رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تصدرت مدينة جدة السعودية عناوين الأخبار الرئيسية الأسبوع الماضي مرتين, الأولى بسبب الأمطار الكثيفة الغزارة التي هطلت على هذه المدينة التاريخية التي لا تزال تلملم أشلاءها بعد طوفان العام الماضي الذي كشف عن جملة من بؤر الفساد في تنفيذ المشاريع وسوء التخطيط للتجمعات السكانية التي سدت مجاري السيول, أما الحدث الأهم والأكبر هو وصول طائرة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي إلى جدة بعد جملة تكهنات عديدة عن وجهته بعد الهروب الليلي المفاجئ وحيث لم تكن السعودية ضمن تخمينات المتابعين لحدث هروب الرئيس ليلة السبت قبل الماضي "سوى أن الليالي حبلى دائما بكل جديد" لذلك كان السؤال التالي لماذا جدة السعودية بالذات! وهو الاستفهام الأبرز عند كل وسائل الإعلام المتابعة للحدث التونسي خاصة أن السعودية تنتهج مسلك الحيادية دائما تجاه الكثير من الأزمات العربية الداخلية وغيرها, إلا أن الجواب قد جاء لاحقا على لسان سمو وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل عندما قال "إن المستجير يجار" فكانت جدة هي الملاذ الممكن للرئيس المخلوع بعد تعذر وجهات عربية وعالمية أخرى من استقباله, وحقيقة كان خبر وصول بن علي إلى جدة محل استغراب للكثيرين من سعوديين وغيرهم فالرجل يحمل سيرة غير مقبولة شعبيا إثر الأحداث الأخيرة الدامية في بلاده وكذلك ما تناقلته تقنيات الأخبار قبل الأحداث عن نظامه من التضييق على الحريات الفكرية وممارسة الشعائر الدينية وتكتيم الإعلام واستحواذ عائلته بالنفوذ والسلطة على الشعب ومقدراته ومواقفه الشخصية إبان الاحتلال العراقي للكويت عام 1990م والتي أعادت مقر الجامعة العربية إلى موطنها الأساسي في القاهرة بعد سلسلة مواقف مخجلة لأمينها العام آنذاك التونسي الشاذلي القليبي بإملاءات من الرئيس المخلوع الذي انتهج ببلاده رؤية سلبية صنفتها ضمن دول الضد الذي ظلت دولة الكويت ترددها تجاه كل من آزر الاحتلال, وكما للسياسة حساباتها في كل المواقف والظروف يبقى للشعوب رأي أيضا فقد قوبلت استضافة بن علي في جدة بالامتعاض عند السعوديين وربما غالبية أهل الخليج والعرب عند الوهلة الأولى إلا أن مضمون البيان السعودي الرسمي وتصريحات وزير الخارجية السعودي التي مارس فيها سموه دبلوماسيته العريقة منتقيا ألفاظا جيدة وذكية عندما استخدم عبارة "المستجير يجار" معولا على شيم العروبة والرجولة وهي ما طمأنت الغالبية على سلامة فكرة الاستضافة ودواعيها إضافة إلى ما أعقبها من تصريحات تؤكد عدم القبول بممارسة بن علي لأي نشاط سياسي أو نشاطات تحويل أموال إلى المملكة, بن علي والذي يسكن هو ومن تبعه من عائلته الآن أحد قصور الضيافة الملكية في جدة وهو ما أسماه أحد المتابعين بـ"المنفى الذهبي" ربما لما عرف عن جدة بالذات من استقبالات سابقة وكريمة لعدد من الرؤساء الفارين من بلدانهم في ظروف حرجة مماثلة كالرئيس الأوغندي السابق عايدي أمين ورئيس الوزراء الباكستاني السابق نواز شريف وملك اليمن حميد الدين ورئيس الوزراء الليبي أيام الحكم السنوسي مصطفى بن حليم كذلك الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة والذي كان هنا أيضا قبل ثورة الاستقلال التونسية, وكان القاسم المشترك بين الجميع من هؤلاء عدم قبول الدولة السعودية المستضيفة إجراء أي نشاط سياسي لهم انطلاقا من أراضيها وهو ما يعطي الإخوة التوانسة الآن الثقة في عدم التأثير من قبل الرئيس المخلوع على مجريات التغيير القائمة هناك على الأقل خلال فترة وجوده في المملكة.
وحيث كانت الشرارة الأولى للأزمة التونسية التي لفظت بالرئيس فاراً إلى خارج البلاد ذات بعد اقتصادي محض تمثل في بحث الناس هناك عن قوتهم وشيء من كرامتهم المفقودة بسبب سلسلة ممارسات سابقة للنظام تجرع خلالها السواد الأعظم من التونسيين ذل العيش وظروف الاستحواذ السلطوي ومصادرة الحريات, ولتزامن أحداث تونس مع القمة الاقتصادية العربية التي عقدت في شرم الشيخ كان لابد على القادة المجتمعين هناك آن يدركوا حقيقة الموقف وأبعاده وان يسعوا إلى إعادة صياغة البرامج والخطط الاقتصادية العربية لتفعيل الدور العربي في مجالات التنمية البينية التي ابتعدت بقصور ملحوظ عن احتواء مفهوم العمل العربي المشترك وحاجات الشعوب الأساسية إذ ظلت أرزاق الناس ومواردهم محكومة بالرؤى السياسية المختلفة غالباً والتي همشت منطقتنا كافة عن معايير التنمية المثلى وهمشت في نواتجها التوافقية المطلوبة ضمن معدلات النمو, فمعدل السكان ينمو والحاجات تنمو بمعدل أقل لانصراف مفهوم التنمية العربية بعيداً عن مساره وتبنيه مفهوم العروبة بالكلمات والمؤتمرات فقط دون عمل ناجع يؤمن الاستقرار للجميع ويؤهل دولهم للمستقبل, أعتقد أن حض القمة الاقتصادية العربية الأخيرة من المتابعة الإعلامية كان كثيفا ومن قطاع أوسع بين العامة ربما بحثا من الجميع عن قرارات أكثر عمقا وفائدة تمس حياة العرب وتطور معيشتهم وتلغي حواجز العمل وموانع التجارة والاسترزاق البيني فما شاهدناه في تونس كان مؤثرا وينبئ عن وضع خطير ومماثل في معظم المجتمعات العربية فهل تنبه قادتنا إلى الأمر لتجار الشعوب العربية من ظروفها.
معول الهدم
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس المجاملة، ونخشى الحقيقة أو نُخفيها. لقد تحوّلت المجاملة من سلوكٍ... اقرأ المزيد
9
| 12 يناير 2026
سرٌ يقول يا زين هالبلد
لربما أبادركم بإفشاء سر عني ولا يعرفه إلا عائلتي والمقربون فقط من العائلة، لكني لا أراه سرا جوهريا... اقرأ المزيد
9
| 12 يناير 2026
صيد الاثنين
الزعيم الفاهم والعقلاني الذي يهتم بشؤون وطنه أولاً وبشؤون شعبه من جميع النواحي ويدفع بالوطن وبالشعب نحو مستقبل... اقرأ المزيد
12
| 12 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1269
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1047
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
996
| 07 يناير 2026