رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
برزت في الثلاثين عاما الماضية، في جميع الدول العربية، حاجة ماسة لإعادة النظر في تدخل الحكومات في معظم المجالات الخدمية، وظهر أن هناك إيمانا متزايدا بضرورة تقليص تدخل الدولة في الخدمات بوجه عام، ومن هذه الخدمات التعليم والصحة، والملحوظ أن التعليم بصفة خاصة – بوصفه مجالا خدميا واسعا تنهض الدولة بأعباء تمويله- تضخم وتضاعفت تبعاته المالية في العقود الخمسة الماضية، وأصبح التفكير في إجراء أي تعديل تمويلي، أو حتى إصلاح فني فيه، يتطلب حذرا شديدا وخطوات متأنية حتى لا يحدث احتكاك بقاعدة المتعاملين الضخمة من المواطنين.
وقد حدث تغير ملحوظ خلال ربع القرن الأخير في معظم الدول حيث تغيرت الأهداف التعليمية وأصبحت تركز على احتياجات السوق بعد أن كانت تركز على نوعية الحياة وعلى المجتمع، كما تحولت المناهج التي تدور حول المتعلم إلى مناهج تدور حول الاقتصاد، وعند صياغة التخطيط تم تجاهل المفهومات الإنسانية المعروفة مثل: التعليم بوصفه حقا، والعدالة الاجتماعية... وغيرهما، وتبني مفهومات أخرى مثل التنافسية والجودة والإنتاجية، وفي ظل تلك الظروف تم التخلي تدريجيا عن "دور الدولة" وواجباتها، وتورطت نظم عديد من الدول في تبني سياسات تتجاوز فكرة العدالة ومبدأ تكافؤ الفرص التعليمية وبدأت هذه الدول تركز على مفاهيم الكفاءة الاقتصادية.
وفي هذا السباق تزايدت الدعوة إلى خصخصة التعليم، و"تسليع" الخدمة التعليمية بمعنى أن الآباء مستهلِكون- بكسر اللام - والمعلمين منتجون والمعرفة سلعة والطالب المتعلم المُنتَج – بفتح التاء - والعملية التعليمية "عملية إنتاجية"!!
كما تعالت نداءات المثقفين بضرورة تخلي الدولة عن بعض مسؤولياتها الاجتماعية بحجة محدودية مواردها مع تزايد نفقاتها وتضاعف التزاماتها المالية الناجمة عن الزيادة السكانية، فضلا عن "تغول" الرأسمالية المتوحشة من خلال الدعوة إلى أهمية مشاركة القطاع الخاص ورجال الأعمال في دعم تمويل التعليم لتقليل الإنفاق على التعليم العام ومشاركة التعليم الخاص التعليمَ العام في تقديم الخدمات التعليمية وتقديم تعليم متميز ربما لا يستطيع التعليم العام تحقيقه.
وأصبحت مساهمة القطاع الخاص في التعليم ضرورية كمصدر من مصادر غير حكومية لتمويل التعليم بما يتناسب مع حاجة المجتمع وطموحات أفراده ومن أهم الركائز الأساسية التي يمكن أن تسهم في تمويل التعليم وزيادة فاعليته.
وفي رأي كثير من التربويين أن ازدهار التعليم الخاص يمكن أن يسهم في علاج الكثير من المشكلات التي تواجه السياسة التعليمية في مصر ويدعو أصحاب الآراء المؤيدة لخصخصة التعليم أن تسعى الدولة لإزالة أي عوائق من شأنها إعاقة القطاع الخاص عن المشاركة في تمويل التعليم في ضوء أن التعليم الخاص ضرورة تفرضها ظروف المرحلة التي تمر بها البلاد حاليا، ويتحتم بقاؤها لتؤدي مع الدولة بعض التزاماتها في التعليم وضرورة العمل على قيام التعليم الخاص بأداء الخدمة التعليمية بصورة مرضية جنبا إلى جنب مع التعليم العام للنهوض بمستوى التعليم والارتقاء به.
ومن التربويين من يرى أنه يمكن أن يتكامل التعليم الخاص مع التعليم العام في تحقيق أهداف العملية التعليمية خاصة في ظل التخفيضات الكبيرة في الإنفاق على التعليم ضمن حركة تخفيض الإنفاق الحكومي في ظل الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها الدولة.
وهذا يعني أن التعليم الخاص جزء من التعليم العام، ويمكن أن ينافس التعليم العام في استيعاب الطلاب، وفي تقديم خدمة تعليمية متميزة وتحقيق الأهداف التربوية للسياسة التعليمية العامة.
وإذا نظرنا إلى العلاقة بين التعليم العام والتعليم الخاص من حيث جودة العملية التربوية فسنجد أن تخفيض الإنفاق على التعليم العام وتشجيع التعليم الخاص سينتج سلبيات كثيرة من بينها ما ظهر في التجربة المصرية حيث وضح أن تخفيض الدعم المتضمن في برنامج الإصلاح الاقتصادي أثر سلبيا في التعليم العام من خلال الزيادة في تكلفة التعليم التي انعكست في تخفيض حجم الخدمات والإمكانات، وهذا أثر بالطبع في جودة العملية التربوية في التعليم العام، وبمعنى آخر تخفيض الإنفاق على التعليم العام كان على حساب جودة التعليم، في حين ينفق على التعليم الخاص بسخاء وتتوافر به كل الإمكانات مما أظهره بأنه يفوق التعليم العام في جودة العملية التربوية.
ومن جهة ثانية أظهر تحليل نتائج امتحانات الشهادات (بوصفها من ثمار الجودة) أن نتائج الامتحانات بالتعليم الخاص تفوق بنسبة عالية نتائج الامتحانات بالتعليم العام في كل المراحل التعليمية مما يظهر أن التعليم الخاص له من الكفاءة والفاعلية وتحقيق أهداف العملية التربوية أكثر من التعليم الحكومي.
ولا يستطيع أحد أن ينكر أن نتائج الامتحانات تعد عاملا مهما من عوامل جودة التعليم في أي نوع من أنواع التعليم، ويرجع الكثيرون انخفاض جودة العملية التربوية مقارنة بجودة التعليم الخاص إلى وجود مشكلات كثيرة يعاني منها التعليم العام منها المرتبط بالمعلم وأخرى بالإمكانات والتجهيزات وثالثة بالمباني وكثافة الفصول وغير ذلك مما كان له الأثر السلبي على جودة العملية التربوية في التعليم العام، ولا يعني ذلك أن التعليم الخاص لا توجد به مشكلات فهو أيضا يعاني كثيرا من المشكلات، وإن اختلفت عن مشكلات التعليم العام مثل العجز في بعض التخصصات للمعلمين، وعدم تأهيل كثير منهم، وتأخر استيفاء الكتب، ولذلك لا تظهر دائما جودة التعليم الخاص أفضل منها في التعليم الحكومي.
وهناك مشكلات مشتركة بين التعليم العام والتعليم الخاص، تؤثر سلبيا في جودة العملية التربوية في كلا النوعين من التعليم العام والخاص.
وقد اتضح من خلال الدراسات التي تناولت جودة التعليم العام والتعليم الخاص أنه ليس ضروريا أن يتفوق التعليم الخاص على التعليم العام في جودة العملية التربوية، فالأمر يختلف من مدرسة إلى مدرسة، ومن منطقة جغرافية إلى منطقة أخرى سواء أكان ذلك بالنسبة للتعليم الخاص أو التعليم العام، لأن هناك عوامل أخرى كثيرة تؤثر في جودة العملية التربوية اجتماعية واقتصادية وثقافية قد تظهر جودة التعليم مرتفعة في قطاع تعليمي عن الآخر، وهناك أيضا اهتمام ومتابعة الوالدين في المدارس الخاصة، ومستواهم الثقافي والاقتصادي المرتفع له تأثير في إظهار جودة العملية التربوية في التعليم الخاص.
فلنبدأ بتربية المعلم قبل التلميذ!!
إن عملية بناء الفرد في أي مجتمع من المجتمعات ليست بالعملية السهلة المُيسرة ولا تقوم بها جهة واحدة... اقرأ المزيد
1352
| 08 يناير 2016
التربية الثقافية للطفل
تخضع شخصية الإنسان خلال مراحل نموها المتعاقبة لعدد كبير من العوامل الوراثية والبيئية، وتبدأ هذه العوامل تأثيرها من... اقرأ المزيد
7943
| 28 ديسمبر 2015
التخطيط لبرنامج تدريبي ناجح
لكي نخطط لوضع وتنفيذ برنامج تدريبي ناجح ، يجب أن نبدأ بتحديد دقيق لأهداف هذا البرنامج بتغطية الجوانب... اقرأ المزيد
4227
| 30 نوفمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8706
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2562
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1476
| 25 أكتوبر 2026