رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يوم 24 أغسطس 1986 أي منذ ثلاثين عاما لم يكن يوما عاديا لا بالنسبة لي شخصيا ولا بالنسبة لبلادي لأنه شكل منعرجا حاسما لي ولأسرتي ولكن أيضا لتونس كلها.
يومها أقدمت على السفر إلى فرنكفورت في رحلة عذاب وكفاح لم أكن أعتقد أنها ستدوم عشرين عاما (لأنني رجعت سنة 1999 ثم عدت للمنفى سنة 2006 حين تكالبت على صحافة العار بعد مداخلتي الهادئة والرصينة على الجزيرة فحرمت من حضور زفاف ابنتي سيرين كما حرمت قبلها من حضور جنازة الوالدة الحاجة) وكان الزعيم بورقيبة بلغ ما سماه القرآن الكريم أرذل العمر وهي سنة الحياة خاصة أن الزعيم كان رجلا استثنائيا امتزج شخصه بتاريخ تونس امتزاجا من النوع الأسطوري الخارج عن المنطق فلبس الوطن ولبسه الوطن وعاش التوانسة مكاسب العهد البورقيبي كما عاشوا كوارثه وأخطاءه وسوء خياراته.
اليوم أمر الزعيم موكول للمؤرخين، رحمه الله، شهر أغسطس 1986 كان شهر العجائب الكبرى لأن الزعيم العجوز كان يجر تبعات أمراض بدنية ونفسية بالغة الخطر فأصبح منذ مدة رهينة لدى بنت أخته سعيدة ساسي وهي امرأة محدودة المدارك كرست طاقتها للانتقام من غريمتها الأبدية وسيلة بن عمار زوجة الزعيم فأوعزت لبورقيبة أن يطلقها طلاقا من نوع (اذهبي فأنت طالق!) كما طلق السيدة (ماتيلد) قبلها بنفس الطريقة متنكرا بذلك لكل ما قدمه للمرأة التونسية من مكاسب الحقوق الفريدة والمبالغ فيها (وهذا قالته لي السيدة وسيلة نفسها وهي مطلقة في منفاها الأخير في باريس)، ثم طرد الزعيم ابنه الوحيد الحبيب الابن في ظروف سريالية رواها الحبيب الابن نفسه في مذكراته فخرج من قصر قرطاج مدحورا ومتحسرا على ما وصلت إليه تونس، ثم طرد علالة العويتي الذي عاش سكرتيرا خاصا لبورقيبة على مدى ستين عاما، كما استغنى عن محمود بن حسين مرافقه منذ 1937 وعوضه بعبد الوهاب عبد الله.
وأخيرا قام الزعيم باضطهاد أخلص الناس إليه وهو محمد مزالي رئيس حكومته فاتهمه بتهمة وحيدة وهي تعريب التعليم! فأوعز له الطامعون في السلطة أن يلاحق مزالي بلعنة شبيهة باللعنة التي حلت بالبرامكة فألقي في السجون والمنافي أولاده وأصهاره وابنته سارة ونجونا نحن بالفرار إلى المنفى بجلودنا، وقام صديقنا رشيد عزوز بتهريب مزالي إلى الجزائر يوم 3 سبتمبر 1986 مضحيا بنفسه وأسرته وكان أكبر ضحايا تلك المرحلة السوداء من تاريخنا.
وأذكر أنه في يوم 3 أغسطس 1986 كنت ماأزال عضوا في البرلمان وفي اللجنة المركزية للحزب الدستوري وكنت مدعوا إلى الحفل التقليدي الذي تنظمه حاشية بورقيبة لإحياء ذكرى ميلاده في قصر المرمر بالمنستير وكنت أجلس خلف الرئيس بورقيبة فإذا بسعيدة ساسي تتقدم نحوي وتجلبني من يدي لتأخذني إلى ركن قصي من ساحة القصر وتقول لي بلهجة غضب:"إن صديقك (تقصد محمد مزالي) يريد إخراج الإخوانجية (النعت الرسمي للإسلاميين) من السجون وتمكينهم من الحكم وأنت تعلم أن خالي (تعني بورقيبة) قضى حياته كلها وهو يقاومهم".
انتهى إنذار سعيدة ساسي وهي رسالة أرادت وأراد محركوها المعروفون إبلاغها من خلالي لرئيس الحكومة المعزول (منذ 8 يوليو) محمد مزالي. بلغت الرسالة بالفعل وقال لي مزالي إنه يدرك ما ينتظرنا من محاكمات بتهمة الإعداد لعزل بورقيبة عن طريق فريق طبي مع الأستاذة الدكتورة سعاد اليعقوبي وزيرة الصحة آنذاك وبتدبير من صهره الدكتور رفعت الدالي مدير الصحة العمومية وزوج ابنته الطبيبة هدى مزالي! وهذا السيناريو هو نفسه الذي نفذه بعدنا زين العابدين بن علي يوم 7 نوفمبر 1987.
الحقيقة أن محمد مزالي لم يفكر قط في عزل الزعيم وهو يؤمن أن الإخلاص لبورقيبة من أخلاق السياسي المثقف وأنه لا يملك مواهب تآمرية! وإلا لكان عزله في نوفمبر 1984 حين كان بورقيبة مقيما في مستشفى الرابطة في حالة خطيرة لأن قصبات رئتيه انسدت جزئيا بمادة (الأوديم) وكان الزعيم يتنفس بصعوبة وكنت شاهدا عندما التقى مزالي بعض أطباء بورقيبة المباشرين الذين أبلغوه أن صحة الزعيم في تدهور سريع وكان مزالي رئيسا للحكومة ووزيرا للداخلية في الوقت نفسه أي ماسكا بكل دواليب الإدارة والأمن والجيش ومؤهلا لوراثة بورقيبة حسب الفصل 57 من الدستور ولم يفكر قط في الانقلاب الطبي على من كان يعتبره في مقام والده.
ولكي يعلم الجيل الجديد بعض خفايا تلك اللحظة الحاسمة من تاريخنا وأيضًا للحقيقة أكشف بعض الحقائق التي عشتها.
عندما كنا في منفانا الباريسي أسر لي محمد مزالي بأنه في يوم من أيام يونيه 1986 طلب زين العابدين بن علي وزير الداخلية آنذاك مقابلته استعجاليا فدعاه إلى بيته في ضاحية سكرة وأكد لي مزالي أن بن علي قال له "كل المؤشرات تدل على أن الزعيم بورقيبة ينوي عزلك وتعيين رشيد صفر وزيرا أول وهذه مؤامرة ضدك فدعني أقوم بحركة قوة لمنع هذا التعيين! هنا أعاد لي مزالي العبارة باللغة الفرنسية كما قالها له زين العابدين:
Laisse moi faire une epreuve de force
فقلت لمزالي: عجبا! فالزين أراد تثبيتك في الحكم والقيام بحركة قوة من أجل قطع الطريق على منافسيك وهم كثر! فلماذا لم توافقه؟ لو تم ذلك لتغير تاريخ بلادنا بشكل مختلف؟ أجابني مزالي دون تردد:"لأني لا أثق فيه! فلعله اقترح على هذا الأمر ليورطني في مؤامرة ضد بورقيبة ويسهل القضاء النهائي علي بعد ذلك بإعدامي كما كان يتمنى بورقيبة وحاشيته ثم يمثل بن علي دور المنقذ للزعيم ويستفرد به حتى يبلغ قصر قرطاج بطريقة أخرى لأن الرئاسة كانت ملقاة على الرصيف ويسهل التقاطها ولأن 7 نوفمبر 1987 كان في الحقيقة انقلابا على سعيدة ساسي وليس على بورقيبة فالدولة كانت منهارة وتونس كانت على شفا حرب أهلية".
هذا ما اطلعت عليه بحكم تواجدي في أحشاء السلطة وفي أحشاء المعارضة أردت أن أكشفه للقراء الأفاضل وأعتقد أن لكل تونسي الحق في تفسير الأحداث وفهمها حسب معرفته بالتفاصيل وأنا أعرض هذه الذكريات بعد ثلث قرن ولا أدرك إلى اليوم بعض أبعادها ولكن رجائي ألا يعيد الله على وطني مثل هذه المصائب بأن يتعظ التوانسة بعبر التاريخ ولا يكررون نفس الهفوات القاتلة التي ارتكبها الجيل الذي سبقهم فينقذوا تونس مما يهددها من مخاطر العنف والفوضى وهشاشة الدولة وطغيان الأحزاب وتغول الطموحات الشخصية على حساب مصالح الوطن.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2544
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2331
| 15 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات ما لا يشعر الناس بحدوثه: خدمة لم تنقطع، وسلعة لم تختفِ، وعمل استمر، وحياة يومية حافظت على انتظامها رغم الخطر. ومن هذه الزاوية أقرأ خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى. فقد كشف سموه عما يقف وراء هذا الانتظام، من استعداد طويل وقرارات مدروسة وجهود مؤسسية، ثم حدد المسؤوليات اللازمة لصونه وتطويره. وفي تقديري، فإن إحدى أعمق دلالات الخطاب تكمن في وصل الدفاع عن الوطن بكفاءة إدارة شؤونه؛ فحماية السيادة، واستمرار الخدمات، وحسن استخدام المال العام، وأمانة تقييم الموظفين، تتكامل في بناء دولة تستطيع مواجهة الخطر ومواصلة التنمية. وهنا تتسع قراءة الصمود لتشمل ما يجري داخل المؤسسة، وما تتخذه من قرارات، وما تحققه من نتائج. أوضح سمو الأمير أن قطر حملت خلال الأزمة ثلاث مسؤوليات متزامنة: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة. وحدد سموه عناصر الاستراتيجية التي أدارت بها الدولة هذه المسؤوليات، من الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب، إلى المحافظة على الخدمات وسلاسل التزويد والحياة الاقتصادية، والعمل لوقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية والعودة إلى التفاوض. وتكشف هذه المضامين عن دقة الموازنة التي اضطلعت بها الدولة. فإدارة هذه المسؤوليات معًا تتطلب وضوح الأهداف، والتنسيق بين الجهات، وضبط الخيارات تحت الضغط. وبذلك يصبح استمرار الحياة اليومية تعبيرًا ملموسًا عن نجاح عمل واسع، يشترك فيه الدفاع والأمن والدبلوماسية والاقتصاد. وقد نسب سموه استمرار الحياة الطبيعية إلى جهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وإلى أكثر من عقد من الإعداد والتدريب والتجهيز. وتمنح هذه الإشارة الاستعداد قيمته الحقيقية؛ فما يُبنى في سنوات الاستقرار تظهر جدواه عندما يحمي الناس ويتيح لهم مواصلة حياتهم في أصعب الظروف. ومن هنا يمكن استخلاص معيار مهم لتقييم السياسات: بعضها تتحقق قيمته في ضرر جرى تجنبه. فالمخزون الذي يمنع نقصًا، وخطة الإمداد التي تحول دون انقطاع، والتجهيز الذي يحمي منشأة، تحقق نتائج قد لا تستوقف الناس، لكنها أساسية لاستقرار المجتمع والاقتصاد. وقد يصعب قياس كلفة الأزمة التي مُنعت، لكن أثرها يظهر في حياة استمرت. في الجانب المالي، ذكر سمو الأمير انخفاض إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، مقابل انخفاض المصروفات العامة بنسبة 14%، مع المحافظة على الخدمات الأساسية والأولويات التنموية. وأوضح سموه أن الدولة اتخذت هذا القرار حرصًا على استمرار الزخم الاقتصادي. وتتجاوز دلالة هذه الأرقام بيان حجم الضغط على الموازنة؛ إذ تكشف عن اختيار اقتصادي يحمي النشاط الذي تحتاجه البلاد للتعافي. فالخدمات الأساسية تسند حياة المجتمع، والمشاريع التنموية تدعم أعمال الشركات وفرص العمل، واستمرارهما يحد من انتقال الصدمة إلى مجالات أوسع. وقد نسب سموه إمكان استيعاب تداعيات الأزمة إلى سياسات سبقتها، شملت تعزيز الاحتياطيات وخفض الدين العام وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة وتنمية الإيرادات غير النفطية. وفي قراءة هذه العلاقة، تبدو الاحتياطيات رصيدًا يحفظ للدولة مساحة القرار؛ فهي تتيح التعامل مع تراجع الإيرادات دون الاضطرار إلى التخلي سريعًا عن الأولويات التنموية. لكن سمو الأمير قرن هذه المساحة بواجب مواصلة الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد. وهذا توجيه يضع مسؤولية واضحة على الجهات المنفذة: أن تثبت قيمة ما تنفقه، وأن تراجع برامجها على أساس النتائج. فالبرنامج الذي يحافظ على مخصصاته يحتاج إلى بيان ما يحققه بها، والمشروع الذي يتقدم في التنفيذ يحتاج إلى إظهار أثره في الغاية التي أُنشئ من أجلها. وبهذا تصبح مراجعة الإنفاق وسيلة لحماية التنمية، عبر توجيه الموارد إلى ما يخدمها بصورة أجدى. وتبرز الصلة بين السياسة الاقتصادية والإدارة حين يتناول خطاب سمو الأمير مساءلة القيادات وتقييم الأداء. فقد وجّه سموه إلى تمكين الموظفين ونقل المعرفة وتأهيل الصف الثاني، وربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص، وحذر من التطبيق الشكلي لهذه السياسات، مؤكدًا الأمانة في التقييم وأخلاق العمل. وفي تقديري، يحدد هذا التوجيه شرطًا جوهريًا لنجاح الإصلاح: صدق المؤسسة في معرفة أدائها. فإذا تجمّلت النتائج في التقارير، أو مُنحت التقديرات وفق المجاملة، بُنيت القرارات اللاحقة على صورة غير دقيقة. وقد يتجه التدريب إلى غير موضع الحاجة، أو تُسند المسؤولية إلى غير الأجدر، أو يستمر خلل لم يُعترف بوجوده. ولهذا تمتد عدالة التقييم إلى ما هو أبعد من علاقة الموظف بمديره؛ فهي تؤثر في اختيار من يدير الموارد وينفذ المشاريع ويقدم الخدمات. وإنصاف الكفاءة يحفظ حافزها، ويعزز ثقة الموظفين بأن اجتهادهم ينعكس على مسارهم المهني، ويجعل المؤسسة أقدر على تطوير أدائها. ويتصل بذلك ما أورده سموه عن قاعدة البيانات المركزية، واستكمال الربط بين الجهات وتوحيد المعايير وحماية الخصوصية. فالبيانات الموثوقة تتيح رؤية الواقع، والأمانة في التقييم تجعله أساسًا للقرار. وتكتمل قيمة التطوير حين تساعد المعلومات على كشف الخلل، وتجد داخل المؤسسة من يتحمل مسؤولية معالجته. وأكد سمو الأمير أن هدف قطر هو جعل التعافي منطلقًا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية. وأشار سموه إلى مشاريع وفرص استثمارية تُقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة، وإلى دور مجلس الشورى في مواكبة المرحلة بتشريعات تعزز القطاع الخاص وجاذبية الاستثمار. ومن منظور هذه القراءة، يتحدد أثر تلك الفرص أيضًا بجودة المؤسسات التي تتعامل معها؛ بوضوح الإجراءات، وكفاءة التنفيذ، وحسن المتابعة، والقدرة على معالجة العوائق. وتلك هي الحلقة التي تصل بين التوجيه الوطني والنتيجة الاقتصادية: تحويل الموارد والفرص إلى نشاط منتج وخبرات وطنية ومنافع مستدامة. وفي ختام خطابه، ربط سمو الأمير صمود الدولة بالاستعداد وتنوع الاقتصاد وكفاءة المؤسسات وتكافل المجتمع ومسؤولية الأفراد. وهذه الرابطة تمنح انتظام الحياة معناه الأعمق؛ فهو حصيلة مسؤوليات أُديت، ومكتسبات صينت، وقرارات اتُّخذت في وقتها. لقد كشف خطاب سمو الأمير عن العمل الذي جعل استمرار الحياة ممكنًا، ووضع أمام المؤسسات واجب الارتقاء به. ومن هنا يبدأ الوفاء بتوجيهات سموه في تفاصيل ملموسة: مال عام يُصان، وكفاءة تُنصف، وخلل يُعالج، وخدمة تتحسن. فحين تستمر الحياة تحت الضغط، يظهر أثر الاستعداد؛ وحين ترتقي جودتها بعد الأزمة، يظهر صدق الأداء.
1098
| 14 أكتوبر 2026