رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
جيء بالهرمزان أسيراً عند أمير المؤمنين عمر الفاروق - رضي الله عنه وأرضاه - وقد كان نائماً. فحدث أن صار لغطٌ وارتفعت الأصوات بالمسجد حوله، حتى قام عمر من نومه، ثم نظر إليه فقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم. فتأمله وتأمل ما عليه، وكان يلبس ديباجاً وذهباً مكللاً بالياقوت واللآلئ. فقال: الحمد لله الذي أذل هذا وأشياعه. يا معشر المسلمين، تمسكوا بهذا الدين واهتدوا بهدي نبيكم، ولا تبطرنّكم الدنيا فإنها غدارة.
ثم توجه للهرمزان قائلاً: كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟ فقال: يا عمر، كنا وإياكم في الجاهلية. كان الله قد خلّى بيننا وبينكم فغلبناكم إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا. فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا. ثم أتبع ذلك عمر بقولته المشهورة: « نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله «. إنها الحقيقة، وقد أثبتتها الأيام بالتجارب والوقائع. فما من مرة ابتعد المسلمون عن دينهم واشتغلوا بالعاجلة أكثر من الآخرة، إلا ضرب الله عليهم الذلة، وأصابهم من البلاء والوباء الشيء الكثير. والحديث الصحيح واضح لا يحتاج لكثير من الشروحات والتفصيلات: توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعـن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت.
من مشاهد العـزة
ربما كثيرون منا يذكر الحوار الذي دار بين الصحابي ربعي بن عامر وقائد جيوش الفرس في القادسية رستم الذي سأل ربعي عن سبب قدومهم إلى بلاده، فشرح له الأسباب حتى طلب رستم مهلة ليتفاكر مع قادته. فأمهله ربعي يومين، لكن رستم طلب أكثر ليخاطب رؤساءه في المدائن. فقال له ربعي: إن رسول الله قد سنَّ لنا ألا نمكّن آذاننا من الأعداء، وألا نؤخرهم عند اللقاء أكثر من ثلاث، فإني أعطيك ثلاثة أيام بعدها؛ اختر الإسلام ونرجع عنك أو الجزية. وإن كنت لنصرنا محتاجاً نصرناك، وإن كنت عن نصرنا غنياً رجعنا عنك، أو المنابذة في اليوم الرابع، وأنا كفيل لك عن قومي ألا نبدأك بالقتال إلا في اليوم الرابع، إلا إذا بدأتنا.
قال له رستم: أسيدهم أنت؟ قال: بل رجل من الجيش، لكن أدنانا يجير على أعلانا - يعني إذا أحدنا أعطى وعداً فلا بد وأن ينفذه أعلانا - ثم عاد رستم يكلم قادته مستغرباً من منطق ربعي وقوته وثقته بنفسه، وهو محارب في جيش المسلمين وليس قائداً فيه. يتحدث رستم إلى قادته آملاً أن يقتنعوا بالصلح وتجنب الحرب. لكنهم رفضوا وعاندوا، فكانت القادسية الخالدة، ثم تبعها بعد حين من الدهر قليل، زوال دولة كسرى.
من مشاهد الذلة
بعد مشهد ربعي مع رستم حيث عزة المسلم وهيبته حين يلتزم بدينه، نجد مشهداً معاكساً وغاية في الذل والهوان. مشهد الإذلال الذي عاشه الخليفة العباسي المستعصم بالله، وهو من صنع ذلك بيده، بعد أن أضاع الأمانة وترك أمر الدولة في يد خائن من غير الملة، ابن العلقمي ومن معه، والذي اتفق مع المغولي المتوحش هولاكو لتصفية حاضرة من حواضر عزة الإسلام المتمثلة في الخلافة العباسية ببغداد. حيث أذعن الخليفة لشروط هولاكو خائفاً مرتعباً ذليلاً، بعد أن أقنعه ابن العلقمي بالصلح وتسليم المدينة من أجل صالح البلاد والعباد، كما ينادي بذلك صهاينة العرب اليوم ويطالبون حماس بتسليم أسلحتهم وطلب الصلح من الصهاينة ! وهكذا سلم الخليفة رقبته ورقاب حاشيته وقادته وعلماء الدولة، بل الدولة كلها لمتوحش لئيم مثل هولاكو، الذي لا يختلف عنه زعماء الصهاينة اليوم، فتسبب في هلاك حرث المسلمين ونسلهم، وتسقط الخلافة لأول مرة بعد قرون عدة.
العـرب والعـودة للجاهلية
واقعنا اليوم ومنذ أن انطلقت دعوات القومية من هنا وهناك، والاعتزاز بها بعيداً عن الدين، يشير كما لو أننا قبل الإسلام، وهو ما نجح فيه الاستعمار أو الاستخراب منذ أكثر من قرن من الزمان. عدنا قبائل متفرقة متناحرة، لا يجمعنا دين ولا تهمنا قضايا الأمة، وأوضح شاهد ودليل على الوضع غير السار هذا، ما يحدث لقضية الأقصى كأبرز الأمثلة على ما نقول، والتي بدأت وهي في قلب المسلمين جميعاً منذ استيلاء الصهاينة على المسجد، حتى إذا ما تحمس العرب ورفعوا شعارات القومية وعروبة الأقصى، وجدت المسلمين من غير العرب، قد رفعوا أيديهم عنها تدريجياً..
من هنا، ووفق ذلك المفهوم والشعار، لا تجد اليوم تلك الحماسة أو الغيرة المطلوبة تجاه الأقصى من الباكستاني أو الماليزي أو التركي أو الأفريقي أو غيرهم من المسلمين غير العرب. وهكذا مع الأيام وتعميق فكرة فصل القضية عن الدين، ضاقت الدائرة عليها حتى وصل الأمر إلى اعتبار الأقصى قضية فلسطينية بحتة، لتجد كثيرين من العرب وقد انسحبوا بعيداً عن الأقصى، لينتشر تبعاً لذلك مصطلح « القضية الفلسطينية « في وسائل الإعلام، ويقصد بها احتلال فلسطين ومشاريع تهويد الأقصى، وبالتالي على الفلسطينيين أنفسهم الدفاع عن القضية، لتأتي تبعاً لذلك المتردية والنطيحة من الداخل الفلسطيني المصنوعة أمريكياً وصهيونياً، لترفع شعارات الدفاع عن الأقصى، وهم أول من باعوا القضية وتعاونوا أمنياً مع المحتل الصهيوني على تصفية ما تبقى من قضية، وتصفية من بقي للدفاع عنها.
وهكذا ضاقت الدائرة لتجد اليوم أن القائم الحقيقي الباقي لحماية الأقصى والإبقاء على جذوة الجهاد والدفاع عنها متقدة، هي حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وفصائل مقاومة أخرى ثانوية، ذات توجه إسلامي. ومن هنا تجد اليوم، بعد أن انكشف الكثير من المستور وخاصة في عدوان الصهاينة الجاري على غزة منذ شهر من الآن، أن تجمّع الغرب المنافق مع الصهيونية النازية وعرب مطبعين وآخرين مخذّلين في معسكر كافر لئيم واحد، ضد معسكر الإيمان وحفظة القرآن في غزة.
أمة لا تموت
أمة الإسلام، وحتى لا يضيع حبل الموضوع منا، ما ظهرت لتموت، بل لتبقى إلى يوم الدين. قد تضعف وتنتكس مرات ومرات، لكنها تعود ولا تموت. إذ مع الوباء المغولي الذي سيطر على عالم المسلمين حيناً، كانت في وقت انتشار ذلك الوباء والبلاء، نبتة تزهر وتنمو وتمتد جذورها إلى الأعماق، ويقوى جذعها وتتماسك أغصانها شيئاً فشيئا، هي تلك القبيلة البدوية من أتراك الأوغوز بقيادة سليمان شاه، ومن بعده ابنه الغازي أرطغرل، حتى أقامت خلافة إسلامية ودولة مرهوبة الجانب تحكم نصف العالم تقريباً، بل وينال أحد خلفائها وهو محمد الفاتح، شرف فتح القسطنطينية وتحقيق البشارة النبوية، في تأكيد جديد لحقيقة لا تتغير، هي أن نيل العزة والمهابة إنما بالدين، فمهما ابتغينا العزة بغيره، أذلنا الله كما قال الفاروق عمر رضي الله عنه.
غزة العـزة
اليوم تعيش الأمة في مشهد مماثل أثناء انتشار وباء المغول والتفرقة التي كان عليها المسلمون. مشهدٌ أثار إعجاب وتعاطف وتأييد جُل العالم، في سابقة تاريخية. مشهد عدوان صهيوني نازي على ثلة مؤمنة صابرة محتسبة في غزة العزة لأكثر من شهر ونصف الشهر، وانكشاف نفاق الغرب والشرق، وظهور خفايا دولة الاحتلال، وخفايا ما حولها من دول ومؤسسات وأفراد.
غزة اليوم هي ومضة من ومضات تاريخية ظهرت وما زالت تظهر هنا وهناك في العالم الإسلامي، تعلم الأمة الصامتة أو المقيدة، معنى الاعتزاز بالدين وعدم الخشية من كيانات وماديات، طالما القلوب معلقة بيد القوي العزيز. وقد ظهرت نتائج ذلك التعلق القلبي بالله في ميدان العزة بغزة، بصورة أثارت انتباه وإعجاب العالم غير المسلم قبل المسلم، حتى رضخ العدو بعد معارك حاسمة مستمرة، لهدنة إنسانية وفق شروط المقاومين الكرام، لتتأكد حقيقة تاريخية متكررة بأن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، وأن هذا العدو لا يفهم لغة غيرها في التعامل. الشاهد من الحديث أن مشاهد غزة المتنوعة، وصمود كتائب القسام ومن معهم، إنما هي بذرة طيبة لشجرة العزة والعلو، والتي لا شك أنها ستظهر شيئاً فشيئا، وتستوي على سوقها، وسيعجب بها كثيرون، فتكون بإذن الله، إشارة بدء نهضة جديدة، تُنهي وباء الصهيونية الظالمة مع الرأسمالية المتوحشة، وبقية قوى الشر والطغيان المتناثرة هنا وهناك على شكل دول ومؤسسات وهيئات، والتي ما زادت العالمين غير تخسير.. ( ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا ).
لا يسمعون فيها لغواً
لاحِظ معي أنّ الله عز وجل يكافئ عباده المتقين في الجنة، ليس فقط كما نتخيل من جزاءات مادية... اقرأ المزيد
462
| 03 سبتمبر 2026
لن يضروكم إلا أذى
دعوة الإسلام قضت عشرة أعوام مكية بقيادة النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، تؤسس وتبني دون دخول في... اقرأ المزيد
387
| 26 أغسطس 2026
إن الإنسان لربه لكنود
حين يقسم الله عز وجل بمخلوق من مخلوقاته العظيمة، كالسماء والأرض والنجوم والأوقات وغيرها، فإنما ذلك لبيان حقيقة... اقرأ المزيد
342
| 19 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5811
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2988
| 29 سبتمبر 2026