رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بداية.. لا بد من الاعتراف، دون حدوث اختلاف، قد يؤدي إلى خلاف، أن أمتنا العربية، تواجه خطراً وجودياً، وتهديداً جوهرياً، ومأزقا مصيرياً، يستهدف أمنها، ويمس حدودها، وينال من حقوقها، وينتقص من سيادتها، ويؤثر في ثوابتها.
وعلى وجه الخصوص، ثوابت القضية الفلسطينية، المهددة بالتصفية، المستهدفة بمخطط تهجير الفلسطينيين، خارج وطنهم، وطردهم بعيداً عن ديارهم، لكي يهيموا في القفاري، وينزحوا نحو البراري، ويتشردوا في الصحاري!
ولتنفيذ هذا المخطط الاستعماري، تحاول إسرائيل، بدعم من ترامب، وإسناد من اللوبي الصهيوني، وتشجيع من قوى الاستكبار العالمي، وتحريض من الإدارة الأمريكية، تشريد الفلسطينيين، أهالي قطاع غزة، وتهويد ما تبقى من أراضي فلسطين المحتلة!
ولعل ما يثير القلق، ويسبب الأرق، ويبعث على الحنق، في مختلف الأوساط العربية، أن الإدارة الأمريكية، المنحازة لإسرائيل بأقوالها، والمساندة لها في أفعالها، والمتبنية لها في مواقفها، تتبنى دبلوماسية «الجمرة المشتعلة» مع الفلسطينيين!
وتستخدمها حتى ضد أطفال فلسطين، ومن بينهم «حنظلة»، الذي يقف حافي القدمين، مرتدياً لباسه المقطع، الذي يشهد على فقره المدقع، ويكتب على الجدران المدمرة، والبيوت المحطمة، عبارة «ثورة حتى النصر»، وهذا في المفهوم الأمريكي، تحريض على «الإرهاب»!
وعلى هذا الأساس، فهي تناهض «حماس»، وغيرها من حركات المقاومة الوطنية، وتمارس خلال تعاملها مع الشأن الفلسطيني، بمختلف مكوناته، وكل توجهاته، وجميع اتجاهاته، سياسة كرة النار المتدحرجة، مما يشكل ضيقاً فظيعاً، وضغطاً رهيباً، على النظام الرسمي العربي.
ومع تواصل هذا الضغط الأمريكي، الضاغط على العرب العاربة، والمستعربة، نشعر أننا أمام مشهد طويل لا ينتهي، محذوف بقرار من الرقابة، من صالات العرض السينمائي، من فيلم «الأب الروحي»، الذي تم إنتاجه وعرضه عام 1972، ويجسد القصص المروعة، والجرائم المريعة، التي ترتكبها عصابات الجريمة المنظمة، في الولايات المتحدة.
وخلال الواقع الفلسطيني، يؤدي الرئيس ترامب شخصية «فيتوكورليوني»، زعيم عصابة المافيا، التي تسيّدت المشهد الإجرامي، في نيويورك، من خلال أداء دور الممثل «مارلون براندو» في الفيلم الهوليودي.
لكن رئيس الإدارة الأمريكية، أضاف لهذه الشخصية السادية، بعداً إجرامياً عالمياً، عبر قيامه بالتحريض العلني المباشر، لفتح أبواب الجحيم على الفلسطينيين، مما يشكل جميع أركان الجريمة العالمية المنظمة، التي تعاقب عليها القوانين الدولية، وتدينها الأعراف الإنسانية.
والملاحظ أن الولايات المتحدة، في عهد رئيسها ترامب- بعد عودته الرئاسية الثانية- تحاول فرض وقائع استعمارية في المنطقة، يتم استحضارها من أزمنة العصور الوسطى، وأيام القراصنة، والمستعمرين، الذين ينتهكون حقوق الآخرين، بشكل لا ينسجم مع روح العصر، ولا يتفق مع سيادة القانون الدولي.
ووفقاً لهذه المعطيات الخطيرة، تقف الأمة العربية، من أقصاها، إلى آخر مداها، حائرة، أمام مفترق طرق خطير، تتأرجح خلالها أقدامها على حافة الهاوية السحيقة:
- فإما أن تتخذ القرار، وتتحرك بعيداً عن الانحدار، وتتوجه لدعم الفئات الفلسطينية المسحوقة، وتتضامن لوقف الأطماع الصهيونية، المدعومة بالتصريحات «الترامبية» المسمومة..
- وإما أن تسير في طريق الانهيار، ليشهد التاريخ على نجاح الرئيس الأمريكي، في إجبار العرب، على تنفيذ مخططاته، التي تتجاوز القواعد القانونية، وتتخطى الحدود السياسية، وتنتهك المعايير الحقوقية، ليتم بعدها إعادة ترسيم الحدود الجغرافية، لصالح الحركة الصهيونية ومشروعها الجديد - القديم، المتمثل في تهجير الفلسطينيين خارج ديارهم، وطردهم باتجاه مصر والأردن وغيرهما.
والمؤسف، أن الإدارة الأمريكية، تعمل على إلغاء الواقع الجيوسياسي الحالي في قطاع غزة، دون مراعاة حقوق الفلسطينيين التاريخية الثابتة في أرضهم، ودون احترام سيادة الدول العربية، المجاورة للقطاع الفلسطيني، ودون اعتراف بالشرعية الدولية، ودون التزام بتطبيق القرارات الأممية، بكل حيثياتها القانونية، ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.
وهذه التحديات الخطيرة كلها، وكل المخططات والتهديدات المنبثقة منها وعنها، تستوجب وقفة عربية جماعية - جامعة، تحت سقف الجامعة العربية للتأكيد على أن ما يتم ترويجه حالياً في واشنطن، وما يتم النفخ فيه، بالأبواق اليهودية، في «تل أبيب»، هو أمر مرفوض عربياً، ومدحوض قانونياً، وغير مقبول سيادياً، وغير مبرر سياسياً، وغير مرحب به.. لا أخلاقياً ولا إنسانياً.
ومع مواصلة النفخ اليهودي الكثير، وإطلاقه في ذلك الكير، والتكلم بالكلام الكبير، عن مخطط الهجرة والتهجير، تدفعني وحدة المصير، إلى التنبيه والتحذير، من ذلك التحدي الخطير.
ولكل هذا، أواصل الكتابة، واستطرد في التعبير، مستنكراً بشدة، تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية، الاستفزازية، التي يحاول من خلالها تمرير أفكاره الشيطانية، بشأن إقامة دولة فلسطينية في السعودية، أو غيرها من الدول العربية، لأن ذلك يشكل انتهاكاً متعمداً للقرارات الدولية، وخرقاً متعدداً لميثاق الأمم المتحدة، ويؤدي إلى نسف مساعي السلام المتعثرة في الشرق الأوسط.
وما من شك، في أن السلام العادل والشامل والمستدام لن يتحقق في المنطقة، إلا بعد تمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة، على حدود الرابع من يونيو 1967، وفرض سيادة الفلسطينيين على أراضيهم المحتلة.
وفي هذا السياق، أجدد الإشادة، بصفتي واحداً من أبناء الشعب القطري، بموقف قطر التاريخي، الثابت، والداعم لصمود الشعب الفلسطيني..
المناصر لقضية فلسطين العادلة، المؤيد لقرارات الشرعية الدولية، ومبادرة السلام العربية، التي تضمن إقامة الدولة المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية.
ولا أنسى، دعم المشروع القومي الأكبر، في تاريخ الأمة العربية، وهو إعادة إعمار قطاع غزة المدمر، مع بقاء الفلسطينيين في أراضيهم، دون تهجيرهم خارج وطنهم..
وتوفير فرص عمل للشباب الفلسطيني المقهور، والعمل على إخراجه من حالة القهر، وانتشاله من المعاناة والفقر، ليتمتع كغيره من شعوب الأرض، بالرخاء، ويحس بالعدالة، وينعم بالحرية، ويعيش الاستقلال، بعيداً عن تسلط الاحتلال.
وهذا يتحقق، من خلال الشروع في مشاريع الإعمار، التي ينبغي إنجازها بالسواعد العربية، والكفاءات العربية، والقرارات العربية، بمشاركة دول العالم الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني.
وإنفاذاً لكل ذلك، جاء تحديد موعد انعقاد القمة العربية، المقرر عقدها في «أم الدنيا»، في الرابع من مارس المقبل، بعد تأجيلها الصادم لبضعة أيام، ليعيد الزخم القومي، في عروق القضية الفلسطينية، ويشعل جذوة التفاؤل بإمكانية توحيد الجهود السياسية العربية، لتحقيق التضامن العربي المفقود، والوقوف صفاً واحداً، في مواجهة التهديدات الصهيونية المدعومة من الإدارة الأمريكية.
ولعل ما يميز القمة المرتقبة المصيرية، التي ستلئم في الرحاب المصرية، أنها ستعقد في شهر رمضان، هناك في القاهرة، العاصمة العربية، التي قهرت جميع الأعداء الطامعين.
ولا يحتاج الأمر إلى التذكير، بأن أعظم البطولات العربية، ارتبطت بشهر الصيام، وأعظمها انتصار العاشر من رمضان، الذي تحقق على العدو الإسرائيلي، في السادس من أكتوبر عام 1973.
وفي هذا النصر المبين، كان جنود الجيش المصري الباسل، بمختلف تشكيلاته، وجميع قطاعاته يحاربون على جبهات القتال، هناك على ضفاف القنال، وهم في حالة صيام، وألسنتهم تلهج «الله أكبر».
ومع هذا التكبير، نجحوا في تحطيم «خط بارليف» الذي كان يوصف، بأنه أكبر وأصلب وأقوى خط دفاعي إسرائيلي، عرفه التاريخ المعاصر.
ومن ذلك التاريخ المطرز بالانتصارات، إلى هذا الحاضر المستهدف بالمخططات، لا أنسى مع الإعلان عن عقد القمة العربية، في شهر رمضان، أن أكبر الفتوحات الإسلامية، تحققت في هذا الشهر العظيم، بداية من غزوة بدر، وهي المعركة الفاصلة في تاريخ المسلمين، مروراً بفتح مكة المكرمة، وصولاً إلى فتح الأندلس.
إضافة إلى المعارك الحاسمة، وأبرزها معركة حطين، وعين جالوت، وعمورية، والزلاقة، وغيرها.
وهذا يؤكد، أن في شهر رمضان تنبثق روح النصر، وأنه وسط التهديد الوجودي، تولد إرادة الفخر، ونأمل أن يتحقق ذلك، في القمة العربية المصيرية، التي ستعقد في العاصمة المصرية.
هناك في القاهرة، العاصمة القاهرة، التي قهرت عبر تاريخها الكثير من التحديات، وأبطلت الكثير من التهديدات، وأفشلت العديد من المؤامرات الخارجية.. هناك ستعقد القمة العربية، في أمسية رمضانية، تحت عنوان واحد، هو إفشال المخططات الصهيونية التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، وتشكيل جبهة عربية صلبة تتصدى للمشروع الصهيوني وتعمل على إعادة إعمار قطاع غزة دون تهجير سكانه وأهله.
.. هناك في القاهرة، حيث ترتفع المآذن، وتعلو المنارات، وحيث يسكن الإيمان في القلوب، والأزقة، والدروب، والعمارات، وحيث يرتفع الأذان إلى العنان، في شهر رمضان، عندما يصدح «الله أكبر»، بصوت الشيخ أبو العينين شعيشع، الذي «يشعشع» الأمل، في النفوس المحبطة، ويطرد الإحباط الذي «يعشعش» في القلوب المحطمة، ويزيل الاضطراب، الذي «يشوش» العقول المرتبكة.
.. هناك في القاهرة الظافرة، ستعقد القمة العربية، في عاصمة انتصار العاشر من رمضان، حيث تسمع «شقشقة» عصافير الأمل في الصباح، وحيث الديك «بيدن كوكو كوكو» في الفجرية، على طريقة سيد درويش، ملحن النشيد الوطني المصري «بلادي بلادي بلادي، لك حبي وفؤادي»، والذي ألّفه محمد يونس القاضي.
.. هناك يقف الديك المصري، فوق برج القاهرة، يوجه النداء القومي، إلى أمتنا العربية، لتستيقظ من سباتها العميق، وتدافع عن تاريخها العريق، وتتوحد أمام الهجمة الصهيونية الوحشية، المدعومة من الإمبريالية الأمريكية.
.. هناك في القاهرة العريقة، صاحبة القصص، والمليئة بالحكايات، والزاخرة بالروايات المدهشة، التي كتبها نجيب محفوظ، والقصائد التي صاغها الأبنودي، والألحان، التي هندسها بليغ حمدي.
.. هناك في القاهرة، سنسمع خلال انعقاد القمة العربية، لحن الانتصار المدوي، الذي لحنه الموسيقار العبقري، بليغ (ملك الموسيقى)، وكتبه الشاعر عبدالرحيم منصور «بسم الله، الله أكبر، بسم الله، بسم الله».
.. هناك في القاهرة الشعبية العتيقة، بكل حواريها، وجميع حوانيتها، وكافة أزقتها، ومشربياتها، ومقاهيها سنسمع خلال القمة العربية، نشيد:
«حلوة بلادي، السمرا بلادي الحرة».
.. هناك وسط مبانيها، سنسترجع قصة بانيها «الحلواني»، الذي أضاف اللمسة الحلوة، على شخصيتها الحلوة، وأضاف الحلاوة على ناسها الرايقين، وأهلها الطيبين، وسكانها الحلوين.
.. هناك في القاهرة، التي تشتهر بأجوائها الروحانية، في الليالي الرمضانية، ستعقد القمة العربية، بينما تتهادى على المسامع ابتهالات الشيخ «النقشبندي»، وهو يبتهل بصوته الرنان، منشداً روائع البيان، التي تحرك جذوة الإيمان، في داخل الإنسان، وتعتبر أشهر ملامح شهر رمضان، وأشهرها ابتهال «مولاي إني ببابك قد بسطت يدي».
ومع تلك اليد «المبسوطة»، أو الممدودة إلى السماء، والألسن التي تلهج بالدعاء، في كل صباح ومساء، لا يمكن أن ننسى صوت محمد عبدالمطلب، الذي يعتبر أيقونة شهر الصيام، وهو يعبر عن مشاعر الناس، التي تتصاعد مع حركة الأنفاس، ويترجم بكل إحساس، فرحة المصريين بقدوم الشهر الكريم، خلال أغنيته الشهيرة:
«رمضان جانا، وفرحنا به بعد غيابه، وبقاله زمان».
.. هناك في القاهرة، التي تجمع العرب تحت مظلتها، وجه الأمين العام لجامعة الدول العربية، دعوة حماسية، لحركة حماس، وطالبها بشكل حماسي، بالتخلي عن إدارة قطاع غزة.
ولأن هذه الحركة الفلسطينية، التي تقود المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني، لا تحتاج إلى دعوة «أبو الغيط» لتأكيد أنها لا تتمسك بحكم القطاع، ما دام ذلك يصب في مصلحة الشعب الفلسطيني، وقضيته العادلة، في هذه المرحلة المصيرية.
من الواجب على «أبو الغيط»، المتحمس بشدة للموقف الحماسي، إثبات أن موقفه السياسي، ينبع من قناعة ذاتية، وليس من توجيهات خارجية!
وهذا لن يتحقق، إلا من خلال تطبيق «نكران الذات»، على نفسه أولاً، والمبادرة بالتخلي عن منصبه القيادي في الأمانة العامة، التي تشهد في عهده حالة غير مسبوقة من الضعف والوهن والهوان، والانفصام عن الواقع.
ويكفي أن «الأمين العام»، لم يكلف نفسه بزيارة قطاع غزة، ولم يبادر بزيارة مدينة «العريش» المصرية المتاخمة للقطاع الفلسطيني، لتفقد أحوال الجرحى الفلسطينيين الذين يتلقون العلاج في مستشفى المدينة.
ولم يفكر ـ مجرد التفكير ـ بالوقوف من بعيد، أمام بوابة «معبر رفح»، والتقاط صورة «سيلفي» أمام المعبر، عند الجانب المصري، وهو يمسك بعلم فلسطين، ويلوح به بيده اليمنى، أو علم الجامعة العربية، أو علم «نيكاراغوا»، التي بادرت بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، تضامناً مع الشعب الفلسطيني، واحتجاجاً على استمرار العدوان الإسرائيلي، ورداً على الإبادة الجماعية الوحشية، التي ترتكبها الحكومة الصهيونية الفاشية، ضد الفلسطينيين!
وكان يمكنه الذهاب إلى هناك، وفي يده «كوباية» شاي، أو صينية «بسبوسة»، أو «ربطة خبز»، في دلالة رمزية تعبر عن تضامنه مع أطفال غزة وأهاليهم، ورفضه لتجويعهم، ووقوفه إلى جانبهم، وسعيه لكسر وطأة الجوع، الذي تعاني منه تلك الجموع، التي لم تعرف «الهجوع»، ولا كيفية الرجوع الآمن إلى منازلهم والعودة الى بيوتهم المدمرة، ويعانون الحرمان، ويحتاجون إلى الدعم والرعاية وتوفير الأمان، والكثير من الحنان من الجامعة العربية.
لكن «أبو الغيط» اكتفى بإرسال، مساعده «حسام زكي» لزيارة المعبر في منتصف الشهر الجاري، بعد مرور أكثر من عام على إطلاق الصاروخ الإسرائيلي الأول، على قطاع غزة!
وهذا يؤكد إشكالية القصور، ومشكلة التقصير، في تعامل الأمانة العامة، مع مأساة الفلسطينيين، بسبب اتباعها الأسلوب الإداري السقيم، والأداء العقيم، الذي لا يستقيم، مع معاناة الشعب الفلسطيني العظيم.
وربما لا يعلم «أبو الغيط»، أن «أنطونيو غوتيرش» الأمين العام للأمم المتحدة، حضر خصيصاً من نيويورك، للتضامن مع الفلسطينيين، وقام بزيارة تضامنية في شهر مارس الماضي، إلى رفح الواقعة على بعد أمتار، من الخاصرة الرخوة في قطاع غزة، وتوقف أمام بوابة المعبر، ووجه حديثه لأهالي القطاع قائلا:
«لستم وحدكم».
كل هذه المواقف، وتلك الوقفات، تؤكد أن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية تعيش في عهد أمينها العام، حالة مأساوية، من الترهل الإداري، والانتفاخ الذاتي، والانفصال التام عن قضايا الأمة، الذي يستوجب على «أبو الغيط» التخلي الفوري، والتنازل الطوعي عن المنصب القيادي.
من يحاسب الرادار؟
حين تتحول المتابعة إلى غاية لا وسيلة: في الأصل، لم تُخلق المتابعة لتكون هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة... اقرأ المزيد
447
| 31 مارس 2026
اليمن غير مؤهل للحرب
أخيرا وقع ما اعتقدنا أنه سوف يحصل عاجلا أم آجلا وتدخلت اليمن في الحرب الإسرائيلية الإيرانية رغم عدم... اقرأ المزيد
147
| 31 مارس 2026
جغرافيا على حافة الاختناق الرقمي
لحظات التوتر الكبرى لا تغيّر العالم بقدر ما تكشفه، تتراجع مشاهد القوة التقليدية، ليظهر ما هو أعمق: بنية... اقرأ المزيد
129
| 31 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان صانعي القرار، قد تكون الحرب اختباراً للقدرات والإمكانات وللقدرة على الصبر وتحمُّل أعباء خسائر الحرب من قتل ودمار ولكن صانعي القرار ومن هو مسؤول عن دولة وعن نظام وعن شعب يجب أن يظل حاضراً في ذهنه ماذا بعد الحرب، فقد عانت إيران من الحصار لأكثر من 40 سنة مما دفع بالكثير من بنيتها التحتية وبنية قطاع الطاقة للتهالك خلال تلك الفترة، فإذا جاءت الحرب بدمارها من جديد فإن موضوع الإعمار إن كان قبل الحرب ضرورة فإنه بعد الدمار وبعد الحرب ضرورة قصوى، كما عانت إسرائيل من دمار سنين الحرب السابقة للحرب على إيران ويزداد الدمار يوماً عن يوم وبوتيرة متسارعة يدفع للتساؤل من أين سيأتي الإعمار. عندما تضع الحرب أوزارها ستكون إيران منهكة كلياً وتحتاج للإعمار، في الوقت نفسه أمريكا لم تعد قادرة على الإعمار فأعباء الديون على أمريكا يجعلها في خطر فقدان القدرة على الوفاء بخدمة الدين وفقدان جدارتها الائتمانية التي استمتعت بها على مدى عقود وعقود ولذلك فتوقع أي إعمار من أمريكا توقع يفتقد للموضوعية، وإسرائيل في نفس المعضلة ولذلك من سيكون قادراً على الإعمار سوى دول الخليج لوفرة رؤوس الأموال وعمق صناديق الاستثمار والاحتياطات الكبيرة المتوفرة في القطاع المصرفي والمصارف المركزية لديها والقدرات في تجاوز تبعات الحرب بشكل سريع، ولذلك مراعاة أمن دول الخليج من قبل الأطراف المتحاربة كونها ليست طرفا في الحرب فهي ضرورة أساسية لما بعد الحرب، إذن من يملك القدرة على الإعمار هي دول الخليج، فمن الحكمة لصناع القرار من البيت الأبيض وطهران وغيرها الأخذ في الحسبان عدم توتير العلاقة مع دول المنطقة والعمل على عدم تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لدول الخليج. إذا أراد النظام الإيراني البقاء فهو يعلم أنه ملزم بتوفير ما يطلبه الشعب الإيراني ما بعد الحرب من إعمار ومستشفيات وغذاء واقتصاد وعملة مستقرة، هل سيكون قادرا لوحده على الإيفاء بمتطلبات الشعب الإيراني بعد الحرب، فترامب أقصى الحلفاء واستهزأ بهم وادعى أنه لا يحتاج أحداً فأمريكا لديها القدرات والإمكانات أن تعمل ما تريد ورأيناه حين أغلق مضيق هرمز يبحث عن دعم الحلفاء ويضرب أخماسا بأسداس على أنهم تبرأوا منه حين الحاجة، فهل ستجد إيران نفسها بعد الحرب بحلفاء قادرين على إعمار ودعم الاقتصاد الإيراني والاستثمار فيه أم ستكون وحيدة تضرب أخماسا بأسداس على أنه ليس هناك من له رغبة في إعمار إيران أو الاستثمار فيها. قد يعتقد البعض أن إيران استطاعت أن تتحمل الحصار الاقتصادي وكانت قادرة على الاستمرار في تلك الظروف ولأنها استمرت لفترات طويلة استطاع الشعب الإيراني التعايش معها ولو أنه كان هناك فترات فقد فيها مثل هذا الهدوء فعندما تتراجع العملة بشكل كبير ويرتفع معدل التضخم لدرجات غير مسبوقة فإن الشعب الإيراني يخرج في الشوارع. فما حدث في الأربعين سنة الماضية شيء وما سيحدث بعد وقف الحرب مباشرة شيء آخر سيكون كل يوم ما بعد الحرب معادلا لفترة ما قبل الحرب، فالدمار وحضور مثل هذا الدمار أمام التجار وأمام السوق وأمام الشعب سيبعث على التشاؤم وإن حدث هذا دون أي أفق يبعث على الأمل سنرى تراجع التومان العملة الإيرانية كما لم نره سابقا وستزداد معدلات التضخم بشكل غير مسبوق وسيفقد الناس الأمل في حياة أفضل ولذلك سيفقد النظام قدرته على إدارة الدولة، أما إذا كان هناك رؤية لمشاريع إعمار فانها ستكون الداعم الحقيقي للنمو الاقتصادي والنشاط الاقتصادي وسيملأ الناس الأمل بأنه ما بعد الحرب هو وضع أفضل مما قبل الحرب فإن طغى على الناس الإحساس بالأمل وبالعمل وبالاستثمار سيكون هناك استتباب في إيران، أما إذا طغى التشاؤم وفقد الناس الأمل قد تفقد إيران الكثير من وحدتها لأن كل منطقة سترى أنها أقدر على إدارة شأنها الاقتصادي وأن طهران لم تعد قادرة على مد يد العون. وما لم تحققه أمريكا وإسرائيل في حربهما لتفكيك إيران سيتحقق ما بعد الحرب إذا لم يكن هناك مشاريع إعمار، كل يوم تستمر فيه الحرب تزداد فيه الحاجة للإعمار، فكما عمَّرَت قطر بقيادة الأمير الوالد جنوب لبنان في حرب 2006 من سيعمر جنوب لبنان ومن سيعمر إيران وإلى أي مدى غزة والضفة وإيران وجنوب لبنان سيكونون في حاجة ماسة للدعم ولمشاريع الإعمار.
3480
| 30 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2472
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1941
| 24 مارس 2026