رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الرياح القادمة من واشنطن لا تبشر العرب بأي خير لأن فلسطين مرشحة لأن تصبح أولى الضحايا.
(١)
احتفال واشنطن بانتخاب الرئيس الأمريكي الجديد خطف الأضواء وصرف انتباهنا عن العرس المقام في تل أبيب بمناسبة بداية عهد «أمريكا الجديدة» التي تحتل إسرائيل في خرائطها موقعا أكثر تميزا من ذي قبل. ذلك أن الرئيس الجديد لم يتوقف منذ حملته الانتخابية عن توجيه رسائل الغزل والعشق لكل ما هو إسرائيلي. حتى دعا إلى حفل تنصيبه وفدا من قيادات غلاة المستوطنين، وأهدى إليهم سفيرا من أهلهم وفريقا من أنصارهم. ليس ذلك فحسب، وإنما إلى جانب محبته لهم فإنه لم يخف كراهيته للإسلام واعتزامه إقصاء المسلمين. وهو ما ظهر جليا في حفل تنصيبه الذي دعا إليه ممثلا للمسيحيين وآخر عن اليهود، لكنه تجاهل المسلمين ولم يدع أحدا منهم، ولا ينسى له أنه تحدث عن منعهم من دخول الولايات المتحدة، رغم أنه يحكم بلدا يعيش فيه أكثر من ثلاثة ملايين مسلم، ويحتل الإسلام فيه المرتبة الثانية بعد المسيحية، تتقدمان في ذلك على اليهود.
(٢)
لقد دأب بعض الحاخامات على وصف التطورات العربية المواتية لها التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة بأنها «معجزات» أهداها الرب لإسرائيل، إلا أن وصول الرئيس دونالد ترامب اعتبر في نظرهم «أم المعجزات»، لأنه سيحقق لإسرائيل ما لم يحققه لها السابقون. إذ يتوقعون في ظل رئاسته أن يختفي الحديث عن مشروع الدولتين الذي تحمس له سلفه الرئيس أوباما، كما توقعوا أن يطلق العنان للاستيطان وأن يعترف بإسرائيل دولة لليهود فقط، أما مسألة نقل السفارة إلى القدس فإن القرار فيها بات مفروغا منه ضمن مواقف أخرى تلغى القرارات الدولية التي تنتقد الممارسات الإسرائيلية. إلى جانب ذلك فمعركته ضد الإرهاب ستتجاوز قمع المقاومة في فلسطين ومحاولة تركيع الفلسطينيين، وستصل إلى حد الدعوة إلى إلغاء الاتفاق النووي مع إيران، وإضاءة الضوء الأخضر الذي يتيح لإسرائيل قصف المنشآت النووية الإيرانية.
هذا الكلام ليس استنتاجا من جانبي، ولكنه تلخيص لما أوردته أغلب الصحف الإسرائيلية خلال الأسابيع الأخيرة، وأحدث ما قرأته في هذا الصدد، مقال نشرته صحيفة «معاريف» في ٢٠/١ لجدعون ساعر الوزير السابق ومنافس نتنياهو على زعامة الليكود. إذ تحدث عن دلالات «الانعطافة الدراماتيكية لصالح إسرائيل في السياسة الأمريكية» كما نشرت صحيفة «يديعوت أحرنوت» مقالا في اليوم نفسه للجنرال عاموس يادين رئيس معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، تحدث فيه عن فرصة الضوء الأخضر لضرب المنشآت النووية الإيرانية.
صحيح أن بعض الكتاب الإسرائيليين حذروا من المبالغة في التفاؤل بوصول ترامب، ومنهم من كتب في صحيفة «هاآرتس» مذكرا بأنه رجل أعمال تهمه الصفقات قبل العهود والمبادئ والأخلاق، ولذلك فإن المراهنة عليه ليست مأمونة العاقبة تماما. إلا أن الأصوات المحذرة تظل استثنائية وغير مسموعة وسط ضجيج التهليل لوقوع «أم المعجزات».
ورغم أن الوقت لا يزال مبكرا للحديث عن معالم الانقلاب الذي يمكن أن يحدثه الرئيس الأمريكي الجديد في العالم، إلا أن ما أعلنه حتى الآن، حتى في خطبة استلامه السلطة جاء باعثا على التشاؤم في مختلف أرجاء العالم، بحيث لم يعد يرحب به سوى إسرائيل والأنظمة القمعية والاستبدادية حيثما وجدت.
(٣)
كل المقدمات تشير إلى أن إسرائيل ستكون على رأس الفائزين في ظل ولاية ترامب. وإذا كانت نتائج حربه على الإرهاب مشكوكا فيها، كما أن استهدافه إيران واتفاقها النووي أمر له حساباته المعقدة، فإن حركته وفرصته في الملف الفلسطيني تبدو أيسر بصورة نسبية. حتى أزعم أن الرجل إذا لم ينجح في تنفيذ وعده باستعادة «عظمة» أمريكا التي كانت عنوانا لحملته، فلست أشك في أنه سيحقق الكثير لإسرائيل التي تتوقع عصرا ذهبيا أثناء ولايته. وما يحققه لن يكون راجعا إلى عبقرية فيه، وليس فقط لكفاءة الإسرائيليين في الابتزاز، ولكن بالدرجة الأولى لتدهور وهشاشة البيئة السياسية العربية المحيطة. ولئن كان الرئيس الأمريكى قد قوبل بخليط من الاستياء والحذر في العديد من أنحاء العالم، فظاهر الأمر أن مساحة الترحيب به من جانب أنظمة العالم العربي أكبر. سواء لعدم اكتراثه بملف الديمقراطية وحقوق الإنسان أو لتركيزه على موضوع الإرهاب أو لموقفه المعادى لإيران ولبرنامجها النووي.
إزاء ذلك فلا مفر من الاعتراف بأن المنطقة العربية ستشهد في المرحلة المقبلة أمرين، أولهما التفاعل الإيجابي مع مجمل سياسات الرئيس الأمريكي، وثانيتهما انكشاف حقيقة العلاقة بين أغلب الأنظمة العربية وإسرائيل. وهي العلاقة التي أحيطت بالغموض عمدا خلال العقود الثلاثة الأخيرة على الأقل، ولكن ما هو غاطس منها بدأ يظهر بصورة تدريجية خلال السنوات الأخيرة.
في هذا الصدد بوسعنا أن نقول بأن عام ١٩٧٩ كان فاصلا في اختراق جدار الصمت والرفض بين العرب وإسرائيل، إذ في ذلك العام وقع الرئيس أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجين، التي فتحت باب التطبيع السياسي بين القاهرة وتل أبيب، وفي العام ذاته أعلنت الثورة الإسلامية في إيران، التي أثارت مخاوف الخليجيين، الأمر الذي مهد للتواصل بين الأجهزة الأمنية في بعض الدول الخليجية وجهاز الموساد الإسرائيلي. وهذا الاختراق للمشرق استمر طوال السنوات اللاحقة، وإن ظل مقصورا على قناة الأجهزة الأمنية في حين كان جهاز الموساد قد مد أذرعه إلى المغرب وتونس في وقت سابق.
جرى تطوير تلك العلاقات بمضي الوقت بحيث شملت بعض المثقفين ورجال الأعمال وبعض مسؤولي الدرجة الثانية، إلى أن بدأ بعض المسؤولين الإسرائيليين يترددون على منطقة الخليج في مناسبات مختلفة. وإضافة إلى عملية التطبيع مع السلطة المصرية فإن لقاءات بعض المسؤولين الخليجيين مع الشخصيات الإسرائيلية صارت تتم علنا في بعض العواصم الغربية. وكان السعوديون سباقون في ذلك (الأمير تركي الفيصل والجنرال أنور عشقي مثلا) ــ وبعد افتتاح مكتبين تجاريين لإسرائيل في دولتين خليجيتين (أغلقا فيما بعد) ثم افتتاح مكتب للوكالة الدولية للطاقة المتجددة شغله ثلاثة من الإسرائيليين في دولة ثالثة، إلى أن وصلنا إلى التنسيق السياسي فضلا عن الأمني بين إسرائيل وبعض الحكومات العربية، الأمر الذي فتح الباب لاتصالات مباشرة واجتماعات غير معلنة بين رئيس الحكومة الإسرائيلية وبعض الزعماء العرب. عبر عن ذلك بنيامين نتنياهو أكثر من مرة، كان آخرها أمام الكنيسيت يوم ١٥ يناير الحالي حين قال إن بلاده تقوم بتوطيد علاقاتها العلنية والسرية مع دول المنطقة، وبعد ذلك بخمسة أيام (فى ٢٠/١) ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن رئيس الأركان الإسرائيلي يائير غولان التقى في بروكسل على هامش مؤتمر لحلف الناتو رؤساء أركان جيوش عدة دول عربية هى: مصر ــ الأردن ــ الجزائر ــ البحرين ــ الكويت ــ المغرب ــ تونس.
خلاصة ما سبق أن التطبيع بين إسرائيل وبين أغلب الدول العربية أصبح واقعا وأن لحظة الإعلان عنه باتت وشيكة ومشكلته الوحيدة أنه تطبيع مع أنظمة وحكومات وليس مع الشعوب العربية، والجهد المبذول الآن يستهدف إزالة تلك «العقبة».
(٤)
يخدم ذلك الاتجاه ترويج وسائل الإعلام للادعاء بأن المعركة ضد الإرهاب ومواجهة التمدد والتهديد الإيرانيين يتقدمان على الخطر الإسرائيلي. وهو ما استثمرته إسرائيل حين ادعت بأنها تقف إلى جانب الدول السنية «المعتدلة» في مواجهة الإرهاب وإيران. وذلك خطاب لم يخل من تدليس، لأنه غض الطرف عن جريمة الاحتلال الإسرائيلي وسجل الدول العبرية في الإرهاب الذي لا يزال يمارس حتى الآن بحق الفلسطينيين، علما بأنني لا أعترض على إدراج الإرهاب والتمدد الإيراني ضمن تحديات المرحلة، لكن اعتراضي منصب على تجاهل التهديد الإسرائيلي وتراجع أولويته في معادلة الصراع.
الذي لا يقل خطورة عن ذلك محاولة إفساد الوعي العام وتشويهه، لخلخلة صمود الجماهير العربية وإصرارها على أن تصنف إسرائيل في مقام العدو الذي لا يجوز التصالح معه إلا بإزالة جريمة الاحتلال التي يصر عليها ويتمادى فيها.
لدى في هذا الصمود نموذجان. أحدهما مقال نشرته في ٢١/١ صحيفة «الحياة» اللندنية للكاتب الكردي السوري نزار أغرى دعا فيه إلى ما أسماه إلى «عقلنة» النزاع مع إسرائيل، وما قاله أن إسرائيل كغيرها من الدول احتلت أراضى أخرى وقتلت أعدادا من البشر كما قتل العراقيون والأتراك والإيرانيون من الأكراد مثلا. وتجاهل الكاتب أن جريمة إسرائيل أكبر، لأنها اقتلعت شعبا بكامله من أرضه وأحلت مكانه شعبا آخر. وهو ما لم يحدث إلا في تجربة الأمريكيين مع الهنود الحمر.
النموذج الثاني مقال نشرته صحيفة «الشروق» المصرية في ١٦/١ لباحث يدعى الدكتور طارق فهمي الذي انتحل صفة أستاذ للعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ولا ذكر له بين أساتذة الجامعة. ودعوته مستمرة إلى الانتقال بعلاقات مصر مع إسرائيل من التطبيع إلى التحالف الاستراتيجي وحبَّذ في مقاله المذكور «تنمية علاقات مصر مع الولايات المتحدة من منطلق استراتيجي بالتنسيق مع إسرائيل والأردن في إطار مخطط أمريكي لبناء شراكة على أسس جديدة تضم مصر والأردن وإسرائيل»، الأمر الذي أدعى أنه يعطى لمصر دورا حيويا ومباشرا.
فى القاع الذي وصلنا إليه ألغى الكاتب العالم العربي والقضية الفلسطينية ودعا إلى تحالف ثلاثي يضم مصر والأردن وإسرائيل في إطار مخطط أمريكي. لا أعرف من يمثل الكاتب لكن دعوته للانبطاح أمام إسرائيل والولايات المتحدة تعد جهرا بالفاحشة السياسية وتستدعى السؤال التالي: ماذا يسمى ذلك في مفردات لغة الضمير العربي؟.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
3576
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2592
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2352
| 15 أكتوبر 2026