رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يُطلقون عليها وساطةً، لكن طالما هي ليست مدفوعةً الأجرـ فهي مساعٍ حميدة تلك التي تضطلع بها عن جدارة وما زالت دولة قطر، انطلاقاً من شعورها بالمسؤولية الأخلاقية ونزوعها المبدئي نحو السلام والعدل، ورغبتها في الإحسان ونصرة الضعفاء في العالم، ولا غرابة في ذلك فقد عرفت وهي كذلك بأنها (كعبة المضيوم)، تؤدي عملها بهدوء ولا تنتظر حمداً ولا شكوراً.
وفي هذا المجال نجحت الدوحة أيما نجاح، إذ تركت سجلاً لا يُبارى وحققت اختراقات عميقة في تفكيك مشاكل دولية مستعصية، وفي ظروف صعبة بين أطراف وصلت علاقاتها إلى طريق مسدود، ومع ذلك تكفلت بها دولة قطر وأحكمت ادارتها ونجحت وظفر طرفا النزاع في النهاية بالجائزة وتنفس العالم الصعداء.
ترافق ذلك مع ثناء وتقدير المجتمع الدولي للمساعي الحميدة التي تبذلها الدولة، وتقديره بالتميز الذي يحظى به فريق العمل من خصائص لم تتوفر لاي فريق عالمي آخر:
المهنية العالية، الحيادية، والنزاهة، المقبولية الدولية، والمبدئية والإنسانية، والفاعلية والشجاعة مع الحكمة والثقة والمصداقية، وتفاصيل وثوابت كثيرة في هذا المجال لم تعد خافية على أحد.
**
أصبحت قطر أيقونة، للوساطة الخالصة المجردة من أي منفعة أو مصلحة، وساعدها في ذلك الحضور الفعّال في المحافل الإقليمية والدولية خصوصا في ظل الأدوار الكبرى التي تلعبها بما يتعلق بصون السلم والأمن الدوليين وإرساء التنمية المستدامة وسياستها التي تهدف إلى تعزيز مجالات التعاون والشراكة في العالم.
على هذا الأساس تركت قطر بصمة تاريخية في ملف الخلافات المستحكمة بين الولايات المتحدة وإيران، بين الولايات المتحدة وطالبان، بين روسيا وأوكرانيا، بين الولايات المتحدة وفنزويلا …. والعشرات من ملفات خطف رهائن، كما توفقت في نوفمبر الماضي في إبرام هدنة مؤقتة بين حماس والكيان الصهيوني وتكللت جهودها في ايقاف النار المجنونة والعدوان الهمجي على غزة لمدة اسبوع ونجحت في اخلاء سبيل 100 محتجز اسرائيلي مقابل مسجونين فلسطينيين، والتمكين لتدفق المساعدات لغزة المحاصرة … كما نجحت في صفقة ادخال أدوية للأسرى الاسرائيليين مقابل مساعدات طبية لمشافي غزة... التي أصبح أغلبها بسبب العدوان أثراً بعد عين.
لكن المحاولة الجديدة بالتنسيق والتعاون مع جمهورية مصر تعثرت، لا لقصور جهود الوساطة، ولا لفشل الفريق المفاوض، ولا حتى لتعنت الفصائل المسلحة بل حصراً لتقلب (نتنياهو) وتلاعبه بالمواقف سعياً منه تأخير إبرام اي اتفاق محتمل من أجل إطالة أمد الحرب بأي ثمن، إذ كان يريدها صفقةً صفرية، لا مكاسب ملموسة للطرف المقابل صاحب الحق، وشروط قاسية في تبادل المسجونين بالرهائن، لا انسحاب من القطاع، وتوقف غير دائم لإطلاق النار، ولا سماح لعودة النازحين لشمال القطاع، ولا تراجع عن اجتياح رفح، مع تقنين دخول شاحنات الإغاثة... الخ
هذه بكلمة أخرى شروط إذعان، لا تستجيب حتى لمطالب اهالي الرهائن من الاسرائيليين الذين يطالبون حكوماتهم بالمرونة لأسباب إنسانية، فضلاً عن المطالب المشروعة لفصائل المقاومة بوقف العدوان، وقد بات مطلباً دوليا بعد أن صوتت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الامن، إضافة إلى قرار محكمة العدل الدولية.
**
رئيس الوزراء الإسرائيلي (نتنياهو)، كان يحلم بموقف قطري منحاز، ضاغط على حركة حماس وإجبارها على اتخاذ موقف ليس في صالحها ولا في صالح أهلنا المُعتدى عليهم في غزة، ببساطة كان يريد أن تخرج قطر عن سكة الحياد الأخلاقي، وتنصر الظالم وتفرط بحق المظلوم، ولمّا لم يتحقق ذلك ووجد في قطر مبدئية غير قابلة للمساومة، تحركت الماكينة الإعلامية الصهيونية بالطعن في قطر والتشكيك بدورها في المفاوضات، وجاء ذلك على لسان (نتنياهو) ووزرائه من عتاة المتطرفين اضافة لأعضاء سابقين في الموساد !!
غير أن الموقف الاغرب جاء من مشرعين في الكونغرس الأمريكي، والأبرز كان تصريح النائب الديمقراطي القيادي (ستيني هوير) الذي وجه تحذيرا لإدارة الرئيس بايدن بضرورة (اعادة تقييم العلاقة مع قطر !!)، على الرغم ان الادارة الأمريكية لم تتردد يوماً في التعبير عن الثناء والامتنان للدور القطري في جهود الوساطة، وجاء اخيراً تصريح وزارة الخارجية الأمريكية بقولها (لا يوجد بديل لدور دولة قطر في المفاوضات).
مواقف مسيسة غرضها معلوم، ومضمونها إما أن تنحاز قطر لمطالبنا أو تنسحب، ما وضع مصداقية قطر ومبدئيتها في اختبار دقيق، ولأن مواقف قطر ليست بضاعة لمن يدفع اكثر، فقد قررت على الفور تعليق ومراجعة جهودها، وصدر عن وزارة الخارجية التصريح بانها سوف «تعيد تقييمها لجهود الوساطة التي تقوم بها بين السلطات الإسرائيلية وحركة حماس، لإنهاء الحرب، مع تأكيدها رفض المزايدات التي يقوم بها ساسة في تل أبيب ضد قطر».
وفي هذا الصدد علق رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني: بأنه «من المؤسف أن يتم استخدام الوساطة لأهداف سياسية، الأمر الذي حدا ببلاده إلى تقييم الوساطة بشكل عام»، لافتا إلى أن»المفاوضات أخذت وقتاً أطول مما يجب، بسبب التعقيدات، موضحا أن الوسيط دوره محدود، ولا يمكنه أن يتجاوز الواقع «.
وأضاف رئيس الوزراء القطري أنه بالرغم من كافة الجهود المبذولة هناك مزايدات سياسية من «أصحاب الحسابات الضيقة وسجّل استياءه من إطلاق تصريحات هدامة ضد الدوحة».
**
السؤال … لماذا هذا الانزعاج من موقف قطر؟ هل بخلت قطر بجهد؟ أم أن الأطراف الأخرى لم يرق لها مبدئية ونزاهة وموضوعية قطر؟
هذه المواصفات بالتأكيد ليس ما تتمنى إسرائيل او المؤيدون لها في الكونغرس الأمريكي، على الرغم من أن المصلحة الأمريكية تقتضي مواصلة قطر دورها المسؤول في جهود الوساطة، لهذا يتوجب على الإدارة الأمريكية أن تتخذ القرار المطلوب في هذه المسألة وتراعي مصالحها التي ثبت انها ليس بالضرورة نسخة من مصالح إسرائيل حسب منظور (نتنياهو)، والذي بسبب تفاوت الرؤى شق عصا الطاعة عن الادارة الامريكية، بل وأهان رئيسها وأحرجه في مناسبات عدة خلال الأشهر الستة الماضية.
الحملة على قطر مسيسة، ذلك ان الوسيط لا يتحمل في العادة تبعات مواقف الأطراف المتصارعة، لانت أم تشددت!، بل إن دوره ينحصر في إقناع الطرفين من أجل الوصول إلى حل وسط يقبل به الطرفان، وفي هذا المجال قطر تبذل ما في وسعها، لكنها كوسيط تبقى غير مسؤولة عن حركة حماس ولا عن مواقفها رغم أن للحركة كل الحق، وهي حرة في الرد والتعامل مع العدوان بالطريقة التي تشاء، حالها حال أي طرف يتمتع بكامل الاستقلالية في تبني الموقف الذي يعتقد بصوابه وجدواه.
هل استجاب نتنياهو لتحفظات وملاحظات الرئيس الأمريكي في إدارة الحرب؟ أم أنه وفريق لجنة الحرب لم يتوقفوا عن التصريح في كل مناسبة بان إسرائيل وليس الولايات المتحدة هي التي تقرر وليس أي طرف آخر على الرغم من العلاقة العضوية المتينة التي تربطهما!
**
من حق دولة قطر أن تقرر على ما تراه مناسباً، لكن جهودها ستبقى مطلوبة، ولا بديل، خصوصاً والأوضاع في غزة لم تزل كارثية تستدعي حضورها الفاعل ومواصلة مساعيها الحميدة حتى النهاية.
من جانب آخر، الحملة الظالمة على قطر ماهي إلا تزكية لها ولمواقفها المبدئية والإنسانية، لهذا كان ينبغي على الدول العربية والإسلامية والصديقة والمنظمات الإنسانية حول العالم ان تعلن موقفها الصريح في الوقوف معها بحزم ودفع الشبهات عنها، وإقناعها بمواصلة مساعيها الحميدة حتى النهاية.
وبينما الأمين العام للأمم المتحدة يثني على دور دولة قطر، ويطالب بمواصلة مساعيها الحميدة، تلوذ الجامعة العربية بالصمت حالها حال مجلس التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الإسلامي... وكأن الأمر لا يعنيهم!!
قطر تنادي (غزة لست وحدك)... فمتى نسمع عبارة (قطر لست وحدك) ؟؟؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2049
| 09 يونيو 2026
في ديسمبر 2025، أصدرت إدارة ترامب وثيقة الأمن الوطني الجديدة، والتي حوّلت بوصلة الأولوية الاستراتيجية صوب نصف الكرة الغربي في إطار إحياء مبدأ مونرو. وُصفت الاستراتيجية بأنها أكبر تحوّل في السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأثارت جدالاً واسعاً بشأن مستقبل الهيمنة الأمريكية العالمية في سياق ذلك التحوّل. مبدأ مونرو في السابق كان مرادفاً للعزلة الدولية، ولم تنص الاستراتيجية على النكوص للعزلة صراحةً، لكنها كانت واضحة بشأن رفض فكرة الهيمنة الكونية الأمريكية ولعب دور شرطي العالم، كما أكدت بشكل قاطع على تقليص الاهتمام أو الانغماس الأمريكي في المحاور الست الاستراتيجية في العالم، بما في ذلك آسيا، لقاء التركيز التام على بسط الهيمنة الأمريكية التامة على نصف الكرة الغربي. والأدهى من ذلك أنها رفضت وصف الصين بقوة المراجعة المتحدية للهيمنة الأمريكية، إذ اكتفت بوصفها منافساً اقتصادياً قوياً فقط. ومعنى كل ذلك هو تخلٍّ أمريكي عن الهيمنة العالمية أو الهيمنة الليبرالية التدخلية، وبالتبعية تخلٍّ عن حرب الهيمنة الباردة على الهيمنة العالمية مع الصين، ولعل زيارة ترامب الأخيرة للصين، والتي تراجع فيها عن كثير من محاور الحرب التجارية ضد الصين، وأوحى بتصريحاته بتخلٍّ أمريكي صريح عن تايوان؛ تؤشّر على ذلك. المهيمن لن يتنازل أبداً: مونرو إعادة تموضع إقليمي ذكية للحفاظ على الهيمنة لم يعرف تاريخ العلاقات الدولية أن القوى المهيمنة عالمياً قد تنازلت عن وضعها المهيمن إلا في حالات استثنائية نادرة؛ إذ تظل تنازع للحفاظ على هيمنتها ضد القوى المتحدية حتى وهي في أضعف حالاتها، ويصل الأمر في أغلب الأحيان إلى حرب عالمية لحسم مصير الهيمنة، وهذا ما يعرف في العلاقات الدولية بـ"فخ ثوسيديدس". وذلك المنطلق أو الافتراض العام الأصيل في روح السياسة الدولية الذي لا يتغير قط يشكل مرجعاً أساسياً للشك في الاستراتيجية رغم إطارها العام الموحي بالعزلة والتنازل عن الهيمنة الدولية. والمرجع الثاني هو القراءة الصحيحة المتأنية للاستراتيجية؛ إذ رغم إعلانها عن تقليص النفوذ الأمريكي في العالم، فإنها تعلن الهيمنة الأمريكية التامة الساحقة في نصف الكرة الغربي، وتؤكد حصرية تلك الهيمنة عبر عدم السماح قط بأي قوى أخرى لمنافسة الهيمنة الأمريكية هناك، وذلك بلا أدنى مجال للشك سلوك ولغة قوى إمبراطورية. علاوة على ذلك، لم تنص الاستراتيجية على انسحاب تام من تلك المناطق الاستراتيجية لا سيما أوروبا والباسيفيك، بل فقط تقليص التركيز مع إعادة ترتيب ذكي للحضور العسكري، ومشاركة الحلفاء بقوة في الحماية والعبء العسكري والاقتصادي، إذ في هذا الصدد أكدت الاستراتيجية على دور الناتو المحوري لكنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة مشاركة أقوى للحلفاء، يضاف إلى ذلك تأكيد الاستراتيجية على مصالح وحضور واشنطن الاقتصادي في العالم، وخيار القوة لحماية تلك المصالح. أما المرجع الثالث الحاسم، وهو ما يقرؤه أدهياء التفكير الأمريكي من خلال الوثيقة ومن خارجها، يكمن في إعادة التموضع الإقليمي الذكي للحفاظ على الهيمنة الأمريكية. ثمة عدة وسائل للهيمنة العالمية والمحافظة عليها، واحدة من أشهرها وأهمها في الوقت عينه، "الهيمنة الإقليمية" للواقعية الهجومية لميرشايمر، والتي ترتأي أن الهيمنة العالمية تتأتى عبر إحكام الهيمنة الإقليمية التامة مع منع القوى المتحدة من هيمنة إقليمية موازية. في ذات السياق، يرى ميرشايمر أن فكرة الهيمنة العالمية الكونية بالمعنى الإمبراطوري -أي تمديد الحضور في كل أركان العالم- فمن الصعب حدوثها، وإن حدثت لن تدوم، بل ستؤدي إلى انهيار تلك الهيمنة. ولعل ذلك ما توصلت إليه الولايات المتحدة بأن مسألة الهيمنة العالمية الليبرالية قد وضعت الهيمنة الأمريكية على المحك، بل أسهمت في صعود الصين. ومن ثم، كان الحل هو التموضع في نصف الكرة الغربي، لأن ذلك يحافظ على ما تبقى من قوة للولايات المتحدة، أي عدم تبديد القوة عالمياً، ومن ناحية أخرى، يعزز القوة الأمريكية عبر الهيمنة والاستغلال التام لثروات نصف الكرة الغربي الممتد إلى جرينلاند، مع إعادة تموضع للقوة العسكرية هناك للحفاظ على القوة الأمريكية. وفي سياق ذلك، يتبقى الشق الأهم، وهو منع الهيمنة الإقليمية للصين في محيطها الآسيوي لكن عبر الأدوات غير المباشرة كما نصت الوثيقة، والتي تتمحور حول مشاركة الحلفاء لتعديل توازن القوى في آسيا، لا سيما اليابان والهند، والحفاظ على التفوق الاقتصادي لواشنطن هناك، وتقوية الدول الآسيوية المناهضة للصين عسكرياً، مع الحفاظ على توازن عسكري أمريكي ذكي دون الإيحاء بتحدي الصين عسكرياً أو دفعها لحرب عسكرية.
1563
| 04 يونيو 2026
.اسمه ارتبط بالتحول التاريخي الإيجابي القطري في مجال صناعات الطاقة لم يكن باحثاً عن مجد شخصي.. ولا منصب قيادي.. ولا مغنم مادي كان عميقاً في التاريخ.. عريقاً في السياسة.. رائداً في الرياضة اشتهر بموقفه القومي القوي.. وشعوره العروبي الأخوي كان نموذجاً في العطاء القطري عرف بالنزاهة الإدارية والاستقامة الوظيفية كان لبنانياً أكثر من اللبنانيين في مواجهة أزمات وانكسارات هذا البلد العربي بمشاعر عميقة، وأحاسيس دقيقة، تعتلج في النفس، وتذوب في الروح، ينبلج في حراكها الإحساس، وتزداد من خلالها الأنفاس، أقف اليوم على منصة «الشرق»، لرثاء رمز قطري، طيب السيرة، نقي السريرة، اشتهر بالنزاهة الإدارية، والاستقامة الوظيفية، وعدم استغلال المنصب، لتحقيق مآرب شخصية أو مصالح فردية. وكنت أعتقد، قبل شروعي في كتابة هذه «المرثية» أنني أمتلك موهبة الكتابة الاحترافية، بعد أكثر من (40) عاماً، قضيتها في أروقة الصحافة الورقية اليومية. لكن لأول مرة، أجد قلمي حافاً، ومداده جافاً، لا يطاوعني في السير الانسيابي على الورق! وأجده يفاجئني، خلال كتابة هذه «المرثاة»، وكأنه مركبة فقدت وقودها، أو حافلة، «تترنح» على حافة طريق عام، وتعاني من غياب قائدها! وأقولها بصراحة، من الصعب على أي كاتب، مهما أوتي من قدرة، على القيادة الصحفية، أو المهارة الأدبية، أو القوة البلاغية، أو الخبرة الإعلامية، أن يرثي الراحل الكبير، عبدالله بن حمد العطية، صاحب الضمير الوطني، الذي كان نموذجاً، في العطاء القطري. ولا أبالغ، عندما أقول، إن هذا الفقيد الكبير، الذي فقدناه، قبل أيام، ورحل عن عالمنا، كان نظيف اليد، وطاهر القلب، وعف اللسان، اشتهر بالانضباط الإداري، والالتزام التام بقواعد العمل، والاستقامة في المواقف، والاعتدال في الأقوال، والاتزان في الأفعال. ولا يختلف اثنان، داخل قطر وخارجها، أن سيرة هذا الراحل المضيئة، ومسيرته المشرقة، تضعه في المرتبة الأسمى، بين رواد النهضة القطرية، بعدما ساهم بكفاءة وعمل بإصرار، وشارك باقتدار، بجهده وعمله، في دفع عجلة التنمية في البلاد، خصوصاً في قطاع الطاقة. وقبل الاستغراق، في الكتابة، عن المرحوم «بوحمد»، أجد من واجبي الأخلاقي، وضميري الإنساني والمهني، والوطني، أن أعتذر أمام الرأي العام، عن كل كلمة كتبتها، وخرجت عن مسارها، وتجاوزت في مضمونها، ضوابط حرية الصحافة، وانتهكت بمحتواها ـ دون قصد ـ أخلاقيات المهنة. ويشهد الله، وأشهدكم جميعاً، أنني أفخر ـ ولا أنكر ـ بمواقفه النبيلة معي، على الصعيدين الشخصي والعائلي، حيث كان موجهاً ومعلماً ومسانداً وداعماً لي، في جميع فترات حياتي. وخصوصاً، عندما كنت رئيساً لتحرير «الراية» الرائدة، وكان بمثابة الأخ الكبير، والمعلم الأكبر والداعم الأكثر. وفي سياق مواقفه النبيلة معي، لا أنسى موقفاً إنسانياً، يعكس تواضعه، وتسامحه، ونبل أخلاقه، عندما بادر، وهو يشغل منصبه الرسمي، بزيارة والدتي المريضة، في المستشفى، قبل رحيلها عن عالمنا. ولا أكشف سراً، أنني عرفت الراحل الكبير عن قرب، منذ أن كنت طفلاً، ولعبت مع أشقائه في منزلهم، وكبرت معهم، وقضيت معظم طفولتي، ألعب مع أقاربه، الذين كانوا أقراني في «الخريطيات»، هناك حيث تم تشييع الفقيد الكبير إلى مثواه الأخير. وهكذا، عندما أرثي هذا الفقيد الراحل، لا أرثي رجلاً عادياً، أو شخصاً عابراً، وإنما هو أحد الرواد، الذين أنجبتهم قطر، ووهبتهم شمائل الإدارة الناجحة. وما من شك، في أن ما تركه هذا الرجل الفذ بين دفتي كتاب سيرته ومسيرته، يضعه حتماً في المرتبة الأعلى، التي لا يجاوره فيها، ولا يجاريه، إلا نفر قليل، من رواد النهضة القطرية، كل في مجاله. لقد كان الوجيه الراحل عبدالله بن حمد العطية شخصاً موثوقاً في محيطه الوطني، وفي وسطه العملي، وإطاره الوظيفي، وهيكله المجتمعي. وعندما أكتب عنه، فهذا يعني الكتابة، عن جزء لامع ساطع، من تاريخ قطر المعاصر، في مجال العمل التنفيذي. ويعني أيضاً، التوقف عند مرحلة مهمة، في مسيرة العمل الوطني، بحكم أن الراحل، شغل عدة مناصب مرموقة، أبرزها تولي منصب نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الطاقة، تحت القيادة الحكيمة، والإدارة الرشيدة، والإرادة القوية، والعزيمة الصلبة، لصاحب السمو الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أطال الله في عمره، ومتعه بالصحة والعافية. ولا تنبع مكانة العطية، من المواقف التي تقلدها، والمناصب الرفيعة التي تبوأها، بل اكتسب أهميته المجتمعية، باعتباره، بحق لا مبالغة فيه، أحد رموز النزاهة الوطنية، والشفافية الإدارية. إلى جانب أنه، أحد رواد النهضة القطرية، في مجال الطاقة وصناعة الغاز الطبيعي، وخصوصاً بعد ارتباط اسمه، بالتحول التاريخي الذي جعل قطر، أيقونة تصدير الغاز المسال في العالم. وهذا الإنجاز الحضاري، جعله من أهم الشخصيات العالمية، في هذا المجال الحيوي من خلال رئاسته، لمنتدى الدول المصدرة للغاز. وإذا أردت التعرف بحق، على إنجازات العطية، عليك التوجه بنظرك إلى شعلة الغاز المتوهجة، في رأس لفان، التي تقوم بحرق الغاز الفائض، في الغلاف الجوي، لمنع تراكم الضغط العالي. وهي الشعلة، التي ساهمت في وضع قطر، في صدارة الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال، وجعلتها تتبوأ مكانها اللائق بين الأمم، من ناحية ارتفاع معدلات التنمية في البلاد. ولعل ما يميز العطية، أنه لم يكن يوماً باحثاً عن مجد شخصي، ولا منصب قيادي، ولا مغنم مادي، بل كانت المناصب تأتيه تباعاً، تقديراً لكفاءته ونزاهته، وطهارة يده. ومثلما كان خبيراً في شؤون النفط، وحقول الغاز، كان ضليعاً في حقول العلم والمعرفة، وكان عميقاً في التاريخ، عريقاً في السياسة، خبيراً في الرياضة، عظيماً في مجال الطاقة، ورمزاً من رموز النزاهة، وعلما من أعلام الشفافية، ورائدا من رواد المصداقية. أما أكثر وأشهر مميزات المرحوم عبدالله بن حمد العطية، توهجاً، فهي تتمثل في موقفه القومي القوي، وشعوره العروبي الأخوي، تجاه الأشقاء في الوطن العربي، وعلى وجه الخصوص في «بلد الأرز»، وحبه المخلص، والداعم والدائم لهذا البلد، وأهله. ومعرفته الوثيقة والعميقة، بكل تفاصيل التفاصيل، عن لبنان، أرضاً وشعباً وأرزاً ورمزاً. وأستطيع القول، إنه في كثير من الأحيان، كان لبنانياً، أكثر من الساسة اللبنانيين أنفسهم، في مواجهة الأزمات وحلحلة التحديات ولملمة الانكسارات، التي تعرض لها هذا البلد العربي. وكان دوماً، مدافعاً عن وحدة وحرية واستقلال واستقرار لبنان. هكذا عاش «بوحمد»، وغادر عالمنا، مصلحاً، صالحاً، نقياً، طاهراً، طيباً، شريفاً، محباً للخير. ولأنه لا مفر من الموت، الذي لا يستثني كبيرا أو صغيرا، ولا يفرق بين غني وفقير. أتوجه إلى الخالق عز وجل، طالباً الرحمة، لفقيدنا الكبير. اللهم ارحم عبدالله بن حمد العطية، واجعل قبره مناراً مستضاء، لا يشكو فيه ظلمة ولا ضيق. وإلى جنات الخلد، أيها الرجل البار، الواصل بأعمالك الخيّرة، المتواصل بأفعالك النيّرة، والباقي معنا بروحك الجميلة، ومواقفك النبيلة، التي لا تنسى.
1443
| 04 يونيو 2026