رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحمل مسؤوليات التكليف التي وضعها سمو الأمير الوالد على كتفيه..
عبد الله بن حمد العطية.. شمس تاريخ لا تغيب
- أبو حمد صاحب كاريزما حوَّل الصخور والرمال والبحر إلى معجزة
- قصة بناء مدينة رأس لفان وثيقة تاريخية تحكي كيف نفذ بنجاح باهر سياسة القيادة
- في رأس لفان تجلت ثقة الأمير الوالد في العطية الذي عرفه منذ أيام الطفولة
- رسخ مكانة قطر في محافل الطاقة وبنى علاقات إنسانية راسخة مع العالم
- منشآت الطاقة صرح شامخ يجسِّد على أرض الواقع رؤية القيادة الواعية
- اتسم مجلسه بحيوية التواصل الاجتماعي ودفء أجواء التفاعل مع زواره
- وضع الإنسان اللبناني في حدقات عيونه فبادله كثيرون في لبنان الحب بالحب
- التواضع الكامن في أعماقه ميَّزه بالقدرة الفائقة على التواصل مع مجتمعه والخارج
أثار انتقال الفقيد العزيز، عبدالله بن حمد العطية، نائب رئيس الوزراء ووزير الطاقة الأسبق، من دار الفناء، إلى دار البقاء، أصداء واسعة في أوساط القطريين والمقيمين، وفي أوساط دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ودول كبرى في العالم عرفت بصماته، حينما كان ينفذ بنجاح باهر، سياسة القيادة، ويرسخ مكانة وطنه الذي أحب، في محافل الطاقة، وخصوصا بعد ما تبوأت قطر مكانة رفيعة ضمن قائمة الدول.
شخصيته الودودة، بنبضها الإنساني ونبض التواضع الكامن في أعماقه، ميّزته بالقدرة الفائقة على التواصل مع أهله ومجتمعه ومجتمعات خارج قطر، إذ ارتبط بعلاقات محبة ومودة واحترام متبادل مع أوساط فاعلة في المنطقة والعالم.
في لقاءات اجتماعية، في بيته العامر، اتسم مجلسه بحيوية التواصل الاجتماعي، ودفء أجواء التفاعل مع زواره، وقد بنى شبكة علاقات إنسانية عريضة.
أبو حمد تميز بأنه صاحب كاريزما، وقد بدت واضحة للعيان من خلال شخصيته التي تتمتع بالقدرة على النقاش حول قضايا عدة، وطرح الرؤى وتحليل المعلومات والأفكار، والتعليقات حول الأحداث والتطورات هنا أو هناك.
كان رجل دولة بمقاييس رجل الدولة العصري
في وطنه كان شخصية ملهمة لأنه كان قادرا على تحمل أعباء وتحديات ما كلفته القيادة بإنجازه. وقد نجح في تحمل مسؤوليات التكليف التي وضعها سمو الأمير الوالد على كتفيه حينما قرر سموه تنفيذ بناء مدينة رأس لفان الصناعية، العملاقة.
روى عبد الله بن حمد العطية في تسجيلات متداولة قصة بناء مدينة رأس لفان، بناء على توجيهات سمو الأمير الوالد، وجاءت شهادته بمثابة وثيقة تاريخية تحكي كيف نقل سمو الأمير الوالد دولة قطر من وضع اقتصادي كان يعاني من صعوبات إلى مرحلة بناء صرح اقتصادي عملاق.
قال أبو حمد: «ركز سمو الأمير الوالد على مشروع إنتاج الغاز في رأس لفان واختارني، ورسم خريطة طريق لتنفيذ المشروع».
هنا تجلت ثقة سمو الأمير الوالد في عبد الله بن حمد العطية، الذي عرفه منذ أيام الطفولة، وتشكلت بينهما علاقة صداقة تاريخية.
يقول الراحل في هذا الشأن، في تسجيل متداول «ارتبطت مع سمو الأمير الوالد بعلاقة صداقة منذ الطفولة، في عمر خمس سنوات».
ويلفت في هذا الشأن في شهادة تاريخية مهمة إلى أن سمو الأمير الوالد «كان قياديا منذ أن كان صغيرا، كانت لديه روح القيادة والزعامة» و»حينما نلعب كرة القدم كان هو الكابتن والرئيس» و»كان يقود حتى الأكبر منه سنا».
هذا التلاقي والتفاعل الاجتماعي والإنساني بين سمو الأمير الوالد وعبد الله بن حمد العطية الوزير المسؤول آنذاك عن تنفيذ أكبر مشروع اقتصادي تاريخي في دولة قطر عكس حقائق تاريخية.
وطنيا، أهم ثمار هذه العلاقة بدت في بناء مدينة رأس لفان الصناعية، الصرح الشامخ، الذي جسَّد على أرض الواقع رؤية القيادة الواعية، ونجاح الوزير عبد الله بن حمد الذي حمل أمانة التكليف وأحالها إلى واقع محسوس وملموس، ليس داخل قطر فقط، بل في العالم كله، وهو عالم باتت دولة قطر تمده بإنتاج وفير من الغاز، ما ساهم في تشكيل شبكة علاقات دولية وإقليمية قوامها المصالح المشتركة.
أثنى فقيد الوطن على الدور الكبير الذي قام به حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى في تطوير مشاريع النفط والغاز.
وواقع الحال يشهد أن سمو الأمير، دعم مشاريع النهضة التي تحققت في عهد سمو الأمير الوالد، ونجح في تعزيز مسيرة إنتاج الغاز، ووضع دولة قطر في مصاف الدول ذات التأثير العالمي الفعال.
هذا التطور نقل حياة القطريين إلى مستويات أفضل، ووضع دولة قطر في موقع متميز على الخريطة الإقليمية والدولية.
من سمات عبد الله بن حمد العطية أنه وثق لتاريخ مهم.
ومثلما روى خلفيات قصة قرار سمو الأمير الوالد بشأن تنفيذ مشروع مدينة رأس لفان الصناعية فقد لفت في إشارة ذات دلالات إلى أن موقع الانجاز «كان عبارة عن صخور ورمال وبحر»، وكان الراحل سعيدا بقوله «الحمد لله المعجزة تحققت».
كما أشرت فإن من أهم سمات عبد الله بن حمد العطية أنه قد وثق شهادت حيوية، وهذا من أهم مجالات العطاء التي قدمها لوطنه، وللجيل الجديد، وللتاريخ.
سمات الإشراق في شخصية عبد الله بن حمد العطية كثيرة، وتناولها كثيرون، لكنني أود الإشارة إلى شخصيته التي تُجيد قراءة أحداث التاريخ، في المنطقة والعالم وترصد مساراته، إذ كان موسوعة تمشي على الأرض.
كان في هذا الإطار يتمتع بقدرات لافتة، تبدو في قوة الذاكرة، والمهارة باستدعاء المعلومات عن هذا البلد أو ذاك.
أشير إلى أنصع الأمثلة في هذا السياق بدت جلية في معرفته الموسوعية بلبنان، البلد، الشعب، التاريخ، التركيبة السكانية، البيوت السياسية، وكان وضع الإنسان اللبناني في حدقات عيونه، فبادله كثيرون في لبنان، الحب بالحب والتقدير بالتقدير.
ما أصعب الكتابة عن أبو حمد! الإنسان جميل الداخل. الرجل الشهم الكريم. المسؤول الذي أعطى لوطنه الكثير من الجهد والسهر والتعب في سبيل رفعته، ورفع رايته، والدفاع عن سيادته من خلال إنجاح مشاريع كبرى في مجال الغاز
رحل عبد الله بن حمد العطية، لكنه الراحل المُقيم، أي أن سيرته حاضرة بيننا، بعطائه وما حققه لوطنه من انجازات.
فراق عبد الله بن حمد العطية محزن وموجع.
نشتاق إلى أحاديثه النابعة من القلب والعقل.
الذكريات الجميلة ستبقى.
وجوده المُوثّق بالحقائق سيزداد توهجا في الذاكرة الجمعية للقطريين والخليجيين، ولمن زاملوه وتعاملوا معه في دول كبرى والمحافل الدولية.
عبد الله العطية شمس تاريخ لا تغيب، فهو صاحب إرث متميز، وبصمات ناصعة في تاريخ قطر الحديث.
علماء اللغة العربية يرون أن «التاريخ المشرق لا يمكن طمسه أبدا، هو كالشمس التي تضيء العقول وتلهم الأجيال».
أرى أن عبد الله بن حمد العطية شمس تاريخ تنشر الضياء بنورها وإشراقها وعطائها للوطن، تنفيذا لسياسة القيادة القطرية، وتعبيرا عن قدراته الشخصية الفذة التي تجلت في فنون الإدارة والإنجاز والشفافية والنزاهة.
حقق نجاحا باهرا لدولة قطر، واستحق عن جدارة تقدير واحترام ومحبة القيادة، لأنه خدم وطنه بإخلاص وأمانة وجدية.
نسأل الله أن يرحم عبد الله بن حمد العطية رحمة واسعة ويسكنه فسيح جناتك مع الصديقين والشهداء.
اللهم أكرم نزله، ووسع مدخله..
«إنا لله وإنا إليه راجعون»
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● وزير الدولة، الأمين العام السابق لمجلس التعاون لدول الخليج العربية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
4941
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2685
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2298
| 02 يونيو 2026