رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نظرت الأم إلى عيني ابنتها قائلة: فستان العيد اللي فات لسه جديد، وكأنها تكتشف أمرا ولا تضمر في نفسها عجز الأسرة عن شراء فستان جديد للابنة، وكانت المفاجأة في رد الابنة: يعني ألبسه العيد ده يا ماما؟، لترد الأم بسؤال ابنتها: وهو ينفع يا سمية؟، لتتوالى مفاجآت الحوار برد الابنة قائلة: العيد اللي فات أنا لبسته لما كنا مهاجرين في فاقوس، العيد ده إحنا في الزقازيق، يعني مفيش حد هنا شافني لابساه، وحيقولوا عليه جديد.
كان عمر سمية يومها يقترب من التاسعة، وها هي بعد ما يتجاوز الأربعين عاما تقابل العيد بخطر الموت فوق ذات الأرض، ولكن من غير ذات العدو.
وكأن الأرض في الإسماعيلية حبيسة عدوان مستمر، وكأنه قدر على أهلها استمرار حالة التهجير إلى المحافظات القريبة منها.
شهد جيل الآباء تهجيرا من الإسماعيلية أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث كانت الطائرات الألمانية تغير على أكبر قاعدة للجيش البريطاني في الشرق الأوسط بالإسماعيلية، وكانت قوات روميل تقطع الصحراء الغربية بلا رادع لتصل عبر العلمين لثلاثة أهداف على التوازي هي الإسكندرية والقاهرة والإسماعيلية، وتعرضت الإسماعيلية لغارات متوالية، وكان على الأهالي أن يجدوا لأنفسهم مكانا آمنا خارج المدينة.
ثم كانت حركة الفدائيين في مواجهة الاحتلال البريطاني في إعقاب إلغاء معاهدة 1936، لتبدأ حركة المقاومة بمظاهرات شعبيه لأيام تبلغ ذروتها يوم 16 أكتوبر 1951 عندما يهاجم طلبة المدرسة الثانوية مقر "N.A.A.F.I". الذي يقدم خدماته لأسر الضباط وجنود الاحتلال بميدان محطة السكك الحديدية، ويشعلوا فيه النيران ويحرقوا عددا من سيارات الاحتلال، وتستخدم القوات البريطانية الرصاص في مواجهة الأهالي، وتتعدد ألوان المقاومة وتنمو حركة الفدائيين، وتصبح شوارع المدينة تحت الحصار، وتكون الهجرة داخلية، بين حي العرب والحي الإفرنجي حيث يقل الحصار رغم أنه ساحة العمليات الفدائية.
كانت الشوارع غريبة على أهلها وساكنيها، والجنود البريطانيون يبحثون ويفتشون ويهاجمون ويزرعون أيضاً عملاء لهم بحثا عن الفدائيين.
العمال الفقراء تركوا معسكرات الجيش البريطاني التي كانت توفر لهم فرص العمل الوحيدة، ليجدوا قوات الاحتلال أمامهم بسلاح الإمبراطورية، وصارت الإسماعيلية حبيسة الحصار سواء للقادم إليها أو الخارج منها، أو لمن يتحرك في شوارعها. وكان هناك أيضاً من المصريين من واصل تعامله مع جيش الاحتلال.
وأيضا يومها كان معلوما من العدو، وكان الهدف هو جلاء المستعمر عن الأرض.
وأثناء العدوان الثلاثي عام 1956 كانت هناك هجرة داخلية بعيدة عن خط السكك الحديدية الذي يقسم المدينة نصفين، أو بعيدا عما كان من معسكرات للجيش البريطاني أو المطارات، وكان العدو معروفا أيضا.
وكانت الهجرة الكبرى في أعقاب حرب يونيو 1967، حيث جرى تهجير سكان مدن القناة الثلاث، بل وتم أيضاً نقل مصانع للأسمدة والكيماويات والصباغة من السويس والإسماعيلية إلى وسط وغرب الدلتا.
كان الهدف محددا وهو حرمان العدو الصهيوني من أن يتخذ أهل المدن الثلاث رهينة مدفعيته، وكان العدو واضحا وجليا، ومراجعة تاريخ تلك المرحلة تكشف حجم الدمار الذي أحدثه العدو الصهيوني في مدن القناة.
ظلت الأرض حبيسة العدوان ما إن تنقضي حلقة من حلقاته حتى تتلوها أخرى، والمواطنون يعانون إما من قطع الرزق أو الهجرة، وكان القبول فعلا وطنيا وإراديا.
أمة تواجه احتلالا أجنبيا وتنشد الاستقلال، فهل يمكن تحقيق ذلك دون ثمن؟
كانت الوقائع منطقية، ولم يكن هناك حيرة في الأمر، فإما أنك مع الاستقلال فتدفع الثمن، أو أنك مع المحتل فأنت خائن، معادلة بسيطة وواضحة حتى وإن حاول من يتهم بالخيانة أن يبرر أمره فلن يجد من يسمع له.
ولكن ما يقع هذه الأيام في مصر يتجاوز المنطق الذي جرى به القياس في الماضي.
يوم السبت 19 أكتوبر 2013، أي بعد 62 عاما من بدء المقاومة وحركة الفدائيين وحرق مبنى النافي، انفجرت عبوة ناسفة بجوار مبنى المخابرات بالإسماعيلية، وكانت الأضرار التي لحقت بالمبنى المجاور له أكبر مما أصاب مبنى المخابرات ذاته، والمفارقة أن الصبية التي قبلت أن ترتدي فستان عيد مضى منذ أكثر من 45 عاما، نجت من الموت وزملاءها في الشركة التي يعملون بها، ولكنهم لم يجدوا إجابة عن سؤال، من الذي يستهدفنا بالقتل.
ومفارقة ثانية تعاني منها صبية الأمس، أن جارا لها فقد ابنة في مظاهرات واشتباك متبادل بين جماعة الإخوان وبين الأهالي، فكيف به يقبل بالقتل هكذا مبررا لحياته؟، وينطلق سؤال صارخ منها: همه مش مصريين دول ولا مسلمين؟ دول مين وعايزين يقتلونا ليه؟
والمفارقة الثالثة التي تلجم الألسن، من يمكنه أن يستهدف الجيش المصري، وبماذا نصف من يستهدف مقر المخابرات الحربية للجيش المصري؟
وكأن هناك من يقول للشعب المصري، إن كنت نجحت في تحرير إرادتك، فإننا سنحرق الأرض تحت قدميك!!، وستظل الأرض حبيسة محاصرة.
وليست تلك نهاية المفارقات ولكن أصوات تخرج مؤيدة لهذه الأفعال، وأصوات أخرى تخرج متحدثة عن تصالح بين أطراف، وكأن كل الوطن والدولة والشعب والمؤسسات في كفة ميزان، وفي الكفة الأخرى جماعة الإخوان ومن أحاط بها من جماعات أو أفراد أو حتى تشكيلات يسارية في الداخل وعلاقات أممية وغربية في الخارج.
الأمر في هذه المواجهة لا تجدي معه هجرة المواطنين الداخلية أو خارج الوطن. الأمر في هذه الحالة أن المواطنين هم جوهر المواجهة وبكافة الأدوات والوسائل وأيا كان الثمن.
واقعة انفجار الإسماعيلية ليست هي الأقسى، ولكنها كانت تحمل عمقا يمكن ربطة بالتاريخ بين الوطن والمواطن والجيش وبين العدوان وعناصره.
وهي ليست بالواقعة التي يمكن الخوض فيها على أساس طائفي، وإن حمل اليوم التالي هجوما مسلحا على كنيسة بالجيزة، ومشهدا لخروج مظاهرات من طلبة الإخوان بجامعة الأزهر في حالة من الانفلات الذي يتجاوز أن تكون المظاهرة وسيلة تعبير، فليس بينهم عاقل يقول لهم، إن الاغتيال والقتل والحرق ووقف الحياة، يثير فوضى ولكنه لا يحسم أمرا، وأنه مهما طال بهم أمد الفوضى زمنا أو مكانا أو حصد من أرواح الأبرياء ما حصد، فإنه لن يغير من الواقع شيئا، فيما عدا، أن لديهم ما ينتظرونه من مدد أو تدخل من الخارج، ولأنهم لم يقرءوا التاريخ، فهم لا يعلمون أنهم سيكونون مجرد أداة ستطؤها الأقدام قبل سواهم.
ما يسمى بالإسلام السياسي ومثقفيه، لا وجود له فوق أرض مصر بغير أن يكون مصريا أولا، ودون ذلك فوجوده مجرد سراب وجرح قد يدمى لزمن ولكنه حتما سيندمل، حتى إن وجب العلاج بالكي بالنار.
ولعلهم يدركون أن الشعب بلغ به الوعي أن حرر دينه من ولايتهم عليه، وحرر وطنه من محاولات تفكيكه، وأن العداء بينهم وبين الجيش هو بالأساس عداء بينهم وبين الشعب، وتحول الجيش إلى جانب الشعب هو الصدمة التي أطاحت بقدرتهم على استيعاب ما يجري.
ولعلهم يدركون أن الشباب يعي مخططاتهم للتجنيد والإعداد، كشف الشباب الحقائق واستوعبها، ولا أظن أن هناك غافلا في مصر عما يجري.
ستتحرر الأرض كما تحررت الإرادة، وستبقى مصر، وسترتدي الصبايا في كل عيد فستانا جديدا عندما يقوم مجتمع الحرية والعدالة الاجتماعية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1503
| 29 مايو 2026
لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ الغربة من أقرب المسافات… من داخل المنزل نفسه. من تلك اللحظة التي يجلس فيها الجميع معًا، لكن دون حديث حقيقي، ودون شعور حقيقي بالحضور. أصبحنا نعيش حياة سريعة لدرجة أننا فقدنا التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع دفء العائلة. كل شخص يحمل همومه الخاصة، وضغوطه، وعالمه المغلق، حتى تحوّلت البيوت تدريجيًا إلى أماكن للراحة الجسدية فقط، لا للاحتواء النفسي. الأب يعود متعبًا من مسؤوليات الحياة، والأم تُرهقها الضغوط اليومية دون أن تجد من يسألها عن تعبها، والأبناء يعيشون داخل عوالم رقمية طويلة، يهربون إليها أكثر مما يقتربون من أسرهم. ومع الوقت، أصبح الحوار أقل، والمشاركة أضعف، والمشاعر مؤجلة دائمًا إلى وقت لا يأتي. المشكلة ليست في قلة الحب، فالكثير من العائلات تحب بعضها بصدق، لكن التعب غلب التعبير، والانشغال سرق التفاصيل، والاعتياد جعل الجميع يظن أن وجود الآخر أمر مضمون لا يحتاج إلى اهتمام أو احتواء. نحن لا ننتبه عادةً إلى أن العلاقات لا تنهار فجأة، بل تبهت بصمت. تبدأ بتأجيل الجلسات العائلية، ثم يتحول السؤال عن الحال إلى مجرد عادة سريعة، ثم يعتاد كل شخص على وحدته داخل البيت نفسه. حتى المناسبات العائلية لم تعد كما كانت، أصبحت الهواتف حاضرة أكثر من الأحاديث، والصور أكثر من المشاعر، والوجود الشكلي أكثر من التواصل الحقيقي. المؤلم أن بعض الأشخاص لا يشعرون بالوحدة خارج المنزل… بل داخله. يشعرون أنهم غير مفهومين، أو أن أحدًا لا يلاحظ صمتهم، أو تغيرهم، أو حتى تعبهم النفسي. وهذا النوع من الوحدة من أكثر المشاعر قسوة، لأن الإنسان يتوقع من منزله أن يكون مساحة أمانه الأولى. هناك شعور قاسٍ لا يستطيع الإنسان شرحه بسهولة… أن يعود إلى منزله، إلى المكان الذي يفترض أن يحتويه، ثم يشعر وكأنه لا ينتمي إليه. لا بسبب خلاف كبير، ولا قسوة واضحة، بل بسبب ذلك الفراغ الصامت الذي يكبر يومًا بعد يوم بين أفراد الأسرة الواحدة. أن تكون حاضرًا بجسدك، لكن غائبًا شعوريًا. أن تتحدث ولا يشعر أحد بما خلف كلماتك. أن تتعب بصمت، وتبتسم بصمت، وتنهار داخليًا دون أن يلاحظك أحد، الأسرة لا تحتاج إلى الكمال، ولا إلى حياة مثالية، بل تحتاج إلى إنصات، واهتمام، وحديث صادق، ووقت حقيقي يشعر فيه كل فرد أنه ليس مجرد شخص يعيش في المكان… بل روح لها قيمة ومكانة. فالإنسان قد يتحمل قسوة الحياة كلها، لكنه يضعف حين يشعر أنه وحيد بين أهله.
792
| 24 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
759
| 31 مايو 2026