رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"الكتاب الأحمر" هو الإصدار الجديد الذي نزل مؤخراً في الأسواق والميادين والشوارع الليبية والذي قام بتأليفه الرئيس الليبي.. الطاغية العقيد معمر القذافي.. والملقب بعميد الحكام العرب.. ملك ملوك إفريقيا.. قائد الثورة.. صاحب أطول فترة حكم في ليبيا.. وفي العالم العربي والإسلامي، والتي جاوزت الأربعين سنة.. ولا أعرف لماذا عندما أتذكر مدة " أربعين سنة".. أتذكر ما ذكره بعض العلماء من أن الله أمهل "فرعون" مدة أربعين سنة بعد أن قال "أنا ربكم الأعلى" علّه يتوب أو يهتدي ولكنه أبى ذلك، فطغى وتكبّر، وظلم وتجبّر، فكان أخذ الله له.. أخذ عزيز مقتدر.. وجبّار منتقم.. يمهل ولا يهمل.. يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.. فلا يَنفع فوت.. ولا يُسمع صوت..
" الكتاب الأحمر" هو كتاب الدم الذي سطّره الديكتاتور معمّر القذافي والذي كان الجميع يتهافتون ويتخافتون حول آرائه الشاذة ومقولاته المضحكة.. بينما أعلنها الجميع الآن بأنه رجل مجنون معتوه، كتب كتابات أقل ما يقال عنها بأنها سخيفة وساذجة سمّاها " الكتاب الأخضر" والذي فرضه فرضاً وقسراً على الشعب الليبي وكأنه " قرآن " جديد لابد له أن يُتلى ولابد له أن يُحفظ عن ظهر قلب، فجعله منهجاً للطلبة وأقام له الحزب الحاكم أو حزب الثورة الذي لا شريك له في الأحزاب السياسية في ليبيا حيث منع أي تعدد حزبي أو فكري.. وكأن لسان حال القذافي يقول كما قال صاحباه "زين العابدين في تونس" و "حسني مبارك في مصر" (لا أريكم إلا ما أرى).. (ما عهدت لكم من إله غيري).. أو مع تعديلها (ما عهدت لكم من حاكم غيري).
لقد أشاح صاحب الكتاب الأخضر عن وجهه القبيح واستبدل الأخضر بالأحمر ملطخاً يديه القذرتين بدماء الشهداء من الأبرياء من شعبه الذين ثاروا عليه بعد أن استفحل الأمر وانتشر الفساد في البلاد بعد أربعين سنة من القهر والصبر على هذا الطاغية المتكبّر المتعجرف، الذي يتفنن في الخروج بين حين وآخر بتقليعة جديدة في الأقوال والأفعال والملابس.. فتارة يسكن خيمة في الصحراء ويستقبل ضيوفه فيها بل وينقلها معه حيثما رحل وأخرى يجنّد حرساً خاصاً له من الحسناوات، وتارة ينتقب "يلبس النقاب" والثوب الأسود ويحمل غضن شجر كما قد ظهر في إحدى المناسبات، وتارة يمزّق ميثاق الأمم المتحدة وأخرى يدعو لإلغاء الحكومة وتوزيع المال على الناس دون وجود مؤسسات مجتمع مدني.. أي بمعنى آخر.. الدنيا فوضى.. وهكذا دواليك.. ربما لأن فترة حكمه الطويلة تستدعي أن يأتي كل فترة بشيء شاذ ومختلف بل ومجنون، كي لا يشعر هو بالملل وهو يطوي السنين متشبثاً ومستمسكاً بالحكم.. ولا عجب أن يدافع عن صاحبيه فيمتدح الطاغية زين العابدين، ويقول بأن تونس ستندم.. أو بقوله "على تونس السلام".. ويثني على حسني مبارك ويترحم عليه.. في الوقت الذي اتضح للعالم بأسره بأن حسني مبارك يكاد يُسجل في كتاب جينيس ضمن أكبر عملية سرقة شعب في العالم.. ويزعم بأنه " لا يملك ثمن ملابسه!!".. إنه استخفاف بالناس وبالشعوب.. أن يحكمها أمثال هذا الطاغية المعتوه الذي تمتلئ ليبيا بملايين البشر أعقل وأفهم منه في إدارة شؤون البلاد، بل وأزعم بأن ليبيا لو بقيت دون حاكم.. لهي بأحسن حال بألف مرة من وجوده في رئاسة هذا البلد العربي الأصيل.
ومما زاد الطين بلّة.. أن خرج علينا ابنه " سيف الإسلام" - والإسلام من أفعاله بريء - في بيان مشئوم يكذب ويفتري على الله كذباً، ويصف الثوّار والمتظاهرين بأنهم خارجون على النظام " أي نظام أصلاً " وأنهم يريدونها أن تصبح حرباً أهلية! بل ويحذر من وقوع ذلك، في حين أنه لم يلتفت لجرائم والده الذي قمع الناس وصوّب عليهم أسلحته الثقيلة والتي لم يستخدمها اليهود في إبادتهم لأهل غزة كما فعل والده " المحترم " والذي يمتدحه ويزكيه، ولا أعرف لماذا يتمسك هؤلاء الطغاة بالحكم وكأن لسان حالهم يقول " لم نشبع سرقة ونهباً لأموال الناس "، والأدهى والأمر من ذلك عندما يحذر المدعو بسيف الإسلام.. يحذر الدول الغربية بأنها لن تسكت إذا قامت دولة أو إمارة إسلامية – على حد زعمه – في ليبيا مشابهة لما حدث في تونس ومصر، في تحريض واضح منه بل وقذر كذلك على الإسلام والمسلمين، وكأنها إشارة لأعداء الأمة العربية والإسلامية بأن يكونوا حذرين من الإرهاب والتطرّف و" البعبع " الإسلامي الذي صار فزّاعة يتعذر بها هؤلاء الطغاة من أجل أن يستنصروا الدول الغربية على شعوبهم.. مرسلاً برسائل واضحة لأصدقائه وأصدقاء والده الطليان وغيرهم من البريطانيين الذين دفع لهم تعويضات خرافية أو الأمريكان الذين أدّبوه وروّضوه بالحصار على ليبيا حتى خضع وتذلّل.
لقد سكت دهراً ونطق كفراً هذا الموصوف بلاعب كرة القدم أو بالمهندس – لا أعرف بالضبط - المسمى بسيف الإسلام وما هو بكفؤ حتى يحمل هذا الاسم وكما وصفه الشيخ القرضاوي بأنه سيف من سيوف الجاهلية.. فكان بفعلته ومقولته تلك كخنجر مسموم في جسد الأمة، ولا نعجب فأمثال هؤلاء هم الذين تعاونوا مع المستعمرين لبلادهم وخانوا الله ودينهم وأمانتهم وأوطانهم وتعاونوا مع أعداء الأمة ضد شعوبهم.. أمثال هؤلاء هم الذين قتلوا الشهيد " عمر المختار" ووشوا إلى الطليان وأخبروهم بمكانه حتى قتلوه وأعدموه " شهيداً " عند الله.. طهّر بدمائه تراب وطنه، بينما تلطّخ في الوقت ذاته تاريخ هؤلاء الخونة بدم الضحايا الأبرياء.. لهم من الله ما يستحقون في الدنيا والآخرة.
إن ما يغيظ حقا أن يقوم هذا المجنون معمّر القذافي وابنه المتكبر المتعجرف بالكذب عبر ادعاءاتهما بأن المتظاهرين ما هم إلا خونة أو تجار مخدرات أو "جرذان" على حد تعبير هذا الطاغية، والعالم بأسره يعرف تماماً من هم الخونة من أمثاله الذين باعوا مبادئهم أو المهلوسون من أمثال ابنه الذي يهدد ويتوعّد الناس ويحذر الغرب من خطر الإسلام والمسلمين، بل ويحذر من أن الناس سيقتتلون على البترول وأن المشاريع " الكبرى " ستنتهي إذا ما ذهب والده، وكأنه يقول بأن الناس من دون حكم والده أو حكمه من بعد والده سيضيعون وسيذوقون الهوان، ولم يعرف هذا المعتوه بأن الله هو الذي يرزق الناس جميعاً لا أمريكا ولا بريطانيا ولا إيطاليا التي جنّدته لديها بعد أن طردها أحرار وشرفاء ليبيا من أرضهم.
إن ما فعله هذا الرئيس المعتوه في شعبه يستحق بأن يصنّف ضمن جرائم الحرب أو التصفية العرقية التي نسمع عنها، ولا عجب أن يستعين بمرتزقة أفارقة لأنهم " أهل التصفية العرقية " ومتخصصون في حروب الإبادة، ولا نعجب كذلك من خائن لله وللدين وللوطن أن يأمر بقتل إخوانه وأبناء شعبه من المسلمين من أجل أن " يخلّد " على عرشه المزعوم كـ " ملك ملوك إفريقيا " ولم يدر بخلده لو لحظة واحدة أن قتل نفس مسلمة "واحدة" كفيلة بخلوده في نار جهنم فما بالك بقتل شعب مسلم أعزل.
قال الله تعالى: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير). فإننا نبتهل إلى الله أن ينزع ملك هذا الطاغية المتعجرف المتكبر وأن يحقن دماء إخوتنا في ليبيا وأن يزيل حكم هذا الطاغوت عن ليبيا وابنه وأتباعهما وأعوانهما وأن ينتقم منهم أجمعين وأن ينتصر للضعفاء والأبرياء والمظلومين.. اللهم آمين.. وللحديث بقية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
4827
| 15 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1959
| 12 فبراير 2026
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي الحضن الذي تتشكّل فيه القيم الأولى للإنسان. داخلها يتعلم الفرد معنى المودة والاحترام وتحمل المسؤولية، ومنها ينطلق إلى محيطه الاجتماعي أكثر توازنًا وقدرة على العطاء. وكلما كانت الأسرة متماسكة، انعكس ذلك استقرارًا على المجتمع، وكلما أصابها التفكك، ظهرت آثاره في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية. إن ظاهرة الطلاق أصبحت من الموضوعات التي تستحق التوقف والتأمل، لا من باب اللوم أو الإدانة، وإنما من منطلق الحرص على الأسرة بوصفها كيانًا إنسانيًا واجتماعيًا بالغ الأهمية. فالطلاق تشريع أباحه الله عند تعذر الاستمرار، لكنه يظل خطوة لها آثار عميقة تتجاوز الزوجين لتصل إلى الأبناء، ثم تمتد إلى المجتمع بأكمله. لم يعد الطلاق في بعض الحالات حدثًا نادرًا كما كان في السابق، بل أصبح حاضرًا في حياة كثير من الأسر، أحيانًا لأسباب كان يمكن تجاوزها بالحوار والتفاهم. ومع تسارع إيقاع الحياة وتزايد الضغوط المعيشية والنفسية، باتت الخلافات الزوجية تظهر بشكل أسرع، وأصبحت قرارات مصيرية تُتخذ في لحظات توتر، دون منح العلاقة الزوجية ما تستحقه من صبر ومراجعة وتقدير للعواقب. بين الأمس واليوم في الماضي، كان الخلاف الأسري يُنظر إليه على أنه جزء طبيعي من الحياة الزوجية، يُعالج بالحكمة والتدرج. وكان للأسرة الممتدة دور مهم في احتواء الخلاف، من خلال النصح والتقريب وتهدئة النفوس، بعيدًا عن التصعيد. كما كان اللجوء إلى القضاء يُعد خطوة أخيرة بعد استنفاد وسائل الإصلاح، وكان الهدف الأول هو الحفاظ على الأسرة واستقرارها قدر الإمكان. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد الاجتماعي في جوانب متعددة. تراجع دور الحوار داخل بعض البيوت، وضعف حضور النصيحة الهادئة، وأصبحت الخلافات في بعض الأحيان تنتقل سريعًا إلى المسار القانوني. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية، إلا أن ثقافة التروي والصبر لم تعد حاضرة بالقدر الكافي في بعض الحالات. ومن المهم التأكيد أن الحديث لا ينصرف إلى الحالات التي يكون فيها الطلاق ضرورة إنسانية أو شرعية بسبب استحالة العشرة أو وجود أذى حقيقي، فلكل حالة ظروفها الخاصة، وإنما المقصود هو تلك الخلافات التي كان يمكن تجاوزها لو أُحسن التعامل معها في بدايتها. الأبناء… الأثر الأعمق يظل الأبناء هم الطرف الأكثر تأثرًا بانفصال الوالدين، فهم لا يشاركون في اتخاذ القرار، لكنهم يتحملون نتائجه. وقد يترك الطلاق في نفوسهم آثارًا نفسية وسلوكية تمتد لسنوات، وتنعكس على تحصيلهم الدراسي، واستقرارهم العاطفي، ونظرتهم إلى مفهوم الأسرة في المستقبل. لذلك، فإن مراعاة مصلحة الأبناء يجب أن تكون حاضرة عند معالجة أي خلاف أسري. دور الدولة والمؤسسات وانطلاقًا من إدراك خطورة التفكك الأسري، عملت الدولة على تعزيز الأطر القانونية والاجتماعية التي تُعنى بشؤون الأسرة، فأنشأت محكمة الأسرة لتكون جهة متخصصة تجمع بين الفصل القانوني والدعم الاجتماعي والنفسي. ويعكس ذلك وعيًا بأهمية الحفاظ على كيان الأسرة، والسعي إلى معالجة الخلافات بروح إنسانية متوازنة. ما نحتاجه اليوم نحن بحاجة إلى إعادة ترسيخ ثقافة الحوار داخل الأسرة، وتعزيز مفهوم الزواج بوصفه ميثاقًا قائمًا على المودة والرحمة، لا مجرد التزام قانوني. كما نحتاج إلى نشر الوعي بأهمية اللجوء إلى الإصلاح قبل اتخاذ القرارات المصيرية، ودعم المبادرات التي تُعزز الاستقرار الأسري. فالطلاق، رغم مشروعيته، يظل تجربة مؤلمة تترك أثرًا عميقًا في جسد الأسرة. وقد يكون أحيانًا الحل الأخير، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى الخيار الأول. إن حماية الأسرة مسؤولية مشتركة، تبدأ من وعي الزوجين، وتمتد إلى المجتمع ومؤسساته، حفاظًا على جيل أكثر استقرارًا ومستقبل أكثر تماسكًا.
912
| 12 فبراير 2026