رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ضرب البرنامج النووي الإيراني هو الموضوع الأكثر جدلاً ليس بين القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية فقط، وإنما على صعيد الشارع أيضاً. هذه القضية هي من قضايا الاختلاف بين وجهتي نظر متعارضتين: الأولى تقف مع توجيه الضربة، والأخرى تقف الضد من هذه المغامرة غير المحسوبة النتائج والتداعيات. لربما أن هذا الاختلاف يعتبر الأبرز في تاريخ الكيان الصهيوني. في كل الحروب التي خاضتها إسرائيل ضد الأمة العربية(وبمن فيها الفلسطينيين) كان هناك شبه إجماع إسرائيلي على القيام بها. وصولاً إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية من كافة ألوان الطيف السياسي.الحرب المقترحة على إيران لا ولن تتميز بهذه الإيجابية. لذلك فإن الاختلاف يصب في صالح عدم توجيه الضربة.
نتنياهو من أول المتحمسين إلى الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية، وإزالتها عن الخريطة بحيث يكون من المتعذر على إيران استئناف نشاطاتها النووية.
كما يهدف رئيس الوزراء الصهيوني إلى تحجيم دور إيران المتعاظم في المنطقة،والذي يشكل مع الدور التركي: لاعبين جديدين في منطقة الشرق الأوسط،وذلك عكس ما تطمح إليه الدولة الصهيونية: بأن يظل دورها هو الحاسم والمقرر في المنطقة وفق تصورات رسمتها مع الولايات المتحدة لشرق أوسط جديد. نتنياهو ومنذ نجاحه في تشكيل حكومة ائتلافية مع الأحزاب الدينية واليمينية (وصولاً إلى الفاشية) اعتبر البرنامج النووي الإيراني التحدي والخطر الأول الذي يجابه وجود إسرائيل.جاء ذلك في خطاب له في جامعة "بار إيلان". مؤخراً طلب نتنياهو من حكومته (وقد أقرّت ذلك) منحه صلاحيات مطلقة تسمح باتخاذه القرارات منفردا بما فيها قرار إعلان الحرب. ودون انتظار رأي الحكومة أو مجلس الوزراء المصغر (الذي غالباً ما يعمل في حالات الطوارئ والقضايا الساخنة). نتنياهو وفقاً للعديدين من المراقبين والكتّاب "أصبح ملكاً متوجاً على الدولة"، فلم يحصل ولا لمرة واحدة في تاريخ إسرائيل أن جرى إعطاء رئيس وزراء كل هذه الصلاحيات،فوفقاً لها يستطيع نتنياهو: تحديد جدول أعمال الوزارة، وحتى منع وزراء من طرح أسئلة في حالات معينة،إضافة إلى تأخير طرح ما لا يراه مناسباً من القضايا وعدم التصويت عليها، حتى يضمن الأغلبية التي يريدها،ومنع الوزراء من التعليق الإعلامي على الحدث المعني. إن أبرز من يقف مع نتنياهو في توجيه الضربة لإيران: إيهود باراك وزير الدفاع. رئيس الموساد السابق أفرايم هاليفي الذي قال في تصريح له: "لو كنت إيرانياً لعشت في خوف طيلة الأسابيع القادمة".
من المؤيدين أيضاً كافة الأحزاب اليمينية والدينية والفاشية الداخلة في الائتلاف وغير أولئك أيضاً.
نتنياهو يريد توريط الولايات المتحدة مع إسرائيل في هذا الهجوم. من خلال الحملة المنظمة التي يقوم بها اللوبي الصهيوني في أمريكا. والهادفة إلى تعظيم الدور الإيراني في تهديد إسرائيل والولايات المتحدة. وعدم انتظار نتائج الانتخابات الأمريكية حتى توجيه الضربة. فأوباما وإدارته الحالية مع تشديد العقوبات على إيران، وقد اتخذ الكونغرس الأمريكي مؤخراً سلسلة منها لا يشك أحد في أن الرئيس أوباما سيصادق عليها وتعتمدها الإدارة الأمريكية الحالية كذلك العديد من الدول الأوروبية. باستثناء بعض الدول (ربما) والتي تريد للانتخابات الأمريكية أن تجري بسلاسة وألا ترى نفسها متورطة في حرب بسبب إسرائيل. وستكون أمام تحديات كبيرة أيضاً: احتمال أن تقوم إيران بإغلاق مضيق هرمز، ذلك سيؤدي إلى ارتفاع جنوبي في أسعار النفط.إمكانية حدوث دمار شامل في المنطقة. فإيران ستضرب كافة الأهداف الأمريكية فيها. دمار في إسرائيل بسبب الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى. إمكانية اشتراك حزب الله وسوريا في الحرب وما سيسببه ذلك من احتمالات ونتائج غير محسوبة.نتنياهو وإسرائيل عموماً يلعبان بورقة التنافس بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة.
وقد أعطى المرشح الجمهوري رومني ضوءاً أخضر لإسرائيل في ضرب المنشآت النووية الإيرانية عندما زارها مؤخراً. بما يعني أنه حتى لو قامت إسرائيل بتوجيه الضربة العسكرية لإيران. فلن تلقى لوماً ولا تعنيفاً من الولايات المتحدة؛ الأخيرة ربما ستجد نفسها مضطرة لمناصرة إسرائيل والمشاركة في العمليات العسكرية. فقد أعلن وزير الدفاع الأميركي بانيتا في تصريح سابق له قبل شهرين: "بأن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بإغلاق مضيق هرمز". كتّاب ومحللون سياسيون أميركيون يصبون في صالح مشاركة الولايات المتحدة في توجيه الضربة مثل الكاتب الأميركي ديفيد كرست، الذي يضرب على وتر "المصالح الأميركية في المنطقة" بما يتوجب حمايتها من خلال تغيير النظام في طهران أيضاً.وليس الاكتفاء فقط بضرب برنامجها النووي".
على الصعيد الإسرائيلي الداخلي: قررت الحكومة البدء بتدريبات سميت "بتحصين الجبهة الداخلة" تستمر لمدة أسبوع كامل وفي مركز هذه التدريبات، ضمان إرسال مئات آلاف الرسائل الإلكترونية وعبر الهواتف الخلوية، لإبلاغ الجمهور بالمطلوب في حالات الطوارئ إضافة إلى التدريبات العسكرية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي وهي كثيرة تقام بين الفينة والأخرى.كذلك تدريبات الدفاع المدني وإمكانية مواجهة الصواريخ والأسلحة الكيماوية. حسب المصادر الإسرائيلية فإن كل هذه التدريبات تتدرج في إطار الاستعدادات لاحتمال شن عدوان على إيران.
من أهم المعارضين لتوجيه ضربة عسكرية إسرائيلية إلى إيران حزب كاديما الذي يقوده وزير الدفاع الإسرائيلي السابق شاؤول موفاز،والذي انسحب مؤخراً من الائتلاف الحكومي.الحزب يقود حملة ساخن ضد نتنياهو متهماً إياه بالتصرف بعدم المسؤولية في الملف الإيراني.. من المعارضين أيضاً للحرب رئيس دولة الكيان شمعون بيريز ورؤساء الموساد والشاباك وهيئة الأركان الذين يرفضون الهجوم والتفرد في اتخاذ قرار الحرب.هؤلاء أيضاً لهم وزنهم الكبير في الشارع الإسرائيلي. المعارضون للحرب هم ضد أن تخوضها إسرائيل منفردة لكنهم مع الضربة إذا تم تنسيق ذلك مع الولايات المتحدة ومشاركتها.
أهم الصحف الإسرائيلية "يديعوت أحرونوت". هآرتس". "معاريف" تكتب بشكل شبه يومي عن مخاطر الحرب".. "يديعوت أحرونوت" كتبت مثلاً عن المليارات الأخيرة التي رصدتها إسرائيل لتطوير سلاح الجو. لكنها تستطرد: "إنه ليس مضموناً أن الطائرات الإسرائيلية.قادرة على تنفيذ العملية كاملة، والعودة دون أضرار إن كان على مستوى الأخيرة أو التزود بالوقود".
وأضافت: إن هجوماً على المنشآت النووية الإيرانية هو أكثر تعقيداً من الهجوم على المنشآت النووية العراقية في العام 1981. هآرتس "كتبت عن أن أكثر من نصف السكان في إسرائيل دون ملاجئ، حتى الكثير من الموجود لا يصلح للاستعمال".
"معاريف" نقلت تصريحاً لمسؤول في وزارة الصحة قال فيه: "إن عملية إقامة أقسام خاصة في المستشفيات محصنة وقادرة على مواجهة أسلحة كيماوية وغير تقليدية أخرى. تحتاج لثلاث سنوات أخرى".
إدارة المطافئ صرّحت بأنها ليس لديها القدرة لمواجهة سلسلة من الحرائق في آن واحد وكذا بالنسبة لدمار البينية التحتية.
مما سبق يتضح أن احتمالات القيام بضربة مساوية تقريباً للأخرى التي لا تتوقعها. لكن أصحاب الرؤوس الحامية في تل أبيب لا يعملون بمقتضى قوانين المنطق، الأمر الذي يجعل من احتمال الهجوم الإسرائيلي قائماً بنسبة أكبر من عدم حدوثها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5748
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2985
| 29 سبتمبر 2026