رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
غزة الأبية ذات الجغرافيا الصغيرة في كل مظاهرها، من ارض لا تزيد مساحتها على 130 ميلا مربعا وبأرض سهلية خالية من الهضاب والجبال العاتيات، والمحاصرة منذ عقود من البر والبحر والسماء، وبتكدس بشري كثيف بعدد يفوق 2.5 مليونا، ثلثهم من لاجئي النكسة عام 1948 وهم يعيشون أحلك الظروف المعيشية. ولكنهم لم ييأسوا جيلا بعد جيل، حيث يحتفظ معظمهم بمفاتيح بيوتهم يوم ان اغتصبها المحتلون، وصادروها وأرهبوهم وهجروهم. ولكن تكمن قوتهم بأنهم مؤمنون ومتيقنون بنصر سيأتي من حيث لا يدركه الغزاة المستعمرون، صامدون على الرغم من المآسي، وهم أهل غزة من أجبر العدو المتغطرس مرارا على الانسحاب والاعتراف بقوتهم وهيبتهم في أعوام عديدة سابقة.
وفي فجر السابع من أكتوبر 2023، وكما وعد الفلسطينيون الاحرار، بأن العدو لن يهنأ في أرضنا، لأن الأرض أرضنا والمقدسات مقدساتنا، وقد جبلنا من عهد قديم وحتى في أحلامنا، أن نحميها وننشر فيها السلام كعادة المسلمين في كل ديار العرب بعد سقوط الأندلس، في تعاملهم مع السلميين من كافة الطوائف بما فيهم اليهود، حتى أولئك العشرة في المائة من سكان الأرض في بداية القرن العشرين. ولكن الغدر ونكران الجميل له من النتائج المؤلمات على من بدأنا به، فلا ينفع البكاء حينها.
وهذه نماذج من الصور من ارض الميدان الأبية، شاهدها العالم أو سمعها، كانت بشارات بالنصر، ولكن العدو بجبروته أطال أمد الحرب على الرغم من تحليلات مؤازريه من الخبراء العسكريين، ولكن الله أعمى بصيرتهم وأصم آذانهم وكأنما فيها وقر، فكانت خسائرهم أكبر.
فالبشارة الأولى نطق بها ذلك الجندي الإسرائيلي يستصرخ قائده بأن يخرجه من المأزق «انا لا اريد ان اموت، هؤلاء وحوش لقد رأيت صديقي يقتل امام عيني لا اريد. لا نستطيع هزيمتهم وانا اريد مغادرة البلاد فورا، لا أستطيع رؤيتهم، هؤلاء وحوش، لا أستطيع رؤيتهم اخرجني. إنك لا ترى يا سيدي ما اراه، نقاتل اشباحا نحن لا نستطيع حتى نتقدم بالدبابات». وآخرون كثر من الذين هزموا من قبل أن يخوضوها، وزرع في قلوبهم الرعب فريقا تأسرون وتقتلون فريقا.
والثانية ذلك الهروب الجماعي خارج الدولة بمئات الآلاف كما ذكرت وأكدت وسائل الاخبار المرئية، هاربين إلى دولهم التي جاؤوا منها وما زالوا يحملون جنسياتها، وعلامات الهلع واليأس بأن الأرض الموعودة لم تعد آمنة كما وعدوا بها، وذلك على الرغم من الحالة غير الآمنة والمتردية التي بدأ يعيشها مطار بن جوريون. وأجزم بأن أكثر المتفائلين لا يظنون بأنهم سيعودون حيث أنهوا انشطتهم الاقتصادية وأغلقوها دون عودة. وكذلك هروب الرأس الأكبر وشيطانهم، وقد كان قاب قوسين او أدنى من ان يرمى ويفنى، مهرولا إلى الغار، وكان قد تبجع بأنه سيقضي على حماس دون رجعة، ففشل أيما فشل وبدأت سهام المجرمين من أتباعه تترصده وتكيل إليه الاتهامات، وعما قريب سيقضون عليه وقد خاب.
وبشارة ثالثة تكمن في تهشم وتحطم وتفلت محاولات بناء الميناء الأمريكي ورصيفه العائم بغرض التهجير القسري الذي وصفوه بأنه عمل انساني، ولم تقو الدولة العظمى بعدتها وعتادها لبناء هذا الجسر البحري لتحقيق فكرة مشروع القرن بتهجير أهل غزة، فقد تدخلت الأمواج وهي من جند الله فحطمت أحلامهم قبل أن تبدأ وأبكتهم وكسرتهم وأزاحت ما بنوه بسوء نية مكراً منهم، ولكن من علوهم مكر الرب بهم وهو خير الماكرين، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى. ففشل مشروع القرن، فقد تغدى المقاومون المطلعون على أجندات العدو ومن والاهم من خلال تتبع مشاريعهم بإخلاء أرض غزة من أهلها كما حدث في اربعينيات القرن العشرين، ومن أحسن الظن بالله رأى العجب العجاب.
أما البشارة الأخرى التي تم رصدها فهي قتال التواقين الأشداء إلى النزال دون رهبة من بين أنقاض المنازل والمستشفيات المدمرة والمدارس على ساكنيها ومرضاها وأطبائها، ومن نقطة الصفر وإخراجهم لجنود العدو من دباباتهم، والتمكن منهم ومن معداتهم المتروكة كغنائم وذخائر. فنفس الشريف هكذا، لا تهاب وقد باع الجميع أنفسهم في معركة مقدسة، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى.
** وختاما، وثقة بالله، أظنها الحرب قبل الأخيرة قبل أن يندثر الكيان قريبا، وكما توقعها شيخ الشهداء أحمد ياسين، وخاصة إن ظهر من بين الأعداء المعارضين لاتفاقية الهدنة من يلبس رداء الحرب ولم يع الدرس، ملمحا التهديد والوعيد، بأن المعركة لم تؤت ثمارها، وإننا سنعود، ظانين بأن المجاهدين قد ضعفوا واستكانوا بل سيكونون لهم بالمرصاد.
ومبرراتي كجغرافي في تحليل عوامل ضعف وقوة الأمم، هي أن الجيل الحالي من المقاومين الفلسطينيين التواقين لقيادة الصفوف يختلفون عن الاولين، فلم ينخدعوا بالدغدغة الإمبريالية والوعود الكاذبة وحب الدنيا، وثانيه أن الوضع الجيوسياسي العالمي قد تغير منذ الحرب العالمية الثانية وظهرت قوى بدأت تستشعر خطورة الوضع غير الطبيعي في المنطقة المؤثرة في السلم العالمي، وثالثها الوعي الشعبي العالمي بسبب الإعلام الجديد وسرعة نشر الخبر عبر وسائل محايدة، وآخرها وهو الأهم بنتائج طوفان الأقصى التي زعزعت الكيان من الداخل سياسيا واجتماعيا وماليا واقتصاديا وفكرا ومنهجا وادراكا، فالانكسار الحاد الكلي لمكونات الدولة يحتاج زمنا لكي يلتئم.
وفي المقابل امتداد الجيل المؤمن بقضيته والظلم الذي وقع عليه والمؤمن بخالقه الذي وعدهم بالنصر ولو بعد حين مع الأخذ بالأسباب، فلم ييأسوا ويتركوا أرضهم وهم مؤمنون بإله الكون الواحد بكل صفاته كما تبين لنا، من الميدان محاربون والجمع الغزاوي المبارك، ولا نزكي على الله أحدا. وهم على عكس أعدائهم الذين آمنوا بالله ولكنهم ألبسوه بظلم في صفاته، فأنى لهم التمكين مهما علت تلاواتهم. فطوفان الأقصى سيصبح فصلاً في كتب تاريخنا وجغرافيتنا يدرس مهما حاولوا محو الجميل من حياتنا، فأبناؤنا في شوق لمثل هذه المفرحات المبهجات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4263
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3207
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1128
| 28 سبتمبر 2026