رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رؤية متكاملة قدمها سمو الأمير لركائز التنمية والإنجازات..
الاستثمار في التعليم ضمانة لمستقبل أجيال قطر
الخطاب السامي السنوي لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه، أمام افتتاح دور انعقاد مجلس الشورى يحظى بترقب شديد محليا وخارجيا، لما يتميز به من طرح ورؤى ثاقبة، وما يحمله من خريطة طريق لعمل مؤسسات القطاعين العام والخاص، وهو خطاب يستأثر باهتمام كبير من قبل أبناء قطر الذين يتلمسون من رؤية سمو الأمير وتوجيهاته ورسائله المتضمنة بالخطاب استرشادا للحاضر والمستقبل، لاستكمال مسيرة النهضة والتنمية الشاملة.
لقد قدم سمو الأمير المفدى صورة ناصعة لما تحقق من إنجازات جديرة بالفخر والاعتزاز وتشكل بوابة عبور نحو المستقبل المزدهر، تنتقل فيه قطر إلى مرحلة جديدة من التطور والنمو.
ولهذا حرص سموه على الدعوة لحمد الله وشكره على النعم التي أنعم بها على قطر، حيث توجه إلى أبناء قطر قائلا:"علينا أن نحمد الله على نعمه وأن نتذكر أن هذه النعم لا تدوم إلا من خلال الجهد الدؤوب في الحفاظ عليها وتطويرها والاستثمار فيها لخير المجتمع والأجيال القادمة".
هذه النعم تتطلب أن يتحمل الجميع مسؤوليته تجاه الحفاظ على المكتسبات والإنجازات والارتقاء بالإنسان وقيمه وهويته الحضارية، ولذلك دعا سموه إلى" تشجيع الشباب على البحث عن معنى وهدف لحياتهم من خلال العمل وتطوير أنفسهم والإسهام في خير الوطن والمجتمع."
ومع دخول قطر مرحلة جديدة من التطور في جميع المجالات فقد نبه سمو الأمير المفدى إلى أن "للتطور مقتضياته وتتطلب المرحلة الارتقاء بدور المواطن وإدراكه لمسؤولياته، كما تتطلب الانفتاح على الأفكار الجديدة ومواكبة التطور العلمي والتكنولوجي والثقافي على المستوى العالمي."
إنها مسؤولية كبرى تقتضي إدراك المواطنين لواجباتهم تجاه هذه المرحلة الجديدة التي يدخلها الوطن لمواكبة التطور والانتساب بجدارة إلى العصر، تتطلب وعيا وانفتاحا وتفهما للأفكار الجديدة التي ينتجها التطور العلمي والتكنولوجي.
فالحفاظ على الهوية الوطنية والقيم والالتزام بالمبادئ جزء أساسي لتقدم المجتمعات، وهو ما يتطلب اليوم من الأسرة أن تغرس هذه الأمور في أبنائها من الصغر، فهي تشكل حصانة للأجيال في الكبر.
وتعتبرالمرحلة الجديدة التي تدخلها قطر ثمرة من ثمار الإنجازات التي تحققت في اقتصادنا الوطني والتي حرص سمو الأمير المفدى أن يبدأ الخطاب بالإشارة إلى أن اقتصادنا الوطني واصل أداءه الإيجابي في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم بالتقلبات، وحافظ على استقراره وثقة المستثمرين بقدرتنا على إدارة مواردنا بكفاءة عالية، كما أن كل المؤشرات تؤكد "أداء اقتصادي واعد، حيث يحافظ الاقتصاد القطري على وتيرة نمو قوية فقد سجل نسبة نمو بلغت 2.4% في العام 2024 ونسبة 1.9% على أساس سنوي خلال الربع الثاني من عام 2025، ولعبت القطاعات غير الهيدروكربونية دورًا أساسيًا وداعمًا للتنمية المستدامة."
هذا النجاح الاقتصادي يستند إلى رصيد من الإنجازات في القطاع المالي، وقد تطرق سمو الأمير إلى هذا النجاح المالي، مشيرا إلى" أن القطاع المالي حافظ على متانته، مدعومًا بارتفاع الاحتياطيات الدولية والسيولة بالعملات الأجنبية لمصرف قطر المركزي في نهاية العام 2024، بزيادة قدرها 3.7% على أساس سنوي مقارنةً بنهاية العام 2023، مع بقاء التصنيف الائتماني للاقتصاد القطري عند مستويات مرتفعة لدى كبرى وكالات التصنيف العالمية، لتؤكد بذلك مرونة دولة قطر وجاذبيتها المستمرة كوجهة استثمارية آمنة ومستقرة."
وكان الإنجاز المهم على هذا الصعيد التمكن من خفض الدين بنسبة كبيرة، حيث أوضح سمو الأمير أن "نسبة الدين إلى الناتج المحلي تراجعت من 58.4% في عام 2021 إلى 41.5% بنهاية النصف الأول من عام 2025."
ما تحقق في المجالين المالي والاقتصادي يتكامل مع إنجازات قطاع الطاقة الذي واصل نموه الواثق رغم التحديات الاقتصادية والجيوسياسية، حيث أكد سمو الأمير أن " قطاع الطاقة تجاوز آثار الصراعات الإقليمية واستمر بالإمدادات العالمية للطاقة دون انقطاع." منوها بالإنجاز الكبير في افتتاح محطتين للطاقة الشمسية في رأس لفان ومسيعيد تأكيدا لالتزام قطر بالاستدامة البيئية.
ونظرا لأهمية القطاع الخاص ودوره في التنمية الاقتصادية فقد أكد سمو الأمير أن الدولة تولي اهتمامًا كبيرًا بدعم وتحفيز القطاع الخاص، مشيرا إلى تقديم حزمة واسعة من برامج التمويل والتأمين والضمان، لدعم القطاع الخاص، معلنا عن برنامج لفتح مجالات استثمارية في مشروعات وأصول منتقاة تخلق فرصًا للقطاع الخاص مما يعزز جذب الاستثمارات الأجنبية، ورفع كفاءة التشغيل والإنفاق في قطاعات حيوية مختارة.
واستكمالا لعملية جذب الاستثمار وتوفير أفضل بيئة أعمال في قطر فقد توقف سموه عند أهمية تطوير أنظمة العدالة ووضع الآليات اللازمة لضمان سرعة الفصل في الدعاوى معتبرا أن "العدالة البطيئة نوع من الظلم".
لقد نجحت دولة قطر بجميع مؤسساتها في العمل كمنظومة متكاملة لتحقيق أهداف استراتيجية التنمية الوطنية الثالثة لترجمة رؤية قطر الوطنية 2030 إلى واقع ملموس، حيث أكد سمو الأمير المفدى التزام مؤسسات الدولة بتحقيق التطلعات التنموية المستدامة والشاملة، مشيرا إلى القفزات النوعية التي تحققت في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتعليم والصحة والرفاه الاجتماعي، مما عزز مكانة قطر كوجهة جاذبة للاستثمارات في القطاعات التنافسية والتكنولوجيا.
وبقدر ما تعتبر هذا القفزات نوعية ومهمة بقدر ما حرص سمو الأمير المفدى إلى التوجيه بأنه "ثمة حاجة لمضاعفة الجهود لتحقيق مزيد من الإنجازات في هذه المجالات." تلك هي إرادة القائد الذي يوصي بحاجتنا إلى المزيد من الإنجازات وعدم الاكتفاء بما تحقق. فالطموح كبير والتطلعات بحجم الطموح لمستقبل مزدهر لقطر وأجيالها المتعاقبة.
لعل النقطة الأكثر أهمية التي وردت في خطاب سمو الأمير المفدى هي الاستثمار في التعليم، حيث قال سموه: الاستثمار في التعليم هو الأساس الذي تقوم عليه نهضتنا، وهو الوسيلة التي نصنع بها مستقبلنا مؤكدا" أن رأس المال البشري هو الثروة الحقيقية لأي دولة، ولذلك فإننا ماضون في تطوير منظومة التعليم والتدريب، وتأهيل كوادرنا الوطنية للمستقبل، لاستيعابهم في سوق العمل على أساس التحصيل والكفاءة والإنجاز".
وعندما نسمع هذه النظرة الثاقبة من سمو الأمير المفدى يحق لنا أن نطمئن إلى مستقبل أجيال قطر، وأن نزهو فخرا بقائد جعل من الاستثمار في التعليم أولوية وأساسا في النهضة.
لقد خاطب سمو الأمير المفدى كعادته المجتمع القطري بكل شفافية وصراحة، فمثلما أشاد سموه بالإنجازات والانتقال إلى مرحلة جديدة، كان حريصا أن ينبه المجتمع ويحذره من بعض المظاهر السلبية التي تبرز مع الارتقاء بمستوى المعيشة والرفاه الاجتماعي، والتي تصاب بها المجتمعات الاستهلاكية، ولذلك حذر سموه من تفاقم نزعة الاتكال على الدولة، داعيا إلى تشجيع الشباب على البحث عن معنى وهدف لحياتهم من خلال العمل وخدمة الوطن والمجتمع.
وعلى الرغم من تناول سمو الأمير في خطابه أمام مجلس الشورى قضايا كثيرة، إلا أن سموه حفظه الله خصص حيزا مهما لموضوع الأسرة وتماسكها، التي أساسها التربية الأسرية والتي أثبتتها كل دراسات العلوم الاجتماعية، حيث قال سموه "أشدد على أهمية التربية الأسرية وضرورة اضطلاع الوالدين مباشرةً بتربية الأطفال". وفي هذه النقطة توجيه سامٍ يستدعي اهتمام الأسر القطرية والأخذ بهذا التوجيه، لأنه ضمانة للاستقرار الاجتماعي وبناء الأجيال القادرة والناجحة.
كان خطاب سمو الأمير شاملا ومتكاملا في جميع جوانب الشأن المحلي، مما يجعله دليلا يسترشد به أبناء المجتمع القطري وبرنامج عمل للمؤسسات في القطاعين العام والخاص. لكن الشأن الخارجي لم يغب عن خطاب سموه، حيث كانت وقفته المهمة عند الشأن الفلسطيني الذي يعتبر الثابت الدائم في سياستنا الخارجية، فقد جدد سموه دعم قطر الثابت للقضية الفلسطينية، والتأكيد على كون غزة جزءًا لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية الموحدة، مشيرًا إلى التزام دولة قطر بدعم حقوق الشعب الفلسطيني وسيادته الوطنية، وحث المجتمع الدولي على حماية الشعب الفلسطيني وضمان عدم إفلات مرتكبي الإبادة من المحاسبة.
لقد جدد سمو الأمير التزام قطر في الإسهام بفاعلية للتصدي لما تواجهه أمتنا العربية والإسلامية من تحديات بما يحقق لشعوبنا طموحاتها في الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة فضلًا عن تحقيق السلم والأمن الدوليين.
إن دولة قطر الوفية تجاه قضايا أمتها العربية والإسلامية وعلى رأسها قضية فلسطين تواصل دورها المشهود في الوساطة وحل النزاعات، حيث أشار سموه إلى أن جهود قطر في هذا المجال أسهمت في تعزيز مكانة قطر العالمية وربط اسمها بدورها الإيجابي والفاعل هذا. وإضافة لما في هذا الدور من فائدة في حل النزاعات وحقن الدماء لصالح الإنسانية جمعاء، فإنه يعزز مكانة الدولة ومنعتها، وشعبنا يدرك ذلك.
إلا أن هذا الدور الفاعل والمؤثر لدولة قطر كان له ثمن باهظ عندما تعرضت قطر لاستهدافين وانتهاكين مستنكرين، أحدهما من إيران والآخر من الكيان الإسرائيلي، إلا أن قطر خرجت منهما أكثر قوة وحصانة، واثبت مجددا المكانة التي تتبوأها في المجتمع الدولي، الذي انتفض رافضا للاعتداءات التي تعرضت لها.
قضية فلسطين ليست قضية إرهاب، بل هي قضية احتلال مديد.. هكذا وصف سمو الأمير المفدى، القضية الفلسطينية العادلة، وهو وصف دقيق لا يحتاج إلى كثير من الشرح أو البحث عن اقناع.. الحل إنهاء الاحتلال وإعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة.
لقد تضمن خطاب سمو الأمير المفدى، حفظه الله ورعاه، بشائر الخير لأهل قطر، مثلما تضمن التزاما بثوابت السياسة الخارجية لجهة الاستمرار بدور الوساطة لحل النزاعات بالطرق السلمية خدمة للإنسانية جمعاء.
رسائل اعتداءات إيران على دول مجلس التعاون
حذّرت في مقالي الأسبوع الماضي في الشرق-"حذار أن ننجر إلى حرب ليست حربنا"-برغم استفزازات إيران واستمرارها بقصف أهداف... اقرأ المزيد
186
| 15 مارس 2026
لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟
«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»، قالها الحارث بن عباد لبني شيبان عندما طلبوا منه الانضمام... اقرأ المزيد
195
| 15 مارس 2026
علاقتنا بالمسجد الأقصى
الحديث عن المسجد الأقصى ليس مُجرّد حديث عن مسجد ضمن الأوقاف الإسلامية، بل هو حديث عن قضية من... اقرأ المزيد
129
| 15 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
8646
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
4599
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1431
| 11 مارس 2026