رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بدأت في النرويج محاكمة أندرس بيرينغ بريفيك، القاتل الذي أرعب مجتمعات أوروبا الصيف الماضي حين فجَّر سيارة مفخخة بالقرب من مركز رئاسة الحكومة في أوسلو قبل أن ينتقل إلى مخيم شبابي في ضاحية أوثويا ليطلق النار على كل من استطاع رؤيته، إلى أن حاصرته الشرطة وقبضت عليه.
كانت الحصيلة سبعة وسبعين قتيلاً خلال بضع ساعات في جريمة هي الأبشع التي يشهدها النرويجيون منذ الحرب العالمية الثانية، أي منذ نحو ستة عقود.
كان الجدل الذي طغى على افتتاح المحاكمة يتعلق بالحال العقلية لبريفيك، ذاك أن الرأي العام، ومن ثم القضاء توصلا إلى اقتناع أولي بأن من يرتكب هذه الجرائم لابد أن يكون مختلاً عقلياً, وفي العادة يختبئ المتهمون ويتحمس المحامون لأي تقرير طبي يفيد بمثل هذا الاختلال، كونه نصف الطريق نحو "البراءة"، ثم أنه يزعزع المحاكمة ويلقي بثقل على القضاة، ويتيح للدفاع أن يقول إن المتهم تصرف تحت تأثير حال غير طبيعية ولم يكن يعي ما يفعله، في أقل تقدير، هذا يمكن أن يخفف العقوبة، وأصلاً ليس في القانون النرويجي ما يمكن القضاة من الحكم بالإعدام، هذه العقوبة ملغاة منذ عام 1905.
الحاصل هو أن المجرم ومحاميه رفضوا أي تشكيك في الملكات العقلية أو النوازع النفسية لبريفيك، وإذ أغضبه ما توصل إليه الأطباء وكتب هذا الأخير رسالة من خمسة وثلاثين صفحة وجهها إلى كل وسائل الإعلام يفند فيها مائتين وعشرين نقطة ليبرهن أن التقرير النفسي كان خاطئاً، بل استخلص أن هذا "أسوأ"، ما يمكن أن يحدث له، معتبراً أنه "الإهانة القصوى" التي يتعرض لها "ناشط سياسي" بأن يرسل في نهاية المطاف إلى مستشفى عقلي، فبهذا في نظره "أكثر ترويعا له من قتله" كان الاختصاصيون اعتبروا أن شخصاً مزهواً بالجرائم التي ارتكبوها ويبتسم متفاخراً كلما رأى صورة في الصحف أو على شاشات التلفزة "لا يمكن أن يكون شخصاً عادياً"، لكنهم اضطروا أمام إلحاحه إلى إصدار تقرير ثان يكتفي بعرض ردود فعله من دون الجزم باختلاله عقلياً.
بناء على ذلك انتقل بريفيك إلى الخطوة التالية من استراتيجية محاكمته. إذ دخل قاعة المحكمة رافعاً قبضته بالتحية الفاشية فور فك قيوده، وبعدما تليت الوقائع سأله القاضي هل يعترف بها، فأكد الاعتراف لكنه ينقضه بالقول: غير مذنب، كيف ذلك؟ يشرح محاميه أنه تصرف بدافع "الدفاع عن النفس" ضد المهاجرين المسلمين الذين صادروا بلاده، النرويج! ولذلك فإنه مستعد لتكرار ما فعله إذا سنحت له الفرصة ثانية.
وهكذا ستكون لبريفيك المحاكمة السياسية التي حلم بها، لكن المحكمة ستحاول طوال الوقت أن تتمسك بوقائع المقتلة التي أقدم عليها، أما هو فيريد أن يسألوه عن دوافع القتل وأسبابه طالما أنه أقر بأنه قتل ولا يبدي أي شعور بالذنب أو بالعار، ولا بالندم أو التوبة، وبالنسبة إليه فإن الهدف السياسي يبرر ما فعله، ولا يمكن المحكمة من أن تحاكمه أو تجادله سياسياً، وإلا فإنها ستتحول إلى محكمة لآراء مهما بلغ تطرفها لا يجوز أن تسأل طالما أن صاحبها انتقل إلى القتل، وبالتالي فإن المتهم الذي يمثل أمامها ارتكب جرائم، ولا يهم بعدئذ ما يقوله لتبريرها، والمعروف مسبقاً أن العقوبة القصوى في النرويج هي واحد وعشرون سنة سجناً، غير أن جدلاً آخر يدور حالياً حول إمكان تمديدها، لأن بريفيك يشكل حالة خاصة تجعل منه تهديداً دائما للمجتمع، وهو لا ينكر ذلك إذ كرر أنه مستعد للقتل في أي فرصة جديدة.
الناجون من المجزرة وأهالي الضحايا وقطاع كبير من الرأي العام استاؤوا من تركيز الجدل على الحال العقلية للمتهم بدل تسليط الضوء على بيئة اليمين المتطرف التي خرج منها، خصوصاً أنه تبرع بالقول إن ثمة خليتين تتأهبان للتحرك مثله. هذا سيحيل بدوره، إلى اشتباه الناس بأن محدودية القضاء لا تحميهم، فهذا قاتل يبدو أمام قضاته كأنه هو الذي يحاكمهم، بل يحاكم سياسات الدولة من خلالهم، ليقول إنه كمواطن أوروبي غربي يعتنق قيم الغرب أصبح يشعر بالغربة في مجتمعه الذي يتعرض لغزو المهاجرين، بالأحرى المسلمون، وهؤلاء ينقلون عاداتهم وطقوسهم، ما يعني أنهم في صدد تغيير طبيعة مجتمعه. وقد سبق له أن بث على موقعه على الإنترنت، ما سماه "المانيفستو" الذي يشرح فيه مآخذه بل غضبه من السياسات المتبعة إلى حد ما أفاد في محاكمته أنه كان ينوي قطع رأس رئيسة الحكومة.
كل ذلك لا يجعل من جرائمه رد فعل مشروعاً أمام أي قانون، وإنما يشير إلى أنه شخص غريزي متعصب يوحى بأنه صنع "قضيته" بنفسه وبفعل قراءاته لكتابات مفكرين متعصبين وعنصريين، كما تأثر بالخطاب السياسي لليمين الإسرائيلي المتطرف. لكن ما لم تظهره التحقيقات معه هو اقترابه ومعايشته لأحزاب ومجموعات يمينية في بلاده، وهذا قصور فادح، لأن بريفيك يمثل نموذجاً لناشط منزوٍ ومنكفئ لا يمكن كشفه إلا بعد أن يرتكب الفظاعات، وبالتالي إذا لم تتوصل محاكمته إلى إدانة سياسية له فضلاً عن العقوبة الجنائية، فإن القاتل الآخر سيظهر لاحقاً ليجدد الإدانة للنظام القائم وسياساته، علماً أن نسبة المسلمين في النرويج لا تشكل ظاهرة نافرة وخطيرة، كما هي عليه الحال في فرنسا أو ألمانيا وبريطانيا على سبيل المثال.
تكمن خطورة بريفيك وأمثاله في أنهم يجهرون بقول ما يفكر فيه كثيرون من دون إعلانه، حتى لو لم يكونوا منتمين إلى أحزاب معروفة بفكرها المتطرف، يكفي مثلاً أن يكون موضوع المهاجرين في أولوية اهتمامات المرشحين للرئاسة الفرنسية، وقبل ذلك للانتخابات البريطانية وغيرها، للدلالة على أن اليمين المتطرف بات يفرض أجندته على الأحزاب الموصوفة بالاتزان والاعتدال، سواء كانت من اليمين أو من اليسار.
في أي حال، حتى مع الاعتراف لبريفيك وأمثاله أن لديهم حججاً محقة، فإن الثقافة السائدة لا تجيز لأي كان أن يكون قاضيا وجلادا في آن.
وفي الأعوام الأخيرة تعددت الجرائم المشابهة بدوافعها، مع فارق أنها استهدفت أفراداً وظلت حالات معزولة، مع ذلك يعول على هذه المحاكمة في أوسلو ألا تبدي أي تسامح حيال الأفكار التي تترجم بجرائم أو تقود إليها.
استثمارك الحقيقي
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر:... اقرأ المزيد
2067
| 29 يونيو 2026
لا أبرح حتى أبلغ
من أعظم أوهام النفس أنها تجعل طول الطريق دليلا على خطأ الطريق، وأن تحاكم الحق إلى الزمن؛ فهي... اقرأ المزيد
156
| 29 يونيو 2026
الشرق الأوسط الجديد بين الحلم السياسي والواقع الجغرافي
منذ عقود طويلة يتردد مصطلح "الشرق الأوسط الجديد" في الأوساط السياسية والإعلامية، وتحديداً كلما شهدت المنطقة حرباً أو... اقرأ المزيد
306
| 29 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه. بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: (اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟). وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر. وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم. الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية. وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر. والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس. لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.
5778
| 23 يونيو 2026
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4281
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
2046
| 29 يونيو 2026