رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه الحكاية الأولى مهمة لتوضيح ما بعدها.. والحكاية أنني منذ سنوات كنت مسافرة إلى باريس وعندما وصلت إلى "الكونتر" بالمطار رفض الموظف قبول حقائبي لأني تأخرت نصف ساعة عن الموعد المفروض أن أكون فيه لإتمام إجراءات السفر، رجوته كثيراً أن يمررني بأي شكل لارتباطي بحجز فندق، وترتيبات كلها ستنهار بتأخري عن السفر لكنه رفض رفضاً باتاً، ولما قلت له إن الطائرة مازالت رابضة في مكانها لم تتحرك فما وجه الاستحالة في سفري، قال الطائرة الآن في حالة إقلاع، لا جدوى من أي محاولة للسفر، ولما أحس بفوران غضبي لقنني درساً في قوانين الطيران، ومواعيد الإقلاع، وضرورة الالتزام، كما أوصاني بضرورة قراءة التعليمات المكتوبة على تذكرة الطائرة التي احملها! أسقط في يدي، كلامه صحيح، وكما قال من أخطأ يتحمل، والطائرة ليست (أتوبيس) بإمكانه انتظار المسافرين على راحتهم، السفر التزام بمواعيد اقلاع، وهبوط، وأنظمة لا تهاون فيها، ولم أنطق بكلمة. اضطررت للعودة إلى بيتي، وضاع من اجازتي يومان وأنا أنتظر الموعد الجديد للسفر، وكان درساً تعلمت منه أن أكون أمام "الكونتر" في الموعد المحدد قبل (ساعتين) وأحيانا أكثر، في المقابل هناك حكاية أخرى لمسافرين لم يقرأوا مثلي موعد الإقلاع خطأ فتأخروا، وإنما ذهبوا إلى المطار قبل موعد فتح "الكاونتر"، يعني قبل الساعتين لوزن حقائبهم وتلافى الزحام، رحلتهم كانت يوم 17/7، أول أيام العيد برقم (1301) هؤلاء قرأوا موعد الإقلاع "صح" أي في الواحدة والنصف ظهراً، وعند وصولهم إلى "الكاونتر" لإنهاء إجراءات السفر فوجئوا بموظف "الكاونتر" يقول لهم الطائرة ستقلع في (الخامسة والنصف) بدلاً من الواحدة والنصف، ثم فوجئوا مرة أخرى بأن وقت إقلاع الطائرة المسجل على لوحة الإعلانات في (السادسة وثماني دقائق) واشتعل غضب المسافرين وبدأت المشادات، والتلاسن، ولم يجد الناس مسؤولا واحدا يجيب على أسئلتهم، أو يرد عليهم، وتعالى صوت الغاضبين لماذا لم تعلمونا "بمسج" وهذا ليس صعباً عليكم؟ لماذا لم يصلنا منكم موعد التغيير بمكالمة وهواتفنا لديكم؟ لا مجال لعودتنا إلى بيوتنا ثم العودة إلى المطار، منا من يسكنون مسيعيد، والشمال، ما العمل في أطفال يحتاجون رعاية خاصة، وكبار في السن من ذوي الاحتياجات الخاصة؟ لم يجب أحد، اللهم إلا قول أخينا الهندي (سوري) ماذا يفعل هؤلاء الغاضبون، المتعبون بـ(سوري) لا شيء! وللسادة المسؤولين (بالقطرية) أن يتصوروا حال الناس وهم لا يستطيعون العودة لبيوتهم، ولا الانتظار كل هذه الساعات على كراسي المطار وفيهم المتعب، والمريض، والأطفال النائمون!! والسؤال مسؤولية من كل هذا التأخير؟ مسؤولية مَن عدم إبلاغ المسافرين بمواعيد الإقلاع الجديدة؟ مسؤولية مَن ترك الناس لساعات طويلة دون حتى كوب ماء؟ مسؤولية من تجاهل إراحة هؤلاء المسافرين، وتجاهل تقديم الوجبات والماء، والعصائر، التي تقدم عادة في مثل هذه المآزق وهي حق للمسافر؟ كل هذه الأسئلة معلقة حتى يجيب عليها (مسؤول) لنعرف رأيه في أسر توافدت على المطار من العاشرة صباحاً ولم تترك أرض المطار إلا في السادسة والنصف مساء مع أذان المغرب دون أي رعاية، رغم أن قوانين الطيران المدني، تعطي الحق للمسافر الذي عطلته وأخرته خطوط الطيران الحق بفندق وإقامة ورفع دعوى تعويض مناسب للضرر الذي لحق به! الناس لم يتمتعوا بحق كوب ماء أو عصير أو حتى "سندويتشات" للأطفال، عانى المسافرون التجاهل و"التطنيش"، و"كل واحد يصرف حاله"!!
لا أنسى أن أقول إن بعض المسافرين على رحلة أول أيام العيد المتجهة إلى القاهرة لجأوا بعدما تعبوا بأطفالهم وذويهم، وشبابهم المتعبين إلى فندق بالمطار، وتكلفوا دفع إقامة، ووجبات، ومن العدل أن يسترد هؤلاء ما تكلفوه من الخطوط القطرية، وهذا أقل حقوقهم بعد يوم من العذاب، وقلة الراحة، والغضب، والانفعال، والإرباك في يوم المفروض أنه يوم بهجة وعيد.
المسافرون في ذلك اليوم المملوء بالتعب على الرحلة رقم (1301) ينتظرون إجابات أي مسؤول بالقطرية عن أسباب "بهدلة" الناس بساعات انتظار لم يصلهم بها إشعار، ولا تنبيه، ومن الضروري أن نذكر بالمسؤول الذي أعطاني درساً في ضرورة الالتزام بمواعيد الحضور إلى المطار في الوقت المحدد لإنهاء إجراءات السفر عندما ألغي سفري إلى باريس، وأكد على أن للطيران قوانين يجب أن تراعى، وتحترم، ولا يجوز تجاوزها!! نعم أوافق جداً على أن للطيران قوانين لا يجوز تخطيها ولا تجاوزها وإلا تحولت (الطائرة) إلى (قطر قشاش) لكن من العدل، والإنصاف أن يلتزم الطرفان المسافر، والشركة الناقلة بتلك القوانين التزاماً تاما حتى لا يكون الأمر من صوب المسافرين شديد العقاب ومن صوب الخطوط الجوية رؤوف رحيم!!
عموما ننتظر مسؤولا يرد على أسئلة الناس، وأسباب الاستهانة بهم، وبمتاعبهم، ودوختهم، وبهدلتهم، وضياع فرحة عيدهم، وتكلفتهم في الفنادق، وإهمال العناية بهم، مع أسباب تكرار ذلك لمرات، ويقيني شخصيا أن أي مسؤول لن يستطيع تقدير معاناة المسافرين ذلك اليوم العجيب إلا إذا جربها، وكان أحد المسافرين المعذبين بها، ويا ريت يعلمنا أي مسؤول ما الوسيلة الناجعة لحماية المسافرين من تكرار (البهدلة) مرة أخرى في رحلة سفر مفروض أن تكون سعيدة.
من يجده يتصل بنا!
* الشتاء يملك قدرة عجيبة على تجديد طعم الأحزان، وتجديد لسعة الألم، وحرقة الفقد! لي مع نهايات العام... اقرأ المزيد
1768
| 02 يناير 2017
هل نحفل حقا برؤوس الشباب المبدع
• كان يتحدث عن الشباب الهامد الخامد الذي ينام عن الابداع، قلت ياسيدي: الابداع ابن بيئته، أولا ارزع... اقرأ المزيد
1639
| 26 ديسمبر 2016
رسالة من قدم!!!
كم طائرة يا ترى تحركت من مطارات الدنيا وثكناتها لتطفئ حريق إسرائيل شفقة ورحمة بسارقي الأرض العربية؟ كم... اقرأ المزيد
3656
| 19 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4677
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3318
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026