رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا أستطيع أن أفترض البراءة في الحملة التي يشنها البعض في مصر هذه الأيام، رافعين شعار: معا ضد الشيعة.
(1)
خلال شهر أبريل الحالي عقد مؤتمران للترويج لتلك الحملة. أحدهما في الإسكندرية والثاني في مدينة كفر الدوار. وكانت تلك إشارة إلى أن السلفيين نذروا أنفسهم لتعبئة الرأي العام في محافظات مصر لمواجهة ما أسموه بالمد الشيعي، منذ الإعلان عن بدء تشغيل خط الطيران المباشر بين القاهرة وطهران، لأول مرة منذ 34 عاما. ومن خلاله تم نقل بعض السياح الإيرانيين لمشاهدة الآثار الفرعونية في مدينة الأقصر. هذا التطور أصاب البعض بلوثة وانتابتهم حالة من الهياج عبرت عنها أغلب المنابر السلفية التي ما برحت تهاجم الشيعة بأقذع الألفاظ وتحذر من نشر التشيع في مصر، تمهيدا للقضاء على الهوية السُّنية للبلد بما يمهد للتغلغل «الفارسي» فيها.
هذا إدعاء ساذج ومضحك لأنه افترض في المصريين البلاهة بحيث إنهم ــ من دون كل العرب ــ سوف يتخلون عن مذهب أهل السنة بمجرد أن تقع أعينهم على السياح الإيرانيين. كما أنه اعتبر أن أولئك السياح الذين سيقضون أياما معدودة في البلد يحملون معهم أساليب سحرية وجهنمية من شأنها أن تغسل عقول المصريين على الفور، وتغير ثقافتهم الدينية لتحولهم من التسنُّن إلى التشيع.
تجاهل هؤلاء أن الشيعة الذين يمثلون نحو 10٪ من المسلمين يعيشون إلى جوار أهل السُّنة منذ قرون في العديد من الدول العربية المشرقية بوجه أخص، ولم يحدث أن تحول فريق منهم إلى مذهب الآخر. كما تجاهلوا أن ست طائرات تسير رحلات يومية بين دبي وطهران، وأن أسرابا من الإيرانيين يذهبون إلى دولة الإمارات كل يوم ويعودون إلى بلادهم، دون أن يرتب ذلك شيئا من الانقلابات المذهبية أو السياسية التي يخوفوننا منها. وإنما ساعد على تبادل المنافع بين الجانبين، حتى وصل حجم التبادل التجاري بين إيران ودولة الإمارات إلى رقم يتراوح بين 10 و15 مليار دولار سنويا. لن أتحدث عن الإهانة التي يلحقها إدعاء الغزو المذهبي السياسي بمصر والمصريين، حيث لا يقيم وزنا لبلد التسعين مليون نسمة بعمقه التاريخي وثقله الحضاري والثقافي ويفترض فيه الخفة والهشاشة التي تجعله هدفا سهلا ولقمة سائغة للتشيع أو ما يسمى بالتغلغل الفارسي.
(2)
لقد توجه نفر من الذين أصابتهم اللوثة إلى مقر السفير الإيراني في القاهرة للإعراب عن غضبهم واحتجاجهم واستخدموا في ذلك نداءات فظة وكتابات بذيئة لا تليق بأهل التهذيب ناهيك عن أهل الدين. وهددوا بحصار مطار القاهرة لمنع السياح الإيرانيين من الخروج منه إذا ما هبطت طائرتهم على أرضه. وكانت رسالتهم التي رددها بعض رموزهم أنهم ليسوا فقط ضد احتمالات الاختراق المذهبي الشيعي ولكنهم أيضا ضد أي تعامل مع إيران الدولة. بما يعني أنهم ليسوا ضد المذهب فحسب، ولكنهم ضد تبادل المنافع والمصالح بين البلدين. وهو مسلك يثير الدهشة وتستوقفنا في سياقه تصريحات بعض القيادات السلفية التي ادعت أن عقيدة الشيعة أخطر من الصهيونية (الدكتور ياسر برهامي في 6/4/2013). بل إن من قياداتهم من اشترط للتعامل مع إيران أن تمتنع عن اضطهاد أهل السنة في الأحواز وغيرها، وأن توقف سفك دماء إخواننا في سوريا كما توقف القلاقل التي يحدثونها في الخليج. (القيادي السلفي بسام الزرقا المستشار السابق لرئيس الجمهورية في تصريح نشرته صحيفة الشرق الأوسط في 15/4) ــ وذلك كلام تحفل المواقع السلفية بأضعافه من حيث الكم، وبأسوأ منه من حيث النوع والمضمون.
هؤلاء الذين يثيرون الضجيج في الفضاء المصري لا يرون المصالح المصرية العليا، ولا الأزمة الاقتصادية التي يمر بها البلد بعد الثورة جراء عدم استقرار أوضاع الداخل وشبه الحصار المفروض من الخارج. ولا يعنيهم كثيرا أن يستفيد الاقتصاد المصري من السياحة الإيرانية ولا من تبادل المنافع والمصالح التجارية بين القاهرة وطهران ــ وربما لا تخطر على بالهم فكرة استعادة موقع ودور مصر ضمن أضلاع ما يعرف في الفكر الاستراتيجي بمثلث القوة في الشرق الأوسط المتمثل في الجسور الممتدة بين مصر وتركيا وإيران. ولست واثقا من أنهم على دراية كافية بأن الموقف الذي ينحازون إليه يلبي بالضبط المطلب الأمريكي والإسرائيلي من مصر. الداعي إلى إحكام الحصار حول إيران وكسر عنادها إزاء البلدين. هذه الاعتبارات كلها يتم تجاهلها لتعزيز التعبئة ضد الشيعة الأمر الذي يغذي الدعوة إلى إطلاق الحرب الموازية بينهم وبين أهل السنة. وهي التي يحلم بإشعالها الذين يسعون إلى تفتيت الشرق الأوسط بعد إنهاكه وإغراقه في أوحال مستنقع الصراع المذهبي، تمهيدا لإعادة رسم خرائطه من جديد.
(3)
أدري أن السلفيين ليسوا شيئا واحدا في العالم العربي، فالسلفية الجهادية التي ترفع السلاح والقريبة من تنظيم القاعدة لها وجودها في العراق وسوريا ودول المغرب العربي، لكنها ليست معروفة في مصر مثلا. رغم ما يقال من أن لها وجودا رمزيا في سيناء. والذين نتحدث عنهم في مصر أقرب إلى السلفية العلمية التي أميز فيها بين جناح الآباء الغيورين على الدين والذين كرسوا أنفسهم للدعوة ورفضوا الانخراط في العمل السياسي، وجناح الناشطين الذين خاضوا غمار العمل السياسي بعد الثورة، التي رفض أكثرهم الالتحاق بها من البداية وأدانوه (كان ذلك موقف الدعوة السلفية في الإسكندرية الذي أعلنه الدكتور ياسر برهامي). ورغم الاختلاف في المواقف إلا أن ثمة قواسم مشتركة بين السلفيين تتمثل في أنهم جميعا من أهل النص والحديث وليسوا من أهل الرأي، ثم إنهم يحاربون البدع والأضرحة في مقدمتها، كما يعتبرون المتصوفة والشيعة من المبتدعة، ولذلك فإن خصومتهم لهاتين الفئتين عميقة وتاريخية، واشتباكهم مع أتباعهما لم يتوقف، ووصل إلى حد الاقتتال في بعض الأحيان.
أدري أيضا أن السلفية وصف اصطلاحي أطلق على القرون الثلاثة الأولى من الدعوة الإسلامية وهي «الحلقات الموصولة بينبوع النبوة وتعاليم الرسالة»، كما يذكر الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه الذي اختزل فكرته في عنوانه: السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي. لكن هذا المعنى الذي تحدث عنه تراجع بصورة تدريجية، حتى أصبح السلفيون في العصر الحديث جماعة بذاتها لهم مواصفاتهم التي سبق ذكرها والتي تميزهم عن غيرهم من المسلمين، إذ صاروا أصحاب مذهب قاعدته الأساسية في المملكة العربية السعودية، التي ظهر فيها الإمام محمد بن عبدالوهاب في القرن الثامن عشر رافعا لواء التوحيد ومعلنا الحرب على البدع والخرافات التي انتشرت حينذاك في الجزيرة العربية، وجذبت هذه الدعوة كثيرين في العالم العربي بوجه أخص، وكانت الإمكانات المادية التي توافرت للملكة عنصرا مساعدا على نشر المذهب ومساندة أتباعه في كل مكان وصلت إليه الدعوة. وبسبب تلك المساندة حدث ربط تقليدي بدرجات متفاوتة بين سياسة الدولة السعودية وبين المد السلفي بمختلف أشكاله. إلا أننا لا نستطيع أن تستبعد أيضا الدور الذي لعبته أجهزة الأمن المصرية في تعاملها مع السلفيين في ظل النظام السابق، حيث شجعت بعضهم و«تعاونت» معهم بمظنة أن ذلك يمكن أن يسحب البساط من تحت أقدام الإخوان، الذين خاصمهم نظام مبارك.
لقد ظلت الحركة السلفية في مصر متماسكة بصورة نسبية طوال مرحلة ما قبل الثورة، ساعد على ذلك أنها كانت مهتمة بالدعوة وبالعمل الاجتماعي، وكانت تعتمد على شيوخ لهم باعهم في العلم ومنهم من تمتع بجاذبية أو شعبية أكثر من غيره، وظلوا خلال تلك الفترة على قناعتهم بأن تشكيل الجماعات والأحزاب من مداخل الفرقة المذمومة، إلا أن الوضع اختلف في ظاهره حين تشكلت في تسعينيات القرن الماضي الدعوة السلفية في الإسكندرية في كيان منفرد لم تعهده الحركة من قبل. وظهر على السطح آنذاك الدكتور ياسر برهامي مع أقرانه الذين تخرجوا في كلية الطب وكانت بداياتهم مع الجماعة الإسلامية التي انفصلوا عنها لاحقا. وخلال تلك الفترة ظلت الحركة السلفية نشطة في الدعوة وبعيدة عن العمل السياسي المباشر. إلا أن قيام الثورة في عام 2011 قلب المشهد رأسا على عقب.
(4)
حين عادت مصر كلها إلى السياسة بعد الثورة لم يستطع أغلب السلفيين مقاومة جاذبيتها فدخلوا مع الداخلين. ومن ثم انتقلوا من ساحة الدعوة التي خبروها إلى عالم السياسة الذي لم تكن لهم علاقة به. وهو ما استدعى انتقالهم من مخاصمة الأحزاب والنفور منها إلى التلهف على تشكيل الأحزاب والتطلع إلى صدارتها. في البدء ظهر حزب النور بالإسكندرية في عام 2011 ليكون واجهة للحركة السلفية وذراعها السياسية. ثم انفتحت الشهية لدى الآخرين، فلم يستطع الأقران مقاومة الإغراء، فأصبح لديهم في السنة الثانية للثورة ثمانية أحزاب التفت حول أشخاص وليس حول أفكار وبرامج. ذلك إلى جانب الشيوخ الذين صار لكل منهم أتباعه ومريدوه وبرامجه التلفزيونية، حتى حزب النور نفسه انشق وخرج من عباءته حزب «الوطن» الذي أعلن عنه في بداية عام 2013 الحالي. وحين خاضوا غمار السياسة فإنهم اكتشفوا أنهم افتقدوا مرجعية النص والحديث الذي هو قوام بنائهم الفكري، وصاروا في قلب ساحة الرأي الذي عزفوا عنه واستهجنوه. وبمضي الوقت استسلموا للفتنة الجديدة، حتى بدوا من هذه الزاوية وكأنهم انصرفوا عن السلف واتجهت أبصارهم إلى حظوظ الخلف. إذ صاروا مشغولين بحصتهم في الوزارة والإدارة وفي غير ذلك من المناصب والوجاهات السياسية. وفي بعض الاجتماعات الرسمية كانوا يتحدثون صراحة عن تلك الحصص ويشكون من الغبن الذي أصابهم فيها. والوجاهات لم تكن سياسة أيضا، ولكنها صارت إعلامية أيضا، حيث جرى التسابق على شاشات التلفزيون، الأمر الذي استدرجهم إلى الخوض في العديد من أمور الدنيا من السياسة إلى الأدب والفن مرورا بالقضايا الإقليمية والدولية، الأمر الذي ورطهم في مشكلات عدة خصوصا مع الفنانين والأدباء من نجيب محفوظ إلى باسم يوسف مرورا بإلهام شاهين.
في الآونة الأخيرة رأينا غضبهم شديدا من السياح الإيرانيين لكن أحدا منهم لم يسمع له صوت احتج أو غضب لقدوم السياح الإسرائيليين. ووجدنا أطرافا منهم مدت جسورها مع فلول النظام السابق في لقاءات تمت بعيدا عن الأضواء. وحاولت القيام بأدوار محيرة في ساحة الصراع الداخلي بين المعارضة والسلطة. وأثيرت علامات استفهام حول أنشطتهم في الخارج، بعدما تردد أن مائتين منهم سافروا إلى السعودية في شهر فبراير الماضي لعمرة استغرقت أسابيع. وتسربت أنباء عن سفر آخرين منهم إلى تركيا للمشاركة في القتال الدائر بسوريا لإسقاط النظام «العلوي» المتحالف مع الشيعة. وإذا أضفت إلى ذلك الممارسات التي أقدم عليها بعضهم في عملية وضع الدستور (المزايدة على الجميع في مسألة الشريعة مثلا). وفي لجان مجلس الشورى (اقتراح إلغاء تدريس اللغة الإنجليزية مثلا) أو تلك التي تورط فيها البعض الآخر في المجال العام ممن لجأوا إلى تجريح عقائد الأقباط وهدم بعض الأضرحة أو رفض تحية العلم، إذا لاحظت كل ذلك فستجد أن الناشطين السياسيين منهم أصبحوا عبئا على الوضع المستجد بعد الثورة وليس إضافة. (مشكلاتهم في تونس أكبر ومعركتهم مع السلطة أكثر شراسة).
لا غرابة والأمر كذلك أن يتراجع رصيد السلفيين في مصر، وأن يتوزع رأي الناس من غير أنصارهم فيهم بين فريقين، أحدهما يخاف منهم والثاني يخاف عليهم.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1027
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
672
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2532
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2292
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1188
| 11 أكتوبر 2026