رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أحاطت الشريعة الإسلامية موضوع الديون وسدادها في الاقتصاد الإسلامي بعدد من الضوابط والركائز الأخلاقية والتنظيمية لضمان أن يؤدي وظيفته الاجتماعية دون اختلال ودون ضرر بسائر جوانب الحياة الاقتصادية والمالية، فمن ذلك منع الربا في المدينات، مما يغلق بابا من أبواب الفساد في المعاملات المالية والاقتصادية، ومن ذلك التأكيد على لزوم الوفاء بالعقود والديون، خاصة تحريم المماطلة وعواقبها الكبيرة في أدائها لمن يجد وفاء لسدادها، لذلك فمشكلة التأخير في سداد الديون ومتاجراتها من الأفراد خاصة القادرين والمؤسسات المالية المليئة قائمة في كل المؤسسات المالية سواء (الإسلامية والتقليدية)، لكنها في المؤسسات المالية الإسلامية أكثر خطرا وأشد عاقبة على أنشطتها واستثماراتها ونتائجها المالية والمحاسبية، فصارت هما ثقيلا يؤرق الإدارات التنفيذية لهذه المؤسسات وأصبحت ظاهرة تهدد بخطورتها وتداعياتها المؤسسات المالية الإسلامية ذاتها، كتجربة رائدة لمواكبة متطلبات الواقع ومعالجة مشكلاته من العديد من المخاطر الائتمانية. ويضاعف من أهمية هذه المشكلة وضرورة مبادرتها بالعلاج تجنبا لتداعياتها أن بدأت تحقق نجاحات متتالية بجدارتها والتقدير لأدائها وبرغم هذه النجاحات تظل مشكلة مماطلة سداد الديون والمتأخرات بغـير عـذر شرعي مقبول أهم التحديات المطلوب علاجها وفقا لتطبيقات ومبادئ الشريعة الإسلامية.
ولذلك يشمل هذا التقرير مجموعة من العناصر التوضيحية التالية:
أولا: مشكلة المماطلة في تسديد ديون المتأخرات:
إن النشاط الرئيسي للمؤسسات المالية (مصرف - مؤسسة تمويل - شركة استثمار) هو التسهيلات الائتمانية المقدمة للعملاء وشأنها شأن كافة المؤسسات في تحقيق الأرباح ولكن الأرباح لا تتحقق إلا إذا الْتزم العميل بتسديد ديونه في موعدها المحدد وبدون مماطلة، ذلك لأن الائتمان مرتبط بالزمن، فإذا ماطل العميل بالسداد لا يتحقق ذلك الربح المتوقع حتى لو سدد الدين كاملا بعد فترة المماطلة، فالديون تكون دائما موثقة بضمانات عينية وشخصية ورهونات أخرى، فما على المؤسسة المالية إذا ماطل العميل في السداد إلا التنفيذ عليها وسداد ديونها، لكن في الواقع العملي قوة الضمانات ليست هي الأساس في التمويل والتسهيلات الائتمانية الممنوحة، بل الأساس هو الثقة في العملاء، إضافة إلى ذلك أن جميع هذه الضمانات لا يمكن التنفيذ عليها إلا بحكم السلطات القضائية ويستغرق وقتا طويلا وتكاليف عالية، لذلك يكون الربح قد فات على المؤسسة المالية، والتجارب العملية تشير إلى أن كثيرا من العملاء (الأفراد - المؤسسات) تميل أحيانا للمماطلة بتسديد الديون لاعتقادهم بتأمين العاقبة.
ثانيا: مفهوم المخاطر الائتمانية المتعلقة بالمماطلة في سداد الديون:
تعد المخاطر الائتمانية أهم المخاطر التي تتعرض لها المؤسسة المالية في علاقتها مع العملاء المتمولين (فرد - مؤسسة - حكومة) وتتعلق المخاطرة الائتمانية باحتمالات عدم قدرة المدين على التسديد في الوقت المحدد للسداد وبالشروط المتفق عليها في عقود التسهيلات، هذا يعني أن تأخر المدين عن سداد الدين يعني بالضرورة أن الأخير قد حقق الخسارة، حتى لو سدد المدين المبلغ المستحق كاملاً إلى المؤسسة المالية الممولة، سواء كانت مصرفا ومؤسسة وذلك بعد مرور فترة زمنية على تاريخ حلول الدين، لأن فرصة الاسترباح من استثمار المال أضاعها المدين بمماطلته وتضييع فرص حقيقية كانت موجودة تتمثل في خاصية السيولة والتدفق النقدي والربح الفاقد، فضلا عن تعطيل المدخرات عن العمل والإنتاج وخاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسة مصرفية قوية وناجحة بأمور توظيف الأموال.
ثالثا: أسباب المخاطر الائتمانية للمماطلة بسداد الديون:
تشمل ميزانيات المؤسسات المالية (الإسلامية - التقليدية) في جانب الأصول، بصفة أساسية، على أرصدة الديون مستحقة السداد حسب أعمارها في صورة ذمم ومداينات ومع ذلك فالديون المصرفية لدى المؤسسات الإسلامية مختلفة عن التقليدية.
ولهذا أثره على معدلات المخاطر الائتمانية المرتبطة بسداد الديون للأسباب التالية:
طبيعة المعاملات المالية الإسلامية، مثل المرابحة والاستصناع، والتي تمثل تقريبا (75%) وأكثر من معاملات المؤسسات المالية والتي تتحول هذه الأصول إلى أموال في الذمة غير محصلة راكدة.
ومنع المؤسسات المالية الإسلامية من الاستفادة من الأدوات الاستثمارية للمؤسسات التجارية لزيادة أرباحها وإيراداتها، مثل السندات وعمليات الإقراض والاقتراض بفائدة مركبة على ديون المماطلين في السداد
وعدم إمكانية زيادة الدين بعد ثبوته في الذمة، فإذا ماطل العملاء المدينون لم يكن للمصرف أن يزيد عليه في مبلغ الدين الأصلي وإنما بفرض الغرامات التأخيرية لغرض ردع المماطلين، ثم تتبرع بحصيلة تلك الغرامات لجهات البر والخير، بخلاف التجارية التي تعمد على ما يسمى بإعادة جدولة الديون في الحالات التي يعجز العميل عن السداد في الوقت المقرر وتعدد تأثيرات صيغ العقود على معدلات المخاطرة، فالمؤسسة المالية الإسلامية تعمـل في البيوع والمشاركات، وهذا سيعني أن مخاطر الائتمانية في تحقيق سداد المتأخرات والديون أعلى في مستويات المخاطر الائتمانية، فعلاقة المؤسسة التجارية في الديون من خلال العلاقة بينها وعملائها كعلاقة (دائن - مدين) (مقرض - مقترض).
ويقيد العمل المالي الإسلامي بعدم جواز هيكلة الديون بزيادة القيمة والمتاجرة في الديون المتمثلة في بيع الديون إلى الغير قبل أجلها بأقل من قيمتها الاسمية، وهذا يعني أن المؤسسات المالية الإسلامية لا تستطيع خصم الكمبيالات أو تصكيك الديون وتداولها بين أطراف أخرى.
رابعا: الآثار السلبية المترتبة على المماطلة في سداد الديون:
حققت صيغ التمويل الإسلامية نجاحاتها المستمرة وقدرتها بالنهوض بمجالات الوساطة المالية وأن تكون بديلاً ذا كفاءة عن الإقراض الربوي من حيث حاجة المجتمع للتمويل وانسجام تلك الصيغ مع القوانين المنظمة للأعمال المصرفية الإسلامية إلا أن جانب إدارة المخاطر الائتمانية المترتبة على الديون والمتأخرات هو أكبر التحديات، فالمؤسسة المالية الممولة مؤتمنة على أموال المدخرين والمستثمرين في أن تستخدمها بالحرص الدائم عليها، فالمودعون مع قبولهم مبدأ المشاركة في أرباح المؤسسة وخسائرها لا يرغـبون بالمجازفة بأموالهم في عمليات غير محسوبة العواقب من الناحية المالية والفنية لجوانب العمل المصرفي الإسلامي، ولذلك أدت لمجموعة من التوجهات في مسار عمل المؤسسات المالية، ومنها: -
اتجاه المؤسسات الإسلامية إلى المبالغة في طلب الرهون والضمانات، مما يحصر فرص الاستفادة من التمويل في فئة العملاء القادرين على تقديم الضمانات.
وتوجه المؤسسات لافتراض أن كل عميل مظنة المماطلة وترتب على هذا اتجاهها إلى رفع هوامش الربح حتى تعوض المماطلة في تأخير السداد.
وصعوبة حصول المؤسسات المالية على جذب العملاء الممتازين الذين لا يماطلون، وذلك لعجزها عن التفريق بين الأمين الملتزم والمماطل.
والمنافسة غير المتكافئة بين المؤسسات الإسلامية والتجارية في استثمار الأموال غير المحصلة والاستفادة من عوائدها لفترة التأخير، في حين المؤسسات التجارية تتقاضى فوائد مركبة عنها.
خامسا: خصوصية المماطلة في سداد الديون في صيغ التمويل الإسلامي:
تواجه المؤسسات المالية الإسلامية هذا النوع من المخاطر الائتمانية بالأخص في صيغ التمويل الإسلامي التي تعتمد على عقود المداينات، فمعلوم أن المرابحة والاستصناع والإجارة وبيع التقسيط هي بيوع آجلة تتولد عنها ديون في دفاتر المؤسسة المالية والمخاطرة الأساسية فيها هي المخاطر الائتمانية والسلم يتولد عنه دين سلعي لا نقدي ولكنه يتضمن أيضا مخاطر ائتمانية والمضاربة والمشاركة عقد شركة لا تكون الأموال التي يدفعها المؤسسة المالية إلى العميل ديوناً في ذمته ولكنها تتضمن مخاطر ائتمانية من طريقين، هما: -
الطريقة الأولى: في حال التعدي أو التقصير، حيث يضمن رب العمل رأس المال فينقلب إلى دين في ذمته، وعلى المؤسسات المالية أن تتأكد من أن المعدل المتوقع للعائد على العمليات يتناسب مع مخاطرها وتجنب مخاطر الائتمان المفرطة.
الطريقة الثانية: عند إنهاء المضاربة والمشاركة والتنضيض والقسمة: يصبح نصيب المؤسسة المالية مضموناً على رب العمل، مثل الدين، فكل ذلك يتضمن المخاطر الائتمانية، فيتحول رأس المال إلى دين.
سادسا: المقترحات المعاصرة في معالجة مشكلة المماطلة في سداد الديون:
لقد حثت الشريعة على حُسْن الاقتضاء وأمرت برد الأمانات والديون إلى أصحابها ومنعت المماطلة في الديون، إلا أن يكون المدين معسراً عاجزاً عن الوفاء بالسداد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1473
| 26 يوليو 2026
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
1074
| 27 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى المحاكم، والقضاة، والسجون، ونصوص القوانين. غير أن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير؛ فليست كل جريمة يُعاقب عليها القانون، وليست كل براءة تصدرها المحكمة تعني براءة الضمير. فهناك جرائم لا تعرفها مواد قانون العقوبات، لكنها تترك في النفوس من الألم ما لا تتركه كثير من الجرائم الجنائية، لأنها تستهدف الإنسان في كرامته، ومشاعره، وثقته، وأمله بالحياة. إن القانون، مهما بلغ من الدقة، يبقى أداة لتنظيم المجتمع، لا لصناعة الفضيلة. فهو يعاقب من يسرق المال، لكنه قد يعجز عن محاسبة من يسرق فرحة إنسان، أو يهدم مستقبله بكلمة، أو يكسر قلبًا كان مفعمًا بالأمل. وقد يخرج شخص من المحكمة بريئًا، بينما يبقى مدانًا في محكمة الضمير، لأن العدالة القانونية شيء، والعدالة الأخلاقية شيء آخر. ولعل أولى هذه الجرائم هي كسر الخواطر، فكم من كلمة قاسية أطفأت نورًا في قلب إنسان، وكم من سخرية حطمت موهبة، وكم من احتقار قتل الثقة بالنفس. إن الجروح التي تصيب الجسد قد تلتئم، أما الجروح التي تصيب الروح فقد تبقى عمرًا كاملًا. لذلك جاء الإسلام ليجعل الكلمة الطيبة عبادة، والابتسامة صدقة، لأن بناء الإنسان يبدأ من احترام إنسانيته. ومن هذه الجرائم أيضًا جحود المعروف، فما أقسى أن يقف إنسان إلى جانبك في ساعة عسر، ثم تنكره عندما تتبدل الأحوال. إن نكران الجميل لا يعاقب عليه القانون، لكنه يهدم قيمة الوفاء، ويجعل الإحسان مغامرة لا يجرؤ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وهناك جريمة أخرى لا تقل خطرًا، هي الظلم المعنوي؛ حين يُحرم إنسان من حقه في التقدير، أو تُسرق أفكاره، أو يُنسب جهده إلى غيره، أو يُقصى لأنه قال كلمة حق. وقد لا يجد القاضي نصًا يدين به هذا السلوك، لكنه يبقى عدوانًا على الكرامة الإنسانية، وهي أعظم ما يملكه الإنسان. ثم تأتي جريمة اللامبالاة، وهي من أخطر أمراض المجتمعات. أن ترى محتاجًا فلا تمد يدك إليه، أو تسمع أنين مظلوم فتدير وجهك عنه، أو تشاهد باطلًا يقع أمامك ثم تقنع نفسك بأن الأمر لا يعنيك. فالحياد أمام الظلم ليس دائمًا فضيلة، بل قد يكون مشاركة صامتة في استمراره. ومن أبشع الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون أن يكون الإنسان قادرًا على رفع الظلم عن مظلوم، أو إنقاذ بريء، أو قول شهادة تعيد حقًا إلى صاحبه، ثم يختار الصمت خوفًا أو مصلحة أو مجاملة. فالظلم لا يعيش بقوة الظالم وحده، وإنما يعيش أيضًا بصمت القادرين على منعه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، فجعل الإثم في القلب قبل اللسان، لأن كتمان الحق خيانة للعدل قبل أن يكون مخالفة للأمانة. ولا تقل عن ذلك خطرًا جريمة يبررها بعض الناس باسم الوفاء للصداقة. فقد يعلم الإنسان أن صديقًا له اعتاد الكذب، أو الظلم، أو أكل حقوق الناس، ومع ذلك يستمر في الدفاع عنه، أو تلميع صورته، أو التغاضي عن أفعاله بحجة أنه صديق قديم. لكن الصداقة ليست رخصة لمساندة الباطل، ولا سنوات المعرفة تمنح أحدًا حصانة أخلاقية. إن الوفاء الحقيقي لا يكون للأشخاص إذا تعارضوا مع الحق، وإنما يكون للمبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان وعدالة المجتمع. ومن يجامل الظالم وهو يعلم ظلمه، فإنه لا يظلم الآخرين فحسب، بل يظلم الصداقة نفسها، لأنها تتحول من رابطة فضيلة إلى ستار يحجب الحقيقة. ثم تأتي جريمة الكلمة؛ فكم من أسرة تفككت بسبب إشاعة، وكم من سمعة اغتيلت بكذبة، وكم من إنسان عاش سنوات يدفع ثمن اتهام لم يرتكبه. إن الرصاصة قد تقتل إنسانًا واحدًا، أما الكلمة الكاذبة فقد تقتل حياة كاملة، وتترك آثارها في أسرته ومجتمعه. لقد أدرك الفلاسفة أن القانون يحفظ النظام، لكنه لا يصنع الأخلاق، وأن المجتمع لا يستقيم بالقوانين وحدها، بل بالضمائر الحية. فكلما ارتفع منسوب الأخلاق، قلت الحاجة إلى العقوبات، وكلما مات الضمير، ازدادت القوانين وعجزت عن تحقيق العدالة الحقيقية. إننا بحاجة إلى محكمة لا تُبنى بالحجارة، ولا يجلس فيها قاضٍ، بل يسكنها الضمير الإنساني. في تلك المحكمة تُحاكم قسوة القلوب، وكسر الخواطر، ونكران الجميل، وخيانة الأمانة، والصمت عن الظلم، ومجاملة الظالمين، والكلمة الجارحة، وكل ما يهدم الإنسان دون أن تلتفت إليه مواد القانون. وفي النهاية، قد ينجو الإنسان من حكم الأرض، لكنه لن ينجو من حكم السماء، ولن يفلت من محكمة الضمير التي لا تسقط أحكامها بالتقادم. فالجرائم التي لا يعاقب عليها القانون هي، في حقيقتها، أخطر الجرائم؛ لأنها لا تسرق مالًا أو تنتهك جسدًا فحسب، بل تقتل القيم، وتُميت الرحمة، وتكسر الإنسان من داخله. وإذا مات الضمير، فلن يبقى للقانون إلا أن يُحصي الضحايا، بعد أن يكون قد فات أوان إنقاذهم. باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
762
| 23 يوليو 2026