رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
«من أبوظبي 1981 إلى تحديات 2026… الخليج الذي رفض الانقسام، وأثبت أن المصير الواحد أقوى من الأزمات».
في الخامس والعشرين من مايو 1981م، شهدت أبوظبي ولادة واحدة من أنجح التجارب العربية الحديثة بإعلان قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ليبدأ مشروع خليجي قائم على التعاون والتكامل وحماية المصير المشترك لشعوب المنطقة.
جاء تأسيس المجلس في ظل ظروف إقليمية شديدة التعقيد، مع تداعيات الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية وتصاعد التوترات الدولية، ما دفع قادة الخليج إلى إدراك أن الأمن والاستقرار والتنمية لا يمكن أن تتحقق بصورة منفردة، بل عبر منظومة خليجية متماسكة تنسق المواقف وتحمي المصالح المشتركة.
وبعد نحو 45 عامًا، أثبت المجلس أنه مشروع إستراتيجي نجح في ترسيخ الأمن والاستقرار وتحقيق إنجازات اقتصادية وتنموية ملموسة. فمنطقة التجارة الحرة، والاتحاد الجمركي، والسوق الخليجية المشتركة، والربط الكهربائي، ومشروع سكة الحديد الخليجية، جميعها مثلت خطوات عملية نحو بناء فضاء خليجي أكثر تكاملًا.
ولعل أبرز ما يميز التجربة الخليجية أنها تحولت من فكرة سياسية إلى واقع يومي يعيشه المواطن الخليجي؛ إذ أتاحت السوق الخليجية المشتركة حرية التنقل والعمل والتملك والاستثمار والتعليم والعلاج بين دول المجلس، حتى أصبح المواطن يشعر بأنه يتحرك داخل فضاء واحد. وتشير البيانات الخليجية إلى أن حجم التجارة البينية تجاوز 146 مليار دولار، فيما تنقل أكثر من 41 مليون مواطن خليجي بين دول المجلس خلال عام 2024م.
كما برز مشروع الربط الكهربائي الخليجي نموذجًا ناجحًا للتكامل الإستراتيجي، بعدما أسهم في دعم أمن الطاقة الخليجي وتحقيق وفر اقتصادي تجاوز خمسة مليارات دولار حتى نهاية 2025م، في حين يُنتظر أن يعزز مشروع سكة حديد الخليج حركة التجارة والاستثمار والتنقل بين دول المجلس.
وعلى الصعيد الأمني، شكَّل تأسيس قوة «درع الجزيرة» واتفاقية الدفاع المشترك خطوة مهمة في بناء منظومة أمن جماعي، أثبتت أهميتها في مواجهة الأزمات المتعاقبة، من الحرب العراقية الإيرانية إلى غزو الكويت، وصولًا إلى التهديدات الإرهابية والاعتداءات الإيرانية الأخيرة على دول الخليج وتهديد أمن الملاحة والطاقة. كما كشفت التطورات الحديثة أن التحديات لم تعد عسكرية فقط، بل باتت تشمل الأمن السيبراني والحروب الإعلامية وسلاسل الإمداد والتحولات الاقتصادية والتقنية المتسارعة.
ورغم ما مرّ به المجلس من خلافات، فإن التجربة الخليجية أثبتت قدرة كبيرة على الاحتواء والتجاوز، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن تكلفة الانقسام أكبر بكثير من تكلفة الخلاف. وهنا يبرز السؤال الأهم: هل ما زالت مرحلة “التعاون” كافية لمواجهة تحديات المستقبل، أم أن الوقت قد حان للانتقال إلى صيغة اتحاد خليجي تعاوني أو كونفيدرالي يحفظ سيادة الدول ويمنحها في الوقت ذاته قوة جماعية أكبر؟
فالعالم اليوم يتجه نحو التكتلات الكبرى، ودول الخليج بما يجمعها من المشتركات التاريخية والاجتماعية والدينية والثقافية يجعل فكرة الاتحاد أكثر واقعية، خاصة مع نشوء أجيال خليجية جديدة تؤمن بمفهوم “الخليج الواحد”.
إن مجلس التعاون أصبح ضرورة إستراتيجية ومظلة استقرار لشعوب الخليج. ومع تسارع التحولات العالمية، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحًا للانتقال من مرحلة التعاون التقليدي إلى مرحلة الاتحاد الخليجي الأكثر قوة وفاعلية، حفاظًا على أمن المنطقة واستقرارها ومستقبل أجيالها القادمة.
فحين تتكاثر التحديات حول الأوطان، تصبح الوحدة الخليجية ضرورة مصيرية…
فهل يتحقق الحلم ليكون خليجنا واحداً حقيقة لا حلما..
القادة المؤسسون لمجلس التعاون في القمة الأولى عام 1981م: الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود،
والشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، والسلطان قابوس بن سعيد، والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان،
والشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، والشيخ جابر الأحمد الصباح، رحمهم الله وأسكنهم فسيح جنانه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- كاتب من مملكة البحرين
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
3051
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2589
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2352
| 15 أكتوبر 2026