رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مثلما كان عقلية متميزة وعملاقا في مجال البرمجيات، كمؤسس ومسؤول عن الشركة العملاقة (مايكروسوفت)، ثم شخصاً يشار إليه بالبنان كأغنى أغنياء العالم لسنوات، ها هو " بيل غيتس" يبقى في دائرة الضوء والشهرة لا يغيب عنها، ولكن هذه المرة في المجال الإنساني الذي أراد أن يكرّس بقية حياته متفرغا له بصفة كلية، خدمة للفئات الضعيفة في مجالي الصحة والتعليم، ويضرب به أروع الأمثلة للأثرياء، لاسيَّما في عصرنا الحالي، حينما انصرف عن مجالات التجارة والمال والأعمال، وزهد في عوالمها، لصالح العمل الخيري، وسعى كما يتضح إلى ترك بصمة واضحة تحسب وتذكر له.
ويبدو أن سيرة بيل غيتس كما تصلح أن تدرس كقصة نجاح، في مجال الابتكار والأعمال والريادة في هذا المجال، ـ رغم عدم إتمام صاحبها لدراسته الجامعية ـ والعصامية في عالم التجارة والمال، فإنها تصلح الآن أن تقدم في مجال التطوع، وخدمة المجتمع، والزهد في مفاتن الحياة ومباهجها وشهرتها، والحرفية في العمل الخيري أيضا.
كان بيل غيتس يوم أمس في العاصمة القطرية الدوحة بوصفه الرئيس المشارك لمؤسسة "بيل ومليندا غيتس" حيث وقع باسم مؤسسته اتفاقية تعاون مع مؤسسة قطرية عريقة تحمل اسم هذا البلد الطيب (قطر الخيرية)، من أجل دعم خطة المبادرة العالمية للقضاء على شلل الأطفال العالمية في باكستان، والوصول إلى عالم خال من مرض شلل الأطفال، بحلول 2018، مثلما تخلص العالم من مرض الجدري في سبعينيات القرن الماضي. علما بأن المرض ينتشر في ثلاث دول فقط، هي باكستان وأفغانستان ونيجيريا، ويأتي التوقيع على أعتاب القمة العالمية للقاحات المنعقدة في أبو ظبي خلال الأسبوع العالمي للتطعيم (24-30 أبريل الحالي)، حيث يتم تنظيم هذه القمة من أجل مواصلة زخم عشرية اللقاحات التي تحمل رؤية والتزاماً بأن يحصل جميع الناس على اللقاحات التي يحتاجونها.
إذن فإن غيتس لا يكتفي بدعم الجهود الإنسانية للوصول إلى عالم خالٍ من شلل الأطفال، من خلال "مؤسسة بيل ومليندا غيتس" الإنسانية فحسب، رغم إمكاناتها الكبيرة في التبرع، بل يسعى لقيادة عملية دعم المبادرة الدولية بهذا الشأن، ويقوم بعمل شراكات مع مؤسسات خيرية عبر العالم لتنظيم حملات الدعم لها، وقبل مدة بسيطة عقد اتفاقية مماثلة مع مؤسسة الوليد بن طلال الخيرية على سبيل المثال لا الحصر.
ثمة ما يميز مسيرة بيل غيتس في العمل الإنساني، وتجربة مؤسسته الخيرية، وهو ما يصلح للتأمل والدراسة واستخلاص الفائدة، ولعل من أهم ذلك:
قراره قبل حوالي سبع سنوات التخلي عن أي عمل تنفيذي في شركات البرمجيات " مايكروسوفت " العملاقة، والتي أسسها ورعاها على عينه، وذلك للتفرغ للعمل الإنساني عبر العالم، مكتفياً بالرئاسة الشرفية لمجلس إدارتها والعمل لمدة يوم واحد أسبوعيا فيها. وقد جاء هذا التخلي في أوج التربع على عرش مجده، وفي وقت كان فيه أثرى أثرياء العالم.
ـ تخصيص 95 %من ثروته الضخمة للعمل الخيري وتوريث أطفاله الثلاثة 5 % منها فقط، وهو قرار فريد وجريء على مستوى أثرياء العالم.
ـ حثّ الأثرياء أمثاله لتخصيص جزء كبير من أموالهم لصالح المشاريع والبرامج الخيرية، وتخصيص الجزء الأكبر من ثرواتهم بعد موتهم لصالح هذه الأعمال النبيلة. وقد كان ملاحظا استجابة عدد منهم لذلك ومنهم الملياردير وارين بوفيت الذي أعلن عام 2006 عن تبرعه لمؤسسة "بيل ومليندا غيتس" بمبلغ ثلاثين مليار دولار، على أقساط ولمدة 10 سنوات لتمكينها من مضاعفة خدماتها.
ـ تأسيس مؤسسة"بيل ومليندا غيتس" التي تعد أكبر مؤسسة خيرية خاصة في العالم، وقدرت موجوداتها عام 2011 بـ 26 مليار دولار، وحجم تبرعاتها نفس العام بـ 2.6 مليار دولار، ويعمل فيها حوالي 1000 شخص، في معظم المدن الأمريكية بالإضافة إلى أكثر من مائة دولة عبر العالم.
وقد تأسس هذا الصرح الخيري بعد أن تبرع كل من غيتس وزوجته ميليندا بأسهم قيمتها 94 مليون دولار، وفي عام 2000 قدم الزوجان 126 مليون دولار لتوسيع عمل المؤسسة، وفي الفترة من 2008 ـ 2011 ضح الزوجان والمتبرعون للمؤسسة مليارين من الدولارات لصندوق المؤسسة، تلا ذلك إعلان الملياردير وارين بوفيت تبرعه بمبلغ 30 مليون دولار.
ـ الاهتمام بالجوانب العلمية والبحثية التي تخدم العمل الإنساني، فقد أعلن مؤخرا أنه خصص 10 مليارات دولار خلال السنوات العشر الحالية للأبحاث والتنمية ولتقديم لقاحات للأطفال الفقراء في العالم، وتعزيز الشراكات والتعاون مع المؤسسات المماثلة.
ـ إعلان غيتس عن تكريس نفسه للعمل الإنساني، بعيدا عن أي طموحات سياسية، من وراء أعماله الخيرية، وعدم رغبته الترشح لأية انتخابات سياسية. وهو ما يدل على زهده فيما سوى هذا العمل، الذي له لذة لا يعرفها إلا من ذاقها. رغم أن الطموحات السياسية قد لا تتعارض بالضرورة مع حبّ الإنسان للخير، وخدمة الناس والمجتمع من حوله.
أليس كثير من هذه التصرفات والأفعال نحن أولى بها في العالمين العربي والإسلامي، سواء على مستوى الأثرياء وأصحاب المال والأعمال، أو على مستوى الحرفية والمهنية في عمل المؤسسات الإنسانية والخدمة العامة؟!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
4008
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2592
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2352
| 15 أكتوبر 2026