رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

207

موزا محمد الكواري

الطفل كشاهد صامت: أي رواية نترك له؟

24 مارس 2026 , 01:15ص

في خضمّ الأحداث المتسارعة، لا يكون الطفل خارج المشهد كما نظن، بل يقف في قلبه… صامتًا، مراقبًا، يلتقط التفاصيل التي نظنها عابرة، ويخزّنها في ذاكرة لم تتشكل بعد، لكنها قادرة على إعادة إنتاج العالم لاحقًا بصورة مختلفة تمامًا عمّا نعرفه.

الطفل لا يحتاج إلى شرحٍ كامل ليفهم، ولا إلى سردٍ مباشر ليشعر. يكفيه أن يرى نبرة الصوت، أن يلتقط القلق في العيون، أن يسمع أنصاف الحكايات في المجالس، ليدرك أن هناك شيئًا غير طبيعي يحدث. ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية: ليس فيما نقوله له، بل فيما يكوّنه هو من معنى لما لم يُقل.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل نخبر الطفل بما يجري أم نخفي عنه؟ بل: كيف نصوغ الرواية التي ستسكن وعيه؟

فالخيار لم يعد بين العزل والإفصاح، بقدر ما هو بين فوضى سردٍ غير موجّه، وبين وعيٍ جمعي مسؤول يقدّم للطفل إطارًا نفسيًا يقيه من التشظي.

إن الأطفال اليوم لا يعيشون في هامش الحدث، بل في قلب فضاء مفتوح، تتداخل فيه الأصوات، وتتقاطع فيه الروايات. المجالس تنقل، والإعلام يضخ، والمنصات الرقمية تعيد تشكيل المشهد بلغة مختلفة، بينما الطفل يجمع كل ذلك دون امتلاك أدوات التفسير. وهنا تكمن الخطورة: ذاكرة تتشكل بلا مرجعية واضحة.

هذه الذاكرة ليست مجرد أرشيف للمواقف، بل هي البذرة الأولى للهوية، ولطريقة فهم العالم، ولتحديد ما هو آمن وما هو مهدد. وإذا تُركت دون توجيه، فإنها قد تُبنى على القلق، أو الخوف، أو حتى التبلد.

من هنا، لا يمكن اختزال الدور في الأسرة وحدها، رغم مركزيتها، بل يتسع ليشمل منظومة متكاملة من المؤسسات المعنية بالتنشئة: التعليم، والتنمية الاجتماعية، والإعلام، والثقافة. فالسؤال لم يعد فرديًا، بل هو سؤال خطاب جمعي:

أي لغة نستخدم حين نتحدث أمام أطفالنا؟ وأي صمت نمارس؟ وأي رسائل نمرر دون وعي؟

إن المسؤولية اليوم لا تكمن في حماية الطفل من الحدث بقدر ما تكمن في حمايته من سوء فهم الحدث. فالعزل الكامل لم يعد ممكنًا، والتجاهل لم يعد مجديًا، لكن التوجيه الواعي لا يزال خيارًا بيدنا.

نحن لا نملك التحكم في كل ما يراه الطفل، لكننا نملك التأثير في الطريقة التي يفسره بها.

نملك أن نزرع الطمأنينة بدل الخوف، والفهم بدل الارتباك، والاتزان بدل المبالغة.

نملك أن نمنحه رواية لا تنكر الواقع، لكنها لا تتركه فريسة له.

في النهاية، سيكبر هذا الطفل… ولن يتذكر فقط ما حدث، بل كيف فُسّر له ما حدث.

وسيبني مواقفه، وهويته، وربما قراراته المستقبلية، على تلك الرواية الأولى التي تشكلت في صمت.

فالسؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا:

حين يكبر هذا الشاهد الصامت… أي قصة سيحكيها عنّا

مساحة إعلانية