رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أضحت المعارضة رقما مهما في معادلة الأزمة السورية رغم محاولات الحكم استبعادها وتهميشها وإلصاق الاتهامات بها ووصفها بالجماعات الإرهابية المسلحة غير أنها باتت في المقابل تعاني أمراض الانقسام والتشظي ولتبعية كل فصيل لجهة خارجية وعجزها عن الدخول في دائرة التوافق وبلورة القواسم المشتركة وهو ما تجلى في عدم قدرتها على الالتئام في الملتقى التي استعدت الجامعة العربية لعقده تحت رعاية أمينها العام الدكتور نبيل العربي يومي 16 و17 مايو الماضي.
وفي هذا السياق تسعى أطراف عديدة سواء من داخل المعارضة أو من الدول التي ترعاها إلى حشد جهودها وتجميع رؤاها حتى تكون قادرة على التعامل مع مفردات المرحلة القادمة التي من المتوقع أن تشهد حسما للأزمة باتجاه قد يقترب من النموذج اليمني والذي باتت روسيا -الحليف الأساسي لدمشق - تقترب من الانحياز له كآلية لإنهاء الأزمة التي أخذت تتفاقم حدتها في الأسابيع الأخيرة إثر سلسلة من المذابح والمجازر التي ارتكبت ضد المدنيين والمتهم الرئيسي فيها القوات الموالية للنظام بينما تلقى حكومة دمشق المسؤولية على عاتق ما تصفه بالجماعات المسلحة.
وأظن أن قوى المعارضة أضحت على دراية كاملة بمخاطر استمرار حالة الانقسام التي يغذيها النظام عبر رموز تزعم أنها تنتمي إلى المعارضة بينما تعمل في الحقيقة لحسابه وهو ما تجسد في إعادة هيكلة المجلس الوطني الذي يمثل الإطار العام الأوسع لقواها وفصائلها قبل أكثر من أسبوعين عبر اختيار قيادة جديدة له ممثلة في "عبد الباسط سيدا "الناشط ذي الأصول الكردية والذي أبدى قدرا كبيرا من الانفتاح على مختلف الفصائل وحماسا أقوى للتعامل مع معطيات ما يسميه بمرحلة ما بعد سقوط نظام بشار.
وتلت هذه الخطوة المهمة احتشاد فصائل وقوى المعارضة من أطياف متباينة في لقاء تشاوري بمدينة إسطنبول التركية مؤخرا بدعوة من حكومة رجب طيب أردوغان وإِشراف مباشر من وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو والذي تم خلاله الاتفاق على تشكيل لجنة تحضيرية للإعداد لمؤتمر المعارضة السورية الذي ستحتضنه الجامعة العربية مطلع يوليو والتي بدأت بالفعل أعمالها يوم الخميس الماضي، على أن تتولى اللجنة التحضيرية إعداد قائمة المشاركين وجدول الأعمال ومشاريع الوثائق المختلفة التي ستعرض على المؤتمر.
واللافت أن لقاء اسطنبول وضع عددا من الأهداف المحورية أمامه تتمثل في:
*الوفاء بالتزامات جميع أطراف المعارضة السورية تجاه الشعب السوري والمجتمع الدولي والعمل على تقريب وجهات نظرها وتوحيد مواقفها إزاء تحديات المرحلة الراهنة.
*وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته فيما يتعلق بالمجازر المستمرة في المدن والأحياء السورية.
*دعم المعارضة لأي مبادرة دولية تهدف إلى وقف القتل وحقن دماء الشعب السوري، وتضمن رحيل بشار الأسد ونظامه، وبدء التفاوض على عملية سياسية تفضي إلى الانتقال السلمي للسلطة.
ولاشك أن الخطوة الأهم على صعيد توحيد مواقف المعارضة تتمثل في انعقاد مؤتمرها الموسع بالقاهرة تحت رعاية الجامعة العربية يومي الثاني والثالث من الشهر المقبل وهو التطور الذي حرص الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة على إبلاغ الصحفيين بنفسه عندما كلف مكتبه الصحفي بدعوة الصحفيين والإعلاميين المعتمدين بالجامعة لحضور لقاء معه وكان ذلك يوم الخميس الماضي وكان وجهه وهو يزف النبأ للصحفيين محملا بالبشر والحبور فعقد مثل هذا المؤتمر تنفيذا لقرار المجلس الوزاري للجامعة يمثل نجاحا لجهوده التي يبذلها بقدر كبير من الإخلاص والحماس منذ توليه منصبه قبل نحو عام.
وهو – أي العربي – يدرك كما قال لي في لقاء خاص أن المعارضة السورية تواجه عددا من المعضلات الداخلية وقد طالب قياداتها بضرورة التوافق على الحد الأدنى من القواسم المشتركة بما يقود إلى بلورة واجهة للمعارضة يكون بمقدورها تبني مطالبها ويهيئها لتقديم التطمينات المطلوبة للشعب السوري بجميع فئاته وشرائحه خاصة الأقليات بأنه سيتم بناء دولة عصرية لن تستثني أحدا وستقوم على مبدأ المواطنة في سياق من الديمقراطية والتعددية السياسية الحقيقية.
ويبدو من خلال متابعة دفتر أحوال المعارضة السورية أن هناك تناقضات بين فصائلها وتنظيماتها ويمكن في هذا الصدد رصد جملة من الملاحظات:
* هناك شريحة من المعارضة تنحاز لفكرة الحوار مع النظام وهي التي قبلت بالولوج في العملية السياسية التي بدأها الحكم وكانت آخر تجلياتها دخول كتلة الجبهة الشعبية للتغيير والتحرير في انتخابات مجلس الشعب وفوز ممثليها بعدد من المقاعد وهؤلاء لديهم قناعة بإمكانية إقناع النظام بإجراء تحولات نوعية في هياكله السياسة والأمنية وإفساح المجال أمام مكونات الشعب السوري – غير حزب البعث للمشاركة في الحكم غير أن هؤلاء يمثلون نسبة محدودة من المعارضة وقد انسحب ممثلوهم من جلسات مجلس الشعب مرتين احتجاجا على بعض الخطوات الإجرائية وليس بسبب خلافات في التوجهات السياسية وفي تقديري فإن هذا النمط من المعارضة يمكن اعتباره معارضة مستأنسة.
* هناك معارضة تعبر عن الثورة تمارس أدوارها من الداخل السوري وتتناقض مع النظام في ممارساته السياسية والأمنية ولكنها ترفض التدخل الأجنبي العسكري وتدعو إلى الحوار وهي تحظى بدعم من روسيا والتي وجهت الدعوة لرموزها خلال شهر أبريل الماضي لزيارة موسكو وأبرز من يمثل هذه المعارضة هيئة التنسيق وهي تتهم من قبل تيارات أخرى بأنها تصب في منحى يكرس هيمنة النظام بل وتعمل على إطالة أمد حكمه حتى لو تبنت خطابا يبدو ثوريا.
*هناك المجلس الوطني الذي يعد بوتقة تجمع مختلف الفصائل التي تتبنى موقفا راديكاليا من النظام وترفض الحوار معه وتحمله مسؤولية ما جرى وما يجري وهو يرى أن الحل لن يكون إلا عبر خيارات تتم عبر توظيف البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة وهو لا يرى ضيرا من تدخل عسكري دولي تحت عباءة الشرعية الدولية أو تحالف دولي من خارج مجلس الأمن في حال استخدام روسيا والصين لحق الفيتو إجهاضا لأي قرار من قبل المجلس بالتدخل العسكري وهو الأمر الذي لا يحظى بقبول دولي واسع لأسباب تعود إلى أنه لا توجد الإرادة أو الاستعداد لدى الدول القادرة على القيام بأعباء التدخل العسكري للقيام بمثل هذه الخطوة التي تراها فصائل المجلس الوطني ضرورية لوأد الأزمة وإنهاء انتهاكات النظام ضد الشعب السوري.
وفي موازاة ذلك تسعى المعارضة لتكريس حضورها السياسي بالداخل وقد لجأت مؤخرا إلى تشكيل برلمان مؤقت في الوقت نفسه الذي جرت فيه انتخابات مجلس الشعب خلال الشهر الماضي وذلك تلبية للإرادة الشعبية ولملء الفراغ الدستوري الحاصل بعد أن أسقطت الثورة السورية شرعية النظام - وفق تعبير بيان رسمي بهذا الصدد. فقد أعلن الثوار داخل سوريا في السادس من مايو الماضي عن تشكيل ما أطلق عليه البرلمان السوري المؤقت، بهدف إنشاء مظلة سياسية دستورية تُمسك زمام الثورة وتُدير الأزمة التي أوجدها النظام سياسياً وعسكرياً، وإنشاء جيش تحرير وطني "مؤسسة عسكرية" يقوم بتحرير سوريا من هذا الاحتلال، بالإضافة إلى بناء مؤسسات الدولة المدنية بشكل عملي داخل سوريا وليس مجرد تصورات ووعود.
وحسب البيان فإن البرلمان كفكرة نواة لدولة المستقبل، وما يكرسه من الشكل القادم لطمأنة الأقليات والإقليم والعالم يؤكد أن سورية المستقبل ستكون دولة تشاركية لكل أبناء الوطن، كذلك فإن البرلمان ككيان سياسي لا يستطيع العيش بمفرده بمعزل عن التكتلات الموجودة على الساحة الداخلية والخارجية، لذلك فالبرلمان ينتعش دوره وتعزز إمكاناته بهذا التنوع ويعمل بآلية تشاركية تكون شبيهة بالصمغ الذي يجمع الأجزاء تحت سقف الدستور كما سيعمل البرلمان على إسقاط شرعية النظام والحث على زيادة الضغط الدولي بما يؤدي إلى الانهيار "الدراماتيكي" المتمثل بانشقاقات في الجيش خاصة بعد أن بدأ تشكيل جيش التحرير الوطني. كما ستشهد البلاد هروباً لكثير من الشخصيات التي يعتمد عليها هذا الاحتلال في سياسته الداخلية، وسيبدأ انتقال الأشخاص من ضفة الاحتلال إلى ضفة الثورة، وستخرج الأغلبية الصامتة عن صمتها لوجود جهة قوية تحفظ كيان الدولة وحقوق الجميع فتنحاز لها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8724
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2826
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2301
| 30 أكتوبر 2026