رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت هند السويدي في حد ذاتها.. قصة قصيرة جداً.. استمرت في الحياة ما يقارب ستا وثلاثين سنة تزيد أو تنقص لا ضير طالما أنها انتهت فلا جدوى من معرفة عمرها الزمني.. المهم أنها مدة قصيرة جداً.. والمهم أيضاً أنها لن تختفي من ذاكرة قرّائها ولا محبيها ولا أهلها ولا أبنائها بل ولا أهل قطر الطيبين.. فهو شأنهم دائماً.. يذكرون " الطيبين " بكل خير ويحسنون سرد القصص عنهم وحولهم بعد رحيلهم..
لقد كانت كاتبة المقالات والقصص القصيرة.. الكاتبة القطرية هند السويدي.. هي نفسها بمثابة قصة قصيرة.. لم نستمتع بقراءة أحداثها الإنسانية الرائعة حتى انتهت سريعاً، فجاءت بخلاف سائر القصص القصيرة الأخرى، سردها الزمن إلينا بسرعة فائقة لدرجة أننا من فرط إعجابنا بهذه القصة أحببنا تكرار قراءتها مرّة أخرى.. ولكن هيهات أن يعود من ذهب للقاء ربّه.. ولكن تبقى ملامح تلك القصة الرائعة في نفوس المحيطين بها، فهند السويدي قبل أن تكون كاتبة كانت إنسانة فاضلة شريفة عفيفة ملتزمة بتعاليم دينها كعموم بنات قطر، تربّت على حبّ الله وحبّ رسوله وكل ما جاء من هذين النبعين من أنهار متدفقة بالخير والإحسان والإيمان، حتى أصبحت سيّدة كعموم سيّدات قطر اللاتي تربّين على خلق عظيم وأدب جمّ فأصبحت مدرسة للأخلاق لأبنائها وخير معين وأنيس لرفيق دربها.. زوجها، وخير ابنة لأمها وأبيها.. حتى فاض خيرها من تلك المنابع فغمرت بحسن أخلاقها ورقي أدبها وتعاملها سائر أهلها والناس أجمعين، حتى حظيت أنا بشيء يسير من ذلك الخير فإذا بي أشاهدها للمرة الأولى في أمسية للقصة القصيرة دعيت إليها أنا وهي وسط حضور زوجها ووالدتها – على ما أظن – فأكبرتها في عيني وأجللتها قدرا بحشمتها وأدبها الجمّ وبحفاوة زوجها وأهلها لها وكأنهم يساندونها ويحيطونها في كل لحظات حياتها ويزهون ويفخرون بها، فلم تظهر كبعض أديبات وكاتبات الخليج والعالم العربي عندما خُدعن بأن الطريق إلى الشهرة إنما يأتي بترك الحشمة والوقار، ولفظ الأدب والأخلاق أمام الرجال، وعلو الصوت والضحكات ووضع المساحيق والمنكرات، كلا.. لم تكن هند كذلك.. لقد كانت فتاة مصونة في شبابها، فصانها الله بأبنائها وزوجها الفاضل وبأسرتها وبمحبيها.. وكل أهل قطر بلاشك من محبيها.
ورغم قلّة كتابات هند السويدي وإسهاماتها في فن المقالة والقصة القصيرة إلا أنها عندما أمسكت القلم وكتبت ما كتبت من نصوص سيفخر بها الأدب القطري والخليجي، إلا أنها كتبت نصوصاً تمتاز بروعتها وحسن وصفها وتمكّنها من تصوير ما يدور حولها بأسلوب رائع ممتع، وأزعم بأنها لتزاحم مهام حياتها الأسرية الجميلة لم تعط قلمها مزيداً من الوقت وإلا لكنّا أدركنا.. من هي هند السويدي حقاً.. فليس أقل من أن تكون كاتبة قصة قصيرة رائدة في العالم العربي والإسلامي، ولكنها مشيئة الله التي تعلو وتعرف أكثر مما نعرف، وإرادة الله التي اختارت لقاء ربها.. خيراً من الدنيا وما فيها، وأزعم بأنها كذلك لم تترك قلمها حيناً من الوقت إلا من أجل دورها الرائع بين أسرتها، فهنيئاً لهم تلك الأم والأخت والزوجة التي بارك الله في سني عمرها حتى أعطت كل ذي حق حقّه أو بقدر ما سمح له وقتها وأجلها في هذه الحياة الدنيا الفانية.
ما أجمل أن يعيش الكاتب أو الأديب مع الله ومع هموم دينه وقضايا أمته ووطنه، فتحظى كتاباته بجزء من همومه وآلامه وآماله في كل ما يهمّه في دينه ودنياه، لا أن يطوّع موهبته وما أودعه الله فيه من إبداع في غير ما يراد منه، فكم من شاعر قد كتب عشرات بل مئات القصائد في محبوبته أو في مدح أمير أو ملك أو نحوه، ولم يكتب شيئاً يذكر دفاعاً فيه عن دينه أو عن رسوله أو أمته، ولم يسخّر موهبته في الوصف والصياغة والإقناع والتعبير في خدمة أي غاية تخدم دينه بشكل مباشر أو غير مباشر، وهكذا الحال بالنسبة لكتّاب المقالات والقصة ونحوهم، فمنهم من يكتب مئات المقالات والقصص في شتى المجالات الاقتصادية والسياسية والعاطفية.. ولكنه ينسى أن يؤطر ذلك كلّه بخدمة دينه ومرضاة ربّه، وفي المقابل هناك من جاهدوا بأقلامهم تماماً كما يجاهد المجاهد بسلاحه في الحروب ليعلي كلمة الله، وسخّروا أقلامهم لنصرة دينهم حتى قضوا نحبهم وهم يجاهدون لا يخشون في الله لومة لائم.. كأمثال الأديب والشاعر القطري الدكتور محمد قطبة الذي سخّر جُلّ شعره لقضية المسلمين الأولى.. فلسطين.
لقد كتبت هند السويدي ضمن ما كتبت.. قصة قصيرة بعنوان (الموتى لا ينطقون أبداً) في وصف لحظات الاحتضار واستشعار ما بعد الموت، فكانت بحق أروع وأجمل ما قرأت في هذا المجال، لقد استطاعت هند بوصفها لتلك اللحظة الرهيبة أن تجعلنا نعيشها بتفاصيلها التي تعلمناها وقرأناها في أحاديث رسولنا العظيم محمد صلى الله عليه وسلم، فأجادت في وصفها فشحذت طاقتها وبراعة وصفها في مقاربة الصورة إلى أذهاننا، لا هند ولا نحن نعلم بماهية تلك اللحظة ولا بعظم شعورنا وقتها كيف سيكون، وإنما هي استشرافات للحظة قادمة إلى هند وإلينا أجمعين، وما تلك اللحظات التي عاشتها هند متخيّلة ما يحدث وقت نزول ملك الموت واللحظات الأولى في القبر تمهيداً لبدء القيامة الصغرى للإنسان.. ما تلك القصة وما ذلك الوصف إلا نتيجة فكر إيماني عميق وعقل متفكر في مصيره وقلب يغمره الإحساس بتأنيب المعصية ولو كانت كالنكتة أو النقطة السوداء في القلب، التي لا يقبل بها أبداً جسد الطاهرين والطاهرات من أهل الدنيا فيسارعوا لمحوها وطلب المغفرة من الله، والتوبة من تلك الصغائر ناهيك عن الكبائر، لأنهم أكبروا الله في نفوسهم فأصبحت صغائر غيرهم كبائر عندهم.
ما أروعها من كتابات صاغتها يد هند السويدي في وصف هذه اللحظات التي سنذوقها جميعاً، ولكن مشاعرنا عندها أو حتى قبلها لن تجرؤ على وصفها ناهيك عن الإبداع في وصفها، إن دلّ ذلك فإنما يدل على إيمان عميق لدى هند بأن الله سيكون معها في تلك اللحظة، كما كانت معه في سائر أيام حياتها، ونحسبها والله حسيبها قد صدقت مع الله فصدّقها، فاطمأنت للقاء ربها كما وصفت هي في قصّتها وأثابها أن أراها منزلها في الجنة وأن أنامها في قبرها نوم قرير العين الهانئ.. وكما أحسنت الظن بالله (أنا عند حسن ظن عبدي بي).. فإنها قد أحسنت ظنّها بربّها في تلك اللحظة وندعو الله أن يحسن إليها كما قد أحسنت الظن به عز وجل، وأن يسكنها جنّات النعيم وأن يدخلها الفردوس الأعلى من الجنة. اللهم آمين.
- توفيّت هند السويدي في يوم الجمعة 18 من شوال لعام 1432 هجرية الموافق 16 من سبتمبر لعام 2011 ميلادية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1632
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1122
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1107
| 21 مايو 2026