رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أتابع- بنشوة ما بعدها نشوة- ما يبدعه أصدقائي الشعراء العرب، سواء وأنا معهم وفي صحبتهم، أو حين أكون بعيدا- مكانيا- عنهم، وفي صدارة هؤلاء الشعراء الأصدقاء محمد بن خليفة العطية الذي عرفته منذ كان طالبا، يتلقى العلم في قسم اللغة العربية والصحافة بكلية الإنسانيات- جامعة قطر، وكانت قصائده المبكرة تتوالى، قصيدة تلو أخرى، أما إحساسي بخصب شاعريته فكان يتجدد ويتأكد مع كل قصيدة جديدة، ينشرها أو يكتفي بإنشادها أمام أصدقائه المحبين، إلى أن قام بإصدار ديوانه الأول مرآة الروح بعد تخرجه من الجامعة بسنتين، أي سنة 1989 وكان ممن فرحوا بصدور هذا الديوان أستاذه المباشر الناقد الكبير الدكتور ماهر حسن فهمي، حيث بادر- وقتها- بكتابة أول مقال يُنشر عن الديوان، وكان مقالا نقديا مستفيضا وحافلا بالثناء على تلميذه الشاعر الشاب، الذي تجلت براعته الشعرية فيما أبدع من قصائد، تتغنى بالوطن- قطر، وبالعروبة والإسلام وقضايا الإنسان العربي، دون أن يتغافل عن تصوير أشواقه للحب وفرحته بالطبيعة والحياة.
ذاكرة بلا أبواب.. كان هذا عنوان الديوان الثاني للشاعر محمد بن خليفة العطية، وقد صدر في بيروت سنة 2002 ويحتضن هذا الديوان قصائد من الشعر الحر، إلى جانب القصائد ذات النهج المتوارث أو العمودي، ويستطيع الدارس لقصائد ذاكرة بلا أبواب وقصائد مرآة الروح أن يلاحظ أن هناك ما يجمعها ويؤلف بينها، ففيها براعة في التصوير الفني، وفيها موسيقى جميلة، ويرجع هذا- في تقديري- إلى عشق الشاعر للفنون التشكيلية وللموسيقى، ولعلي لا أذيع سرا إذا قلت إن عشقه للفنون التشكيلية لم يكن عشق المتأمل المتذوق فحسب، لأنه أبدع عدة لوحات بريشته خلال مرحلة دراسته الجامعية، وما زلت أحتفظ- معتزا- بإحدى تلك اللوحات، وهي لوحة بعنوان الصبر.
محمد بن خليفة العطية في قلبي وفي بالي دائما، لكني تذكرته فرحا ومتشوقا، حين فوجئت مفاجأة حلوة، وأنا أقرأ قصيدة جديدة من إبداعه من خلال أحد مواقع الإنترنت منذ أيام قلائل، ولست أدري إن كان قد نشرها في إحدى الجرائد القطرية أم لا، وقد تمثلت المفاجأة الحلوة في أن الشاعر المبدع كان يبدو لي مقلا وشحيحا في عطائه الشعري خلال السنوات الماضية، وحين كنت أسأله عن سر هجره للشعر، كان يبتسم قائلا إن الشعر هو الذي هجرني، فأنا عاشق لهذا الفن الأدبي العربي العريق، ولهذا تراني أتعذب حقا حين يرفرف طارق الشعر بعيدا عني!
طارق الشعر هو عنوان القصيدة الرائعة التي كان محمد بن خليفة العطية قد استهل بها ديوانه الثاني ذاكرة بلا أبواب، وقد احتفت بهذه القصيدة جرائد ومجلات أدبية عربية عديدة، وتسابقت لنشرها، كما كتب عنها كثيرون من النقاد، وهي تصور عذاب الشاعر حين يجافيه الإلهام، كما تصور مدى نشوته حين يتفضل الطارق الجميل- طارق الشعر بالقدوم دون استئذان، ويستهل الشاعر قصيدته الرائعة، قائلا:
مِن دجى النسيانِ، من حجب الضبابِ- جئت بابي- تكسر القفلَ الذي صدأَ- تخمش الجرحَ الذي برأَ- في متاهات اغترابي- وتنادي خلف بابي- كلّ أحلامي السجينة..
هاهو الصديق الذي أحببته وأعتز بصداقته رغم البعاد المكاني، يفاجئني مفاجأة حلوة- دون أن يدري- بما قرأته له حديثا، متمثلا في قصيدته عصر الخلل، وأرجو أن يسعد بهذه القصيدة الجديدة كل الذين لم يتذوقوها بعد من عشاق إبداع هذا الشاعر الأصيل والجميل، مثلما سعدتُ بها، ها هو الشاعر محمد بن خليفة العطية يتلقى أغلى هدية، متمثلةً في عودة الإلهام بعد طول غياب وانقطاع، وكل ما أتمناه أن يتلقى هدايا أخرى جديدة من طارق الشعر!
مادورو على السفينة.. القوة الأمريكية بين الشماتة والهيمنة
في التاريخ السياسي الحديث، نادرًا ما كانت الصورة مجرّد صورة، فهي في لحظات التحوّل الكبرى، تتحوّل إلى خطاب... اقرأ المزيد
162
| 07 يناير 2026
حنا السبب
في زمنٍ لم تعد فيه الشوارع أخطر ما يهدد أطفالنا، ولا الغريب المجهول هو العدو الأول، ظهر عدوٌّ... اقرأ المزيد
234
| 07 يناير 2026
غزة تحت المطر
هل شتاء غزة.. يختبر صبر أهل غزة؟! فصورة الخيام المهترئة التي لا تمنع مطرا ولا تقي بردا مؤلمة.... اقرأ المزيد
123
| 07 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1650
| 04 يناير 2026
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
831
| 31 ديسمبر 2025
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
762
| 07 يناير 2026