صدر الرجل وتغيرت مشيته الخجول، انتهى عهد الإفطار الودي الجماعي والتباسط، انتهت الوداعة وأصبحت (الوكرة) تسمع صوته إن تعكر مزاجه و(عصب) باختصار أصبح الرجل (واحد تاني) التمت الرؤوس المندهشة تسأل بعضها (وايش فيه) وجاء الجواب الشافي (أصله أخد الجنسية)!ّ!.
* كل يوم جديد يعني زمنا جديدا للبذر، كل صباح نخرج وفي أيدينا بذورنا (نوايانا) التي قد تطرح ورداً أو حنظلاً، شجراً ظليلاً أو شوكاً لا يحمي من هجير، مهم قبل أن نلقى بذورنا في شقوق الأرض أن ننقي النوايا ليخرج زرعنا بهجة تسر الناظرين.
* أي إدارة، أي وزارة لا تعرف البيروقراطية أو المركزية توقع أن تكون ثمار كل أعمالها مدهشة.
* الرقابة الشعبية مهمة جدا وهي الحل السحري الذي يوقف المخالفين ويضيع على الفاسدين فرصة استغلال مناصبهم.
* قال ينصح صديقه الساهي اللاهي الغارق في انشغالات فارغة لا تنتهي إن آخر دعاء لعمر رضي الله عنه في خطبته كان اللهم لا تدعني في غمرة، ولا تأخذني في غرة، ولا تجعلني من الغافلين.
* وزير الخارجية الفرنسي (بدل ما ينكسف) ويعتذر عن الإساءة طالب بإغلاق القنوات الفضائية الدينية بدعوى أنها تذدري الأديان، ونقول للمحترم إذا كانت هذه القنوات تحرض على ازدراء الأديان فماذا نقول في القنوات الفاضحة المفضوحة التي تذدري الإسلام والمسلمين كلهم بالترويج للعري والقذارة والدعارة! "صحيح اللي اختشو ماتو".
* في العلاقات الإنسانية كثيراً ما يتحدثون عن (الجحود) الذي يكسر القلب، والذي قد يتألم كثيرون منه بفعل وجعه العظيم، لكن يظل أيضا ما لا يمكن أن يجحد كيف يمكن للواحد منا أن ينسى الذي واساه لحظة ألم، أو احتواه لحظة حزن، أو وقف خلفه كجدار لحظة انهيار، أو من كان له أهلا ووطنا وهو غريب بلا وطن؟ كيف ينسى الواحد منا من علم على قلبه بعلامات كالوشم لا تضيع، وسقى روحه بحنان أصفى من الشهد؟!
* الأمانة ليس لها شهود، ولا شيكات، ولا قسم، الأمانة ضمير الإنسان وأصله.
* بمناسبة الجحود أرى أنه من الجحود ألا أقدم تحية تليق بكل قسم التصحيح الذي يتفانى في ضبط إيقاع كل ما يكتب ليخرج في أبهى صورة، لقد لاحظت كم أن المجهود كان عظيما في رمضان من رصة الأعداد الكبيرة بملاحقها الكثيرة، الشكر موصول لكل أقسام الشرق العزيزة على مجهود لا يستهان به.
* دائماً الكاره يهدم، والمحب يبني.
* إذا تعذر أن تكون إلى جانب حبيبك وهو يتألم لا تنس الدعاء له.
* كيف لم أنتبه إلا اليوم إلى أن الهاتف ينقل مسرات قليلة وأحزاناً كثيرة كثيرة؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
7263
| 11 أغسطس 2026
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
2466
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
2133
| 16 أغسطس 2026