رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يجب الاستهانة بأحداث باريس الأخيرة من تفجيرات إرهابية ستكون نتائجها السلبية كبيرة على طلابنا الدارسين في الخارج، فقد وقعت في السنوات الماضية العديد من حوادث القتل للطلاب العرب كما وقعت بعض المضايقات التي انعكست سلبا عليهم وتسببت في بعض المشاكل التي لا نهاية لها، وما زال بعض الطلاب العرب يعانون منها حتى الآن . فأحداث سبتمبر 2001 م وما تلتها من تفجيرات في أمريكا ودول أوروبا جعلت من العرب مضغة سائغة لشن الكثير من الهجمات عليهم بغية التخلص منهم، وهي تحدث اليوم باستمرار بسبب العنصرية التي يمارسها الغرب ضد الجنس العربي على وجه الخصوص .
وأحداث العنصرية ضد الطلبة العرب في البلدان الغربية ستشتعل من جديد بعد الأحداث الأخيرة، والحرب على العرب متوقعة في أي لحظة، ولا بد من اتخاذ الحيطة من تبعات تداعي هذه الأحداث . وبالأمس وقعت 33 حالة اعتداء على المسلمات المحجبات في باريس والبقية تأتي إذا لم نتخذ الحيطة من اليوم !! .
** العنصرية الغربية ضد العرب مستمرة
يعرف عن الشعوب الغربية والأوروبية بشكل خاص معاداتها للعرب والمسلمين ولكل من يعتنق ديانة الإسلام، وهذا العداء كان وما زال يعشش بين هذه الشعوب منذ عقود، ولعل أحداث سبتمبر 2001 م هي الشرارة التي اشتعلت ولم تخمد حتى الآن، وتبعتها اليوم أحداث 16 نوفمبر 2015 م . إننا لا نلوم الحكومات الغربية في اتخاذ أقسى الإجراءات لضمان السلامة والأمن لشعوبها، ولكن نطلب عدم المساواة بين المتطرف والإرهابي وبين كل من يحمل ديانة الإسلام، وهو ما يدعونا إلى المطالبة دائما بعدم الخلط بين الإسلام وربطه بالإرهاب .
** الإعلام الغربي ونشر ثقافة الكراهية
كانت وما زالت وسائل الإعلام الغربية وبخاصة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية تسعى دائما لتشويه صورة العرب والمسلمين وبخاصة بعد أحداث سبتمبر 2001، وهي ما زالت تسير على نفس النهج بلا هوادة أو أمانة في إيصال الرسالة الإعلامية، العامل الذي زاد من تفاقم ظاهرة " ثقافة الكراهية " وانتشارها بين المجتمعات الغربية هذه !! .
وما من شك في أن الإعلام الغربي قد ساهم أيضا في شن الكثير من الحملات الإعلامية المسعورة ضد بعض البلدان العربية والإسلامية خلال العقدين الماضيين على وجه الخصوص بشكل متعمد، وإن كان اللوبي الصهيوني له اليد اليمنى في مساندة وتأييد هذه الحملات المسعورة وزيادة الكراهية ضد العرب والمسلمين، بهدف تشويه الصورة ومحاولة وصف العرب بالإرهابيين في شتى أحداث العنف التي تقع في كافة دول العالم سواء في أوروبا أو في الولايات المتحدة الأمريكية أو في إفريقيا وآسيا أو حتى على أرض فلسطين المحتلة التي يدافع فيها أهلها عن عرضهم وأرضهم من باب الدفاع عن النفس رغم عدم امتلاكهم لأي أسلحة فتاكة بعكس ما يمتلكه أعداؤهم، وهو ما جعلهم يستخدمون الأسلحة البيضاء كالسكاكين التي أرعبت الصهاينة وجعلتهم يلوذون من الفلسطينيين كالجرذان الفارة وفي حالة هستيرية غير مسبوقة في تاريخ الصراع الصهيوني الفلسطيني !! .
** اغتيال طالب قطري في بريطانيا سنة 2008
كلنا يتذكر حادث الاعتداء الإجرامي الآثم الذي وقع في بريطانيا بصيف عام 2008 م الذي ذهب ضحيته القطري محمد الماجد البالغ من العمر 16 سنة، وحينها أعلنت الشرطة البريطانية أن الطالب كان في دورة لتعلم اللغة في بريطانيا، وقد ضرب حتى الموت، بحسب تقارير نشرتها وكالات الأنباء في تلك الفترة . وتعرض محمد الماجد للضرب بعد خلاف مع شبان بريطانيين في هاستينغز (جنوب بريطانيا) وذكر شهود عيان في وقتها أن المهاجمين الذين ضربوا الشاب القطري كانوا ثملين على ما يبدو، وكان محمد يتناول وجبة الغداء في أحد المطاعم الأمريكية داخل المدينة وقد احتك مع مجموعة من المراهقين البريطانيين وعددهم ثلاثة أشخاص، وكانت أعمارهم تبلغ من 17-20 عاما في شجار نتج عنه إصابة (محمد) في رأسه بإصابات بليغة نقل على إثرها لمستشفى " كنغ كولج " بجنوب لندن وظل في المستشفى حتى وافته المنية متأثرا بجروح عميقة في الرأس رحمه الله رحمة واسعة . يشار هنا إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها " طلبة عرب " للاعتداء والقتل بدوافع عنصرية في بريطانيا، فقد لقي طالبان فرنسيان مصرعهما بالقرب من لندن بنفس الفترة في جريمة هزّت البلاد، بعد أن عثرت فرق الإطفاء على جثتيهما محترقتين في شقة أحدهما .
** مضاعفة جهود سفاراتنا في الخارج
غالبا ما تكون التعميمات التي ترسل من قبل المكاتب الثقافية وسفاراتنا في هذه الدول غير كافية، فالدور يجب أن يتعدى هذا العمل المحدود إلى عمل أكبر حيث يجب التواصل مع الكليات والجامعات ومراكز الشرطة في هذه الدول لتبيان الحرص على أرواح أبنائنا في الخارج، وهذا جزء من واجبات سفاراتنا في الخارج، فإرسال التعميمات والتحذيرات قد لا يكون كافيا في مثل هذه الظروف العصيبة خاصة مع ازدياد العنصرية ضد الطلبة العرب في السنوات الأخيرة في جامعات الولايات المتحدة وبعض الجامعات الأوروبية مثل بريطانيا وألمانيا .
وعندما اغتيل الطالب القطري (محمد الماجد) غدرا في بريطانيا سنة 2008، علقت والدته على الحادث قائلة :
" ابني ضحية إهمال إدارة المعهد، ولم يتلق الرعاية الطبية العاجلة، والإدارة أخطرتني بعد يوم بإصابته في حادث غدر " !! .
** حفظ الله أهل قطر في الخارج
نحن ليس لنا في هذا المقام إلا أن نتمنى السلامة لكل طلابنا وطالباتنا في الخارج وأن يحفظهم الله ويحفظ أسرهم من كل مكروه وأن يكونوا على يقظة دائما من خلال الحذر من ارتياد الأماكن المشبوهة والمعادية للعرب والمسلمين بجانب التواصل مع مراكز الشرطة في المدن التي يقطنونها لأنها هي الجهة المسؤولة عنهم في حالة وقوع أي أخطار لا سمح الله، هذا بجانب التنسيق مع سفارة قطر في حالة حدوث أي مشكلة .
** كلمة أخيرة
الموضوع مهم، ولا يجب الاستهانة به، واستهداف الطلبة والعائلات العربية في البلدان الغربية يجب أن يكون اليوم في الحسبان، ولا بد من اليقظة والحذر تجاه ذلك، والله يحفظ أبناءنا وبناتنا في البلدان الغربية من كل سوء، اللهم آمين .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2808
| 31 مايو 2026
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
2562
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2559
| 02 يونيو 2026