رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

816

م. حسن الراشد

رحلة قطر الصناعية

24 أغسطس 2025 , 04:47ص

شكَّل اكتشاف النفط والغاز الطبيعي في قطر نقطة تحول مصيرية، نقلها من دولة نامية إلى واحدة من أعلى الدول دخلًا للفرد في العالم. هذا الإنجاز هو نتاج تخطيط إستراتيجي حكيم حوّل الثروة الهيدروكربونية إلى استثمارات متنوعة وصندوق سيادي قوي. شهدت سبعينيات القرن الماضي تقدمًا ملموسًا في الصناعات التحويلية، لا سيما البتروكيماويات والكيماويات، رغم التحديات وقلة كميات الغاز المصاحب في ذلك الحين.

أما اليوم، ومع توفر كميات هائلة من الغاز غير المصاحب، تبرز أسئلة جوهرية حول إستراتيجية التنويع الصناعي. هل كان التركيز المستمر على زيادة إنتاج الغاز هو الخيار الأمثل؟ خاصة مع مخاطر انخفاض الأسعار عالميًا بسبب زيادة المعروض وظهور بدائل الطاقة المتجددة وغير التقليدية مثل الغاز الصخري (shale gas) ربما تأخرنا نسبيًا في مواكبة هذه الطفرة الإنتاجية بثورة صناعية تحويلية موازية ومتنوعة. كان من الأفضل التوسع بشكل أسرع وأوسع في الصناعات التحويلية بجميع أنواعها، وليس فقط البتروكيماويات الصلبة، بل والسائلة أيضًا، بالإضافة إلى الكيماويات والألومنيوم، وذلك لاستغلال الطلب العالمي على المنتجات النهائية ذات القيمة المضافة العالية. من شأن هذا أن يخلق قاعدة أوسع من الأسواق والعملاء ويعزز المرونة الاقتصادية، مع دعم وإشراك استثمارات القطاع الخاص الكفء (بشراكة مع مستثمرين أجانب) لضمان المعايير العالمية وتبني أحدث التقنيات والابتكارات، تحت إشراف «قطر للطاقة» ومن خلال امتلاك جزء من حصص هذه المشاريع.

في الوقت الحالي، أصبحت فرص إقامة مشاريع تحويلية صناعية جديدة أكثر صعوبة بسبب المنافسة الشرسة من الدول الآسيوية التي تنتج بأسعار منخفضة، مما دفع دولًا مثل الولايات المتحدة إلى رفع التعريفات الجمركية لحماية صناعتها.

 في هذا السياق، يجب النظر إلى الصناعات التحويلية ليس كغاية بحد ذاتها، بل كجزء أساسي من منظومة صناعية متكاملة تبدأ من المواد الخام وتصل إلى المنتجات النهائية والخدمات المساندة. هذا التنوع يخلق فرص عمل متنوعة، ويبني مستقبلًا اقتصاديًا مستقرًا أقل تأثرًا بتقلبات أسعار الطاقة، ويعزز القدرة التنافسية العالمية. كما يعظم القيمة المضافة بتحويل المواد الخام إلى منتجات نهائية، مما يرفع الناتج المحلي غير النفطي ويقلل من التعقيدات الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة، ويعزز الأمن القومي عبر الاكتفاء الذاتي والمشاركة الفاعلة في سلاسل الإمداد العالمية.

مع اقتراب عام 2030، فإننا بحاجة إلى تطوير خطط عمل أكثر طموحًا وواقعية، بهدف الاستغلال الأمثل للغاز في بناء قاعدة تحويلية صناعية أوسع والتركيز على مراجعة دور القطاع الخاص الكفء. فمع توفر كل الإمكانات، يمكن لقطر مواصلة رحلتها الاقتصادية المذهلة، وتحويل ثرواتها إلى اقتصاد معرفي وإنتاجي متنوع ومستدام، يحفظ لها ريادتها ويضمن ازدهارها واستقرارها على المدى الطويل، ويضمن حياة مزدهرة للأجيال القادمة.

أخيرًا، «اعلم أن الزمان لا يثبت على حال، وأن الدهر لا يستقر على وضع، وأن الفرصة إن فاتت لم تعد».

«ابن الجوزي»

مساحة إعلانية