رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اتخذ المشرع القطري معيار المضاربة، مضافًا إليه عنصر التداول، الفكرة الأساسية التي تبنى عليها الأعمال التجارية، والأمر على سواء، فلا تمييز بين التاجر وغير التاجر متى مارس هذه الأنشطة قاصدًا بذلك تحقيق الربح من خلال المضاربة في الأسعار وتحريك الثروات.
وتطبيقًا لما سبق، نظمت المادة (6) من القانون التجاري القطري أعمالًا تجارية على وجه الخصوص، بناءً على معيار المضاربة والتداول، إلا أن ذلك لا يعني أن هذه الأعمال تكتسب الصفة التجارية فقط من المعيارين الأخيرين، وفي ذلك بيان نشير إليه لاحقًا، وقد نصت المادة أعلاه على أنه «يعد عملًا تجاريًا جميع الأعمال المتعلقة بالملاحة البحرية والجوية، وبوجه خاص، ما يلي: إنشاء السفن أو الطائرات، وبيعها وشراؤها وإيجارها واستئجارها وإصلاحها. الإقراض والاستقراض.
العقود المتعلقة باستخدام ربان السفينة وملاحيها وقائد الطائرة وملاحيها، وسائر العاملين بهما. النقليات البحرية والجوية، وكل عملية تتعلق بها كشراء أو بيع لوازمها من مهمات وأدوات وذخائر ووقود وحبال وأشرعة ومؤن ومواد تموين الطائرات. التأمين البحري والجوي، بأنواعه المختلفة». وبداية نود أن نشير إلى عدة ملاحظات قبل أن نلج في بيان وشرح الأعمال التجارية المتعلقة بالملاحة البحرية والجوية: أولًا: تعد هذه الأعمال من قبيل الأعمال التجارية المنفردة، ونتيجة لذلك فهي أعمال تجارية دون اعتداد بصفة القائم عليها، سواء كان تاجرًا أو غير تاجر، وبغض النظر عن عدد المرات التي يمارس فيها العمل، فتطبع بالصفة التجارية ولو وقعت مرة واحدة أو كانت من باب أولى بشكل متكرر عن طريق احترافها، ولكن يجب أن نستثني أعمال النقل البحري والجوي وما يتعلق بها من أمور ولوازم لقيامها بالملاحة (المادة 6/4)، إضافة إلى عمليات تأمين المخاطر المحيطة بالملاحة البحرية والجوية (المادة 6/5)، فهي لا تعد أعمالًا تجارية منفردة؛ لأن المشرع اشترط فيها الاحتراف حتى تكتسب الوصف التجاري، فأوردها في موضع آخر في المادة (5) في بنديها (7) و(11) من القانون التجاري القطري التي نصت على أنه «تعد أعمالًا تجارية الأعمال الآتية إذا تمت على وجه الاحتراف:.. 7- التأمين بأنواعه المختلفة.. 11- النقل برًا وبحرًا وجوًا».
ونستند في قولنا السابق إلى أن نص المادة (6) من القانون التجاري القطري قد جاء مطلقًا عندما قرر الصفة التجارية لطائفة الأعمال المذكورة في متنه، وذلك بقوله «يعد عملًا تجاريًا جميع الأعمال المتعلقة بالملاحة البحرية والجوية، وبوجه خاص»، والمطلق يجري على إطلاقه، خلافًا للأعمال التجارية المذكورة في المادة (5) من القانون السابق التي اشترط فيها الاحتراف حتى تكتسب الصفة التجارية؛ حيث جاء في مقدمتها «تعد أعمالًا تجارية الأعمال الآتية إذا تمت على وجه الاحتراف».
ثانيًا: الواقع العملي يقضي بأن أعمال الملاحة البحرية والجوية عادة ما تتم من خلال مشروعات ضخمة. وغالبًا - وأكاد أن أقول دائما - ما تأخذ هذه الأعمال صورة شركات متخصصة تمارس أعمالها بطريق الاحتراف، هادفة من جراء أعمالها تحقيق الربح. وعلى إثر ذلك يتعجب البعض من تصنيف الأعمال المتعلقة بالملاحة البحرية والجوية بأنها أعمال تجارية منفردة. ولكن من رأينا أنه تظل أعمال الملاحة البحرية والجوية في كنف الأعمال المنفردةـ نظرا لما يحيط بها من مخاطر ولضمان حقوق الطرف الأخر فيها كالراكب أو الشاحن، فإنه يكون من المستحب أن تظل أعمالاً منفردة.
ثالثًا: الأعمال التجارية المذكورة في المادة (6) من القانون التجاري القطري جاءت على سبيل المثال لا الحصر، ويفهم ذلك من مقدمة نص المادة (6) بقولها «يعد عملًا تجاريًا جميع الأعمال المتعلقة بالملاحة البحرية والجوية، وبوجه خاص، ما يلي...». فالنص جاء عامًا يستوعب جميع الأعمال المتعلقة بالملاحة البحرية والجوية، ولا يُقصِر الوصف بالتجارية على الأعمال المذكورة فيه حصرًا، وكذلك المادة (8/1) من القانون التجاري القطري التي تقضي بأنه «يعتبر عملًا تجاريًا كل عمل يمكن قياسه على الأعمال المذكورة في المواد السابقة للتشابه في الصفات والغايات». وبالتالي، لا يمنع من إضافة أعمال أخرى لم تأت بها المادة في حال إذا اتفقت في الصفات والغايات.
والأمر ليس محصورًا ومقصورًا على العقود المتعلقة بالتجارة البحرية والجوية؛ بل هناك اتفاق على أن الطابع التجاري يطال ويمتد إلى كافة الالتزامات التي تنشأ جراء القيام بأعمال الملاحة البحرية والجوية، وبغض النظر عن مصدرها، سواء أكان تصرفًا قانونيًا أم فعلًا ماديًا. رابعًا: يبسط النص نطاق تطبيقه على الأعمال المتعلقة بالملاحة البحرية والجوية التجارية، ولا يدخل من ضمنها الملاحة العلمية والبحثية أو الملاحة القائمة بغرض الاستخدام الخاص أو النزهة أو الملاحة التي تقوم بها سفن أو طائرات الدولة للدفاع والمراقبة أو لمكافحة التهريب؛ وذلك لانتفاء عنصر المضاربة. فالطابع التجاري لا يستقر إلا للأعمال ذات الصلة بالاستغلال البحري والجوي التجاري، بينما الأعمال المتفرعة عن الملاحة غير التجارية، كالأمثلة السابقة، لا يتناولها النص، وتظل محتفظة بطابعها المدني.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4470
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4191
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2085
| 07 مايو 2026