رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة الجابر

مساحة إعلانية

مقالات

258

فاطمة الجابر

الدولار القوي في مواجهة الدستور

23 فبراير 2026 , 01:35ص

أصدرت المحكمة العليا مؤخراً وهي أعلى سلطة قضائية في الولايات المتحدة الأمريكية وصاحبة الكلمة الفصل في تغيير الدستور، قراراً يقضي بإلغاء معظم الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس ترامب على الواردات العالمية. قضت المحكمة بأغلبية ستة مقابل ثلاثة أصوات بأن الرئيس تجاوز صلاحياته الدستورية باستخدام قانون القوى الاقتصادية لعام ١٩٧٧ بعد أن فرضت الإدارة الأمريكية تعريفات جمركية واسعة النطاق حيث أكدت المحكمة أن سلطة فرض الضرائب هي قرار حصري خاص بالكونغرس الأمريكي. وعليه هاجم الرئيس الأمريكي القرار ووصفه بأنه معيب ومخيب للآمال.

استندت المحكمة في قرارها الأخير في فبراير ٢٠٢٦ إلى مبدأين أساسيين: حماية الدستور وتحديداً في المادة الأولى التي أعطت البرلمان السلطة الحصرية بخصوص التجارة وفرض الضرائب، ومبدأ توازن السلطات ومنع الدكتاتورية الاقتصادية، لأن قيام الرئيس ترامب بفرض رسوم جمركية بقرار فردي يحوله إلى مشرع ويخل بالمبدأ الدستوري الأصيل. ورأت المحكمة التي لها سلطة المراجعة القضائية والحق في إلغاء أي قرار يصدره الكونغرس أو الأوامر التنفيذية التي يصدرها الرئيس، أن الضرورة الاقتصادية التي يدعيها ترامب لا تبرر مخالفة المبادئ الدستورية الصريحة حتى وإن كان الهدف منها دعم سياسة الدولار القوي.

 تعود سياسة الدولار القوي إلى فترة التسعينيات من القرن الماضي وهي تعني التزام واشنطن بالحفاظ على قيمة مرتفعة تليق بعملة الدولار مقارنة بالعملات العالمية الأخرى وتهدف إلى خفض تكلفة الواردات والحد من التضخم وتعزيز مكانة الدولار كعملة عالمية احتياطية مع تمويل ديون الولايات المتحدة الأمريكية بفوائد أقل. وكردة فعل ورداً على قرار الالغاء، أعلن ترامب عن إقرار أمر تنفيذي بفرض تعريفة جمركية جديدة بنسبة عشرة بالمائة مستنداً إلى قانون التجارة لعام ١٩٧٤ والذي يمنح الرئيس صلاحيات محدودة لمدة ١٥٠ يوما. إذ من المتوقع أن يؤدي قرار الالغاء إلى مطالبة الشركات والشركاء التجاريين باسترداد مبالغ الرسوم التي قد تصل إلى ١٧٥ مليار دولار منذ بداية تطبيق الرسوم، والتي تم تحصيلها بشكل غير قانوني بموجب قرار الالغاء الصادر من المحكمة. 

 وفي حين يرى الرئيس ترامب في الدولار القوي رمزية لعظمة الولايات المتحدة وقوتها الاقتصادية، إلا أنه يرى بأن القوة المفرطة تجعل السلع الأمريكية مرتفعة السعر في الخارج مما يضر بالتجارة والصناعة الأمريكية ويضاعف من العجز التجاري. هذا التناقض بين ضرورة احترام سياسة الدولار القوي وبين ضرورة ضبط أسعار السلع، أدى بالرئيس الأمريكي إلى استخدام الرسوم الجمركية الشاملة كأداة للموازنة. فإذا كان الدولار القوي يضر صادرات امريكا فإن رسوم الواردات ستعوض هذا العجز. على مستوى الولايات الأمريكية، فإن إلغاء الرسوم الجمركية الشاملة يعني تدفق الواردات بشكل أرخص من السابق، وتصبح السلع الأمريكية ارخص في الخارج مما سيخفض التضخم نسبياً، وقد يشجع الاحتياطي الفيدرالي إلى خفض أسعار الفائدة لإحداث توازن اكبر في السياسة المالية. في المقابل فإن تخفيض العملة يقلل من جاذبية الدولار للمستثمرين الباحثين عن العوائد المرتفعة. 

 وعلى صعيد التجارة العالمية، فقد يلجأ الرئيس ترامب إلى مبدأ (المعاملة بالمثل) في حال فرضت أي دولة رسوماً على المنتجات الأمريكية، سيقوم حينها بتطبيق نفس الرسوم على الدولة الأخرى. وقد يلجأ لدبلوماسية التهديد حيث سيهدد بعض الدول التي لديها فائض تجاري كبير مع أمريكا بفرض قيود تقنية مثل حظر تصدير معدات الرقائق الإلكترونية ما لم تلتزم تلك الدول بشراء كميات ضخمة من المنتجات الأمريكية. هذا وسيشهد العالم فترة من الفوضى التجارية المتوقعة لتعويض خسائر الرسوم بإصدار قرارات تنفيذية سريعة ومتواصلة من قبل الإدارة الأمريكية لإبقاء المنافسين في حالة ارتباك تجاري واقتصادي.

 وبالنسبة لدول الخليج العربي والتي ترتبط عملاتها المحلية بالدولار، فإن تذبذب قيمة الدولار قد يؤثر على القوة الشرائية لسكان دول الخليج، حيث سترتفع أسعار واردات الصين ودول الاتحاد الأوروبي مما يزيد التضخم بسبب خفض تكلفة الاستيراد. وفي المقابل فإن تراجع الدولار يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والطاقة مع توقعات بنمو الطلب العالمي للنفط من قبل دول أوروبا والصين. وعلى صعيد الصناديق السيادية الخليجية والتي تعتمد استثماراتها على عملة الدولار الأمريكي بشكل أساسي، فإن خفض الدولار يدعم استقرار البورصات الأمريكية مما يدعم قيمة المحافظ الاستثمارية للصناديق السيادية.

مساحة إعلانية