رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رؤية متكاملة قدمها سمو الأمير لركائز التنمية والإنجازات..
الاستثمار في التعليم ضمانة لمستقبل أجيال قطر
الخطاب السامي السنوي لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه، أمام افتتاح دور انعقاد مجلس الشورى يحظى بترقب شديد محليا وخارجيا، لما يتميز به من طرح ورؤى ثاقبة، وما يحمله من خريطة طريق لعمل مؤسسات القطاعين العام والخاص، وهو خطاب يستأثر باهتمام كبير من قبل أبناء قطر الذين يتلمسون من رؤية سمو الأمير وتوجيهاته ورسائله المتضمنة بالخطاب استرشادا للحاضر والمستقبل، لاستكمال مسيرة النهضة والتنمية الشاملة.
لقد قدم سمو الأمير المفدى صورة ناصعة لما تحقق من إنجازات جديرة بالفخر والاعتزاز وتشكل بوابة عبور نحو المستقبل المزدهر، تنتقل فيه قطر إلى مرحلة جديدة من التطور والنمو.
ولهذا حرص سموه على الدعوة لحمد الله وشكره على النعم التي أنعم بها على قطر، حيث توجه إلى أبناء قطر قائلا:"علينا أن نحمد الله على نعمه وأن نتذكر أن هذه النعم لا تدوم إلا من خلال الجهد الدؤوب في الحفاظ عليها وتطويرها والاستثمار فيها لخير المجتمع والأجيال القادمة".
هذه النعم تتطلب أن يتحمل الجميع مسؤوليته تجاه الحفاظ على المكتسبات والإنجازات والارتقاء بالإنسان وقيمه وهويته الحضارية، ولذلك دعا سموه إلى" تشجيع الشباب على البحث عن معنى وهدف لحياتهم من خلال العمل وتطوير أنفسهم والإسهام في خير الوطن والمجتمع."
ومع دخول قطر مرحلة جديدة من التطور في جميع المجالات فقد نبه سمو الأمير المفدى إلى أن "للتطور مقتضياته وتتطلب المرحلة الارتقاء بدور المواطن وإدراكه لمسؤولياته، كما تتطلب الانفتاح على الأفكار الجديدة ومواكبة التطور العلمي والتكنولوجي والثقافي على المستوى العالمي."
إنها مسؤولية كبرى تقتضي إدراك المواطنين لواجباتهم تجاه هذه المرحلة الجديدة التي يدخلها الوطن لمواكبة التطور والانتساب بجدارة إلى العصر، تتطلب وعيا وانفتاحا وتفهما للأفكار الجديدة التي ينتجها التطور العلمي والتكنولوجي.
فالحفاظ على الهوية الوطنية والقيم والالتزام بالمبادئ جزء أساسي لتقدم المجتمعات، وهو ما يتطلب اليوم من الأسرة أن تغرس هذه الأمور في أبنائها من الصغر، فهي تشكل حصانة للأجيال في الكبر.
وتعتبرالمرحلة الجديدة التي تدخلها قطر ثمرة من ثمار الإنجازات التي تحققت في اقتصادنا الوطني والتي حرص سمو الأمير المفدى أن يبدأ الخطاب بالإشارة إلى أن اقتصادنا الوطني واصل أداءه الإيجابي في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم بالتقلبات، وحافظ على استقراره وثقة المستثمرين بقدرتنا على إدارة مواردنا بكفاءة عالية، كما أن كل المؤشرات تؤكد "أداء اقتصادي واعد، حيث يحافظ الاقتصاد القطري على وتيرة نمو قوية فقد سجل نسبة نمو بلغت 2.4% في العام 2024 ونسبة 1.9% على أساس سنوي خلال الربع الثاني من عام 2025، ولعبت القطاعات غير الهيدروكربونية دورًا أساسيًا وداعمًا للتنمية المستدامة."
هذا النجاح الاقتصادي يستند إلى رصيد من الإنجازات في القطاع المالي، وقد تطرق سمو الأمير إلى هذا النجاح المالي، مشيرا إلى" أن القطاع المالي حافظ على متانته، مدعومًا بارتفاع الاحتياطيات الدولية والسيولة بالعملات الأجنبية لمصرف قطر المركزي في نهاية العام 2024، بزيادة قدرها 3.7% على أساس سنوي مقارنةً بنهاية العام 2023، مع بقاء التصنيف الائتماني للاقتصاد القطري عند مستويات مرتفعة لدى كبرى وكالات التصنيف العالمية، لتؤكد بذلك مرونة دولة قطر وجاذبيتها المستمرة كوجهة استثمارية آمنة ومستقرة."
وكان الإنجاز المهم على هذا الصعيد التمكن من خفض الدين بنسبة كبيرة، حيث أوضح سمو الأمير أن "نسبة الدين إلى الناتج المحلي تراجعت من 58.4% في عام 2021 إلى 41.5% بنهاية النصف الأول من عام 2025."
ما تحقق في المجالين المالي والاقتصادي يتكامل مع إنجازات قطاع الطاقة الذي واصل نموه الواثق رغم التحديات الاقتصادية والجيوسياسية، حيث أكد سمو الأمير أن " قطاع الطاقة تجاوز آثار الصراعات الإقليمية واستمر بالإمدادات العالمية للطاقة دون انقطاع." منوها بالإنجاز الكبير في افتتاح محطتين للطاقة الشمسية في رأس لفان ومسيعيد تأكيدا لالتزام قطر بالاستدامة البيئية.
ونظرا لأهمية القطاع الخاص ودوره في التنمية الاقتصادية فقد أكد سمو الأمير أن الدولة تولي اهتمامًا كبيرًا بدعم وتحفيز القطاع الخاص، مشيرا إلى تقديم حزمة واسعة من برامج التمويل والتأمين والضمان، لدعم القطاع الخاص، معلنا عن برنامج لفتح مجالات استثمارية في مشروعات وأصول منتقاة تخلق فرصًا للقطاع الخاص مما يعزز جذب الاستثمارات الأجنبية، ورفع كفاءة التشغيل والإنفاق في قطاعات حيوية مختارة.
واستكمالا لعملية جذب الاستثمار وتوفير أفضل بيئة أعمال في قطر فقد توقف سموه عند أهمية تطوير أنظمة العدالة ووضع الآليات اللازمة لضمان سرعة الفصل في الدعاوى معتبرا أن "العدالة البطيئة نوع من الظلم".
لقد نجحت دولة قطر بجميع مؤسساتها في العمل كمنظومة متكاملة لتحقيق أهداف استراتيجية التنمية الوطنية الثالثة لترجمة رؤية قطر الوطنية 2030 إلى واقع ملموس، حيث أكد سمو الأمير المفدى التزام مؤسسات الدولة بتحقيق التطلعات التنموية المستدامة والشاملة، مشيرا إلى القفزات النوعية التي تحققت في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتعليم والصحة والرفاه الاجتماعي، مما عزز مكانة قطر كوجهة جاذبة للاستثمارات في القطاعات التنافسية والتكنولوجيا.
وبقدر ما تعتبر هذا القفزات نوعية ومهمة بقدر ما حرص سمو الأمير المفدى إلى التوجيه بأنه "ثمة حاجة لمضاعفة الجهود لتحقيق مزيد من الإنجازات في هذه المجالات." تلك هي إرادة القائد الذي يوصي بحاجتنا إلى المزيد من الإنجازات وعدم الاكتفاء بما تحقق. فالطموح كبير والتطلعات بحجم الطموح لمستقبل مزدهر لقطر وأجيالها المتعاقبة.
لعل النقطة الأكثر أهمية التي وردت في خطاب سمو الأمير المفدى هي الاستثمار في التعليم، حيث قال سموه: الاستثمار في التعليم هو الأساس الذي تقوم عليه نهضتنا، وهو الوسيلة التي نصنع بها مستقبلنا مؤكدا" أن رأس المال البشري هو الثروة الحقيقية لأي دولة، ولذلك فإننا ماضون في تطوير منظومة التعليم والتدريب، وتأهيل كوادرنا الوطنية للمستقبل، لاستيعابهم في سوق العمل على أساس التحصيل والكفاءة والإنجاز".
وعندما نسمع هذه النظرة الثاقبة من سمو الأمير المفدى يحق لنا أن نطمئن إلى مستقبل أجيال قطر، وأن نزهو فخرا بقائد جعل من الاستثمار في التعليم أولوية وأساسا في النهضة.
لقد خاطب سمو الأمير المفدى كعادته المجتمع القطري بكل شفافية وصراحة، فمثلما أشاد سموه بالإنجازات والانتقال إلى مرحلة جديدة، كان حريصا أن ينبه المجتمع ويحذره من بعض المظاهر السلبية التي تبرز مع الارتقاء بمستوى المعيشة والرفاه الاجتماعي، والتي تصاب بها المجتمعات الاستهلاكية، ولذلك حذر سموه من تفاقم نزعة الاتكال على الدولة، داعيا إلى تشجيع الشباب على البحث عن معنى وهدف لحياتهم من خلال العمل وخدمة الوطن والمجتمع.
وعلى الرغم من تناول سمو الأمير في خطابه أمام مجلس الشورى قضايا كثيرة، إلا أن سموه حفظه الله خصص حيزا مهما لموضوع الأسرة وتماسكها، التي أساسها التربية الأسرية والتي أثبتتها كل دراسات العلوم الاجتماعية، حيث قال سموه "أشدد على أهمية التربية الأسرية وضرورة اضطلاع الوالدين مباشرةً بتربية الأطفال". وفي هذه النقطة توجيه سامٍ يستدعي اهتمام الأسر القطرية والأخذ بهذا التوجيه، لأنه ضمانة للاستقرار الاجتماعي وبناء الأجيال القادرة والناجحة.
كان خطاب سمو الأمير شاملا ومتكاملا في جميع جوانب الشأن المحلي، مما يجعله دليلا يسترشد به أبناء المجتمع القطري وبرنامج عمل للمؤسسات في القطاعين العام والخاص. لكن الشأن الخارجي لم يغب عن خطاب سموه، حيث كانت وقفته المهمة عند الشأن الفلسطيني الذي يعتبر الثابت الدائم في سياستنا الخارجية، فقد جدد سموه دعم قطر الثابت للقضية الفلسطينية، والتأكيد على كون غزة جزءًا لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية الموحدة، مشيرًا إلى التزام دولة قطر بدعم حقوق الشعب الفلسطيني وسيادته الوطنية، وحث المجتمع الدولي على حماية الشعب الفلسطيني وضمان عدم إفلات مرتكبي الإبادة من المحاسبة.
لقد جدد سمو الأمير التزام قطر في الإسهام بفاعلية للتصدي لما تواجهه أمتنا العربية والإسلامية من تحديات بما يحقق لشعوبنا طموحاتها في الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة فضلًا عن تحقيق السلم والأمن الدوليين.
إن دولة قطر الوفية تجاه قضايا أمتها العربية والإسلامية وعلى رأسها قضية فلسطين تواصل دورها المشهود في الوساطة وحل النزاعات، حيث أشار سموه إلى أن جهود قطر في هذا المجال أسهمت في تعزيز مكانة قطر العالمية وربط اسمها بدورها الإيجابي والفاعل هذا. وإضافة لما في هذا الدور من فائدة في حل النزاعات وحقن الدماء لصالح الإنسانية جمعاء، فإنه يعزز مكانة الدولة ومنعتها، وشعبنا يدرك ذلك.
إلا أن هذا الدور الفاعل والمؤثر لدولة قطر كان له ثمن باهظ عندما تعرضت قطر لاستهدافين وانتهاكين مستنكرين، أحدهما من إيران والآخر من الكيان الإسرائيلي، إلا أن قطر خرجت منهما أكثر قوة وحصانة، واثبت مجددا المكانة التي تتبوأها في المجتمع الدولي، الذي انتفض رافضا للاعتداءات التي تعرضت لها.
قضية فلسطين ليست قضية إرهاب، بل هي قضية احتلال مديد.. هكذا وصف سمو الأمير المفدى، القضية الفلسطينية العادلة، وهو وصف دقيق لا يحتاج إلى كثير من الشرح أو البحث عن اقناع.. الحل إنهاء الاحتلال وإعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة.
لقد تضمن خطاب سمو الأمير المفدى، حفظه الله ورعاه، بشائر الخير لأهل قطر، مثلما تضمن التزاما بثوابت السياسة الخارجية لجهة الاستمرار بدور الوساطة لحل النزاعات بالطرق السلمية خدمة للإنسانية جمعاء.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1272
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1056
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
999
| 07 يناير 2026