رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تدور في مصر حوارات حول كيف يمكن الحيلولة دون مواجهة دامية بين أطياف الوطن الواحد؟
طرح السؤال في حد ذاته يحمل دلالة انسداد مسارات التفاهم والرؤى والحوار للاتفاق على طبيعة المرحلة الانتقالية ومهامها، خاصة أنها مرحلة طالت وجرى فيها من الوقائع والدماء ما يؤكد أن السمة الأساسية في مصر بعد الثورة هي الصدام وليس الوفاق، وأنه جرى الانقلاب الفعلي على الثورة، وانقسم المجتمع إلى من يريد استكمال التغيير بتحقيق حاجاته المباشرة، ومن يحاول تثبيت أركان السلطة التي تولت أعقاب تخلي مبارك عن السلطة، واستقر الأمر تجاوزا في توصيف الصراع أنه بين قوى مضادة للثورة، وكان تحديدها ممكنا حصرا، وتحددت في المجلس العسكري والإخوان والداخلية والسلفيين وبقايا النظام السابق بكل مراكز الدولة وعناصر الرأسمالية التي ارتبطت مصالحها ونشأتها بتزاوج السلطة والثروة، وبين قوى الثورة وكان تحديدها مشوبا بالضبابية، فهم شباب الثورة تارة، وهم أصحاب المصلحة تارة أخرى، ولكن يمكن القول إنهم من رفضوا هزيمة إرادة الشعب التي تجلت خلال الأيام الأولى للثورة، وقبلوا بالتضحية والاحتشاد وتحملوا كل حملات التشويه والقتل والغواية، كانوا يدفعون الثمن، لتعود النتائج إلى عناصر معسكر الانقلاب على الثورة.
عندما وجد الشعب أن وطنه من دون إدارة قادرة للبلاد، وأن ثورته بلا قيادة أو تنظيم، تحمل بمبادرة منه مسؤولية الأمن المباشر للمنازل والأهالي، وكان هذا أقصى ما يمكن فعله بخبرته، ولكن هذا الفعل فتح باب الثقة في الإجابة على سؤال كان يتردد كلما كانت تلوح في الأفق احتمالات مواجهة مع العدو الصهيوني: ماذا سيفعل الشعب؟، وبتلقائية حول الشباب والرجال الشوارع والميادين إلى مربعات دفاعية، وكان كل قطاع يسلم المارين من سيارات أو أفراد للقطاع التالي له. مشهد اللجان الشعبية ومشهد حركة العشرين مليون مصري في الشوارع دون أي جريمة تذكر أو انفراط لعقد الوطن، كان رسالة إلى إسرائيل وإلى أمريكا، وكان نقطة انقلاب في طبيعة أي صراع قادم يتهدد مصر الوطن.
تقدير الموقف وفرز القوى صدق مع النفس ولا يقع تحت إرهاب أنه "شيطنة" للآخر، فالثورة حاسمة، فهي علم تغيير المجتمع، ومعيار الفرز لديها من يحقق أهدافها الشعبية ومن ينقلب عليها أو يختطف الإجراءات لصالح أهدافه الخاصة.
والصدق مع النفس أيضا يدعو إلى التسليم بأن السيناريوهات الأمريكية استطاعت أن توفق أوضاعها بعد استيعاب المفاجأة التي مثلها تحرك الشعب المصري، فإذا كانت طبائع الشعب المصري لم تتوقع منها أمريكا هذا التحرك، ولكن القدرة على إعادة تشكيل الموقف الأمريكي نجحت في التقاط طرف خيط السيناريو المواجه لثورة الشعب المصري، تغنت بما حدث وأنه درس للشعوب، وسارعت إلى وضع اللبنة الأولى لمخططها، وهو إعلان ضرورة الإسراع بتسليم "العسكر" للسلطة إلى حكومة مدنية. لم تكن أمريكا تقامر بإعلانها هذا، ولا كانت تبحث عن فضيلة الديمقراطية، ولكنها كانت تتحرك بناء على تحليل للقوى داخل المجتمع وإمكاناتها وقدراتها.
حدد السيناريو الأمريكي الهدف الرئيس بالحيلولة دون تكرار ما حدث ثانية، وأن ما حدث لا يحقق نتائج تمكن الإرادة الشعبية المصرية من سلطة القرار، وكان الهدف المباشر للسيناريو هو منع امتلاك الحركة الشعبية للقوة المنظمة الوحيدة في الدولة وهي القوات المسلحة، ولأن ذلك سيدعم وجود الجيش المصري وقدرته على التطور بالزخم الشعبي الناتج من الثورة، وهو أمر مناقض لهدف أمريكي إسرائيلي يستهدف تغيير العقيدة القتالية للجيش وتحويله إلى مقاومة للإرهاب وليس جيشا لحماية الوطن والدفاع عن مصالحه في الإقليم ومناطق المصالح المباشرة لمصر.
لم يستوعب المجلس الأعلى للقوات المسلحة المعني السياسي لثورة الشعب المصري، وقاد عملية الانقلاب عليها واختطافها، سواء بإرادته أو تسليما لدور وضعته الرؤية الأمريكية، وهو يستدعي سؤالا لم يطرح من قبل بشقيه:
أولا: لماذا جرى اختزال الثورة في تعديلات دستورية لتداول السلطة دون إدراك لدلالات أهداف الثورة في "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"؟
ثانيا: لماذا اختير المستشار طارق البشري رئيسا للجنة التعديلات وليضم إليها عناصر الإخوان دون القوى الأخرى؟
قد يرد البعض بأن هذا هو الاتفاق بين عمر سليمان رئيس المخابرات الأسبق وبين الإخوان، ولكن ألم يكن هذا الاتفاق ضمن سياق بقاء النظام وتفريغ الميدان من المعتصمين وليس ضمن سياق إسقاط رأس النظام وكذلك عمر سليمان؟
ثم لماذا رشح عمر سليمان نفسه لمنصب رئيس الجمهورية، ولتتضمن أوراق ترشيحه خطأ لا يفعله إنسان عاقل بأن تنقص أوراقه 31 ورقة عن شرط العدد؟
ولماذا جرت محاولة اغتيال عمر سليمان، ولم يفتح فيها تحقيق حتى الآن؟
ومازال السؤال المتردد في مصر، هل كانت وفاة عمر سليمان طبيعية أم أنه قتل؟
وإذا كان عمر سليمان قد غاب بالوفاة، فهل عملية إخراج حبيب العادلي من وزارة الداخلية بعد وقائع يوم 28 يناير 2011 هي عملية اعتقال قتل فيها عدد من أفراد القوة القائمة بالاعتقال وهم من المخابرات، أم أنها كانت عملية إنقاذ له من حصار المتظاهرين لمبنى الداخلية؟ ولماذا لم يتم التحقيق في هذا الأمر؟
نعبر كافة الوقائع التفصيلية لنصل إلى واقعة الهجوم على معبر رفح والذي راح ضحيته 16 ضابطا وجنديا مصريا في رمضان الماضي والتي أعقبها إقالة المشير طنطاوي والفريق عنان وبالتالي تفكيك المجلس العسكري.
شهدت سيناء قبل هذا الهجوم هجمات من جماعات إسلامية مسلحة وكانت دعوتها تحويل سيناء إلى إمارة إسلامية، والسؤال من دفع بهذه الجماعات ووفر لها التمويل والسلاح، ووفر لها نقاط ارتكاز للقفز إلى سيناء؟ وما دور الدول المحيطة وإسرائيل في هذا الاختراق؟
كانت هذه العمليات تلزم القاهرة، وكافة العناصر والتيارات فيها، أن تكون قراءتها للوقائع والعناصر والجغرافيا واحتمالات الخطر قراءة واحدة، ولكن الحقيقة أنها لم تكن كذلك، ولم نعرف بعد أوجه الاختلاف وماذا كانت المواقف في حينها؟
كان الموقف في القاهرة صراع على السلطة، وكان الموقف في سيناء صراع سلاح ودم. كانت المظاهرات في القاهرة تنادي بسقوط حكم العسكر، وكان الجيش مطالبا بمواجهة الجماعات المسلحة في سيناء. وكان تنظيم الإخوان صامتا على كافة المواجهات بين الجيش والمتظاهرين في القاهرة، وينتظر تنفيذ أجندة البشري الأمريكية لتسليم السلطة.
حسم الفقر والتكفير الديني كافة جولات التصويت، وبديلا عن حماية الوطن من انطلاق آلة العنف المسلح، جرى تصفية الصراع على السلطة في القاهرة، وضرب المجلس العسكري، وضرب معه الإعلان التكميلي، وأيضا التعهد الذي أعلنه طنطاوي باسم الجيش أنهم لن يسمحوا بتمكين جماعة أو تيار واحد من أمر الوطن، رغم أنهم لم يفسروا كيف سيحولون دون ذلك؟
تم الانقلاب على الثورة بعزل الجيش عن الشعب، ثم إخراجه من معادلة القوى في المجتمع.
الأوضاع في مصر انتقالية ولا تؤسس لسلطة دولة، قد تتسلل جماعة إلى مراكز القوة والسيطرة ولكنها أمور مؤقتة وغير مستقرة ولا جذور لها، والحديث يتزايد عن همهمة داخل المؤسسة العسكرية وداخل جهاز الشرطة تحمل رفضا لما يجري.
المجالس النيابية والرئيس المنتخب هي ترتيبات في إطار المرحلة الانتقالية ومهمتها الوحيدة وضع الدستور وليس إعادة تشكيل الدولة، ومحاولات إضفاء الشرعية عليها هي استدعاء للصدام داخل المجتمع، تجلى في جمعة 12/10 وأكدت جمعة 19/10 أن الموقف السلبي للجيش والشرطة من أي صدام قادم حال دون تكرار وقائع العنف وأدى لغياب جماعة الإخوان عن الميدان.
جذوة النار مازالت تحت الرماد، والاختطاف والتفريط والخندقة يعجلان من إشعالها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12207
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11031
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3696
| 22 أكتوبر 2026