رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة خيارات لتوفير رد يشعر الكيان الصهيوني معه بأنه ارتكب حماقة لا تغتفر
وضع الكيان الصهيوني السلطة الجديدة في مصر والتي يمثلها المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مأزق حقيقي بهذا العدوان السافر (دعوني أستخدم لغة الخمسينيات والستينيات من القرن الفائت) والذي راح ضحيته استشهادا يوم الخميس المنصرم ضابط في الجيش المصري وعدد من جنود الأمن المركزي فضلا عن إصابة عدد آخر في محاولة تتسم بالخبث لوضع المجلس والقيادة العسكرية في مواجهة مع الوضعية الثورية التي تعيشها مصر وتتصدرها مشاعر العزة والكرامة الوطنية وأظن أن بنيامين نتنياهو رئيس حكومة هذا الكيان يسعى من وراء هذا المنحى العدواني إلى إظهار عجز السلطة الجديدة عن الرد على هذا الاستفزاز وهو ما يجعلها عرضة للانتقاد من قبل القوى والحركات الثورية إلى جانب الأحزاب السياسية المختلفة التي هبت عن بكرة أبيها رافضة للعدوان ومطالبة باتخاذ إجراءات صارمة للرد عليه وإن لم يصل الأمر إلى حد المطالبة بعمل عسكري.
إن قادة الكيان يدركون أن المؤسسة العسكرية المصرية مشغولة بهموم الداخل بعد أن أوكلت إليها مهمة إدارة المرحلة الانتقالية ومن ثم لن يكون بمقدورها أن ترد بعمل عسكري على هذا العدوان حتى لو توافرت لها إمكانية القيام بذلك وهو ما يقلص من ثقة الشارع فيها وفق المنظور الصهيوني الذي يهمه بالدرجة الأولى "تفجير" العلاقة بين الشعب المصري وجيشه الذي يحظى باحترامه وتقديره.
لقد استعاد الشارع المصري بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير عافيته الوطنية والتي كادت أن تطمس على مدى العقود الثلاثة الماضية من حكم الرئيس السابق حسني مبارك والذي كان يوصف بالنسبة للكيان الصهيوني بأنه كنز إستراتيجي بحكم ما قدمه من خدمات له أسهمت في توسيع نفوذه الإقليمي وتحولت مصر في عهده إلى مجرد رقم في المنطقة دون أن تمتلك القدرة على التأثير في مسار الأحداث والتطورات التي كان الكيان يستحوذ عليها على نحو أو آخر ولعلنا نتذكر ردود الفعل السلبية التي كانت تتسم بالهشاشة والضعف والخنوع على أي فعل عدواني صهيوني سواء ضد مصر أو ضد الفلسطينيين أو ضد دول عربية أخرى والتي لم تتجاوز عبارة ضبط النفس بينما كانت الآلة الإعلامية والسياسية لنظام مبارك تتحرك بقوة وفاعلية تجاه تصرفات لا تقبل بها من حركة مثل حماس أو حزب الله.
ولاشك أن قادة الكيان الصهيوني بعدوانهم الأخير على جنود المحروسة في أرض الفيروز- سيناء – أرادوا أن يقولوا للسلطة الجديدة والحكام الجدد في مصر والذين أفرزتهم ثورة الخامس والعشرين من يناير: ماذا أنتم فاعلون لنا؟ هل بوسعكم أن تردوا أو تنتقموا؟ خاصة بعد أن وصلت وحدات من الجيش المصري إلى قرب المناطق الحدودية مع فلسطين المحتلة في مسعى للقضاء على الاضطرابات الأمنية التي شهدتها منطقة العريش في الآونة الأخيرة.
بالطبع فإن تقدير المؤسسة العسكرية المصرية للموقف لن يستند إلى محددات عاطفية تتفاعل مع مطالب القوى الثورية التي طالبت برد سريع وحاسم وصارم على العدوان الصهيوني ولكنه سيتكئ بالضرورة على قراءة لجوهر الارتباط التعاهدي بين مصر والكيان المتمثل في اتفاقية كامب ديفيد والتي أعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد توليه السلطة في أعقاب سقوط نظام مبارك التزامه ببنودها وإن كان البعض من القانونيين المصريين يرى أن العدوان الأخير يشكل اختراقا واضحا لهذه الاتفاقية كما سيتكئ على قراءة للواقع السياسي الإقليمي والدولي فضلا عن أبعاد الوضع الداخلي الذي يمور بالمتغيرات والتفاعلات التي تشكل قوة معنوية دافعة بلاشك لكنها لا توفر الإسناد اللوجستي في حالة اتخاذ قرار بالتعامل عسكريا مع العدوان الصهيوني خاصة في ظل حالة التفكك التي تتسم بها مؤسسات الدولة المصرية في المرحلة الانتقالية مع غياب سلطة سياسية قادرة على تحديد المواقف بوضوح واتخاذ قرارات تتحمل مسؤوليتها وأعباءها.
ومع ذلك يمكن القول إنه في حالة استبعاد الرد ذي الطبيعة العسكرية والذي يبدو غير ممكن في المرحلة الراهنة لاعتبارات داخلية وإقليمية تبدو ثمة خيارات أمام السلطة القائمة لتوفير رد يشعر الكيان بأنه ارتكب حماقة لا تغتفر في ظل التزامها باستمرار العلاقات معه رغم الرفض الشعبي وتتمثل هذه الخيارات فيما يلي:
أولا: السعي إلى إجراء تغييرات جوهرية في اتفاقية كامب ديفيد مع الكيان والتي مضى على توقيعها أكثر من ثلاثين عاما وتوفر الكثير من الميزات لمصالح هذا الكيان على حساب المصالح الوطنية المصرية وذلك يستوجب اللجوء إلى خبراء في القانون الدولي يوفرون الحجج والبراهين المطلوبة لإجراء هذه التغييرات خاصة فيما يتعلق بالوجود الدائم للقوات المسلحة وتسليحها في سيناء على نحو واضح لا يجعل هذا الوجود مرتبطا بالتطورات مثل الأحداث الأخيرة في العريش.
لقد رفع المتظاهرون مساء يوم الجمعة الماضي أمام مقر السفارة الصهيونية المطلة على نيل القاهرة وجامعتها العريقة شعار" الشعب يريد إسقاط كامب ديفيد "وهو مطلب عادل لكنه يتطلب توافر مقومات غير متاحة الآن لأن إسقاط هذه الاتفاقية يعني بالضرورة إعلان حالة الحرب مع الكيان وهو أمر لا تطيقه مصر في الوقت الراهن ومن ثم فإن خيار تعديل الاتفاقية هو الأقرب للواقع ويمثل في الوقت ذاته ورقة ضغط قوية يمكن توظيفها وفق محددات القانون الدولي بما يخدم المصالح الوطنية المصرية.
ثانيا: المسارعة إلى الطلب من السفير الصهيوني إلى مغادرة القاهرة وعدم الاكتفاء باستدعائه لوزارة الخارجية المصرية وفقا لقرارات المجموعة الوزارية لإدارة الأزمة فجر أمس وإصدار قرار واضح بسحب السفير المصري من تل أبيب بدلا من حالة الغموض التي أحاطت بهذه المسألة في ضوء بيان بثه موقع التواصل الاجتماعي التابع لمجلس الوزراء المصري لكن البيان الرسمي للاجتماع المذكور لم يشر إلى هذه الخطوة بل إن مصدرا بمجلس الوزراء المصري أفاد بأن هذه الخطوة تأتي في مرحلة تصعيدية لاحقة إذا ما عجزت الخطوات الحالية عن تحقيق ردع للكيان.
إن ما وقع من عدوان على جنود مصر وداخل حدودها يجعل من المنطق أن تطالب حكومتها وفق الأعراف الدبلوماسية والقانونية بالقيام بهذه الإجراءات خاصة أن ثمة ضبابية تبدو في الموقف الصهيوني الذي تعمد أن يظهر الأمر وكأنه مجرد خطأ غير مقصود وأنه لم يكن في نية قواته الإقدام على قتل الضابط والجنود المصريين الخمسة صحيح أن السلطة الجديدة أعربت في بيان رسمي لها الجمعة الفائتة عن احتجاجها على العملية العسكرية الصهيونية بلهجة قوية سواء في بيان المجلس العسكري أو في بيان المجموعة الوزارية لإدارة الأزمة والتي أعلنت أنها في حالة انعقاد دائم لمتابعة تداعيات العدوان وطالبت بإجراء تحقيق شامل بشأنها من قبل سلطات الكيان بيد أن ذلك لم يلب أشواق الوطنية المصرية المتصاعدة بعد ثورة يناير لامتلاك ناصية العزة والكرامة الحقيقية خاصة أن مثل هذا الموقف كانت تنتهجه دبلوماسية وزير الخارجية الأسبق أحمد أبو الغيط ومن ثم فإن الخطوة القوية المطلوبة كحد أدنى في هذا الصدد تتمثل في طرد السفير الصهيوني من القاهرة وسحب السفير المصري من تل أبيب بشكل واضح.
ثالثا: الإسراع إلى إلغاء اتفاق تصدير الغاز الطبيعي المصري إلى الكيان والذي يمثل بكل المعايير إضرارا بالمصالح الاقتصادية للبلاد في ظل الأسعار المتدنية التي كان يحصل عليها الكيان على مدى العقدين الماضيين خاصة بعد أن ثبت أنه لا يوجد بند في اتفاقية كامب ديفيد ينص على ضرورة أن توفر مصر هذه السلعة الإستراتيجية والتي قدمها مبارك لحلفائه في الكيان ضمن منظور ضيق الأفق للمصلحة الوطنية وهو شكل واحدة من أهم قضايا الفساد التي يحاكم عليها لأن التوصل إلى اتفاق بشأنها كان بقرار مباشر منه وفقا لاعترافات وزير البترول السابق سامح فهمي النزيل بسجن طرة ضمن رموز حكم مبارك.
وفي تقديري إذا ما تمكنت السلطة الجديدة بمصر من الاستجابة لهذه المطالب فإنها بذلك ستحقق نقلة نوعية في التعاطي مع كيان لا يفهم غير لغة القوة والحسم والردع والتي ليس من الضروري أن تتيحها عملية عسكرية مباشرة ردا على عدوان الخميس الفائت وإنما يمكن لبعض الإجراءات السياسية والاقتصادية والتي تتجاوب مع مطالب الحد الأدنى للشارع المصري الثائر أن تلحق الضرر بمصالح الكيان على نحو يجعله ألف مرة قبل أن يفكر في إعادة إنتاج عدوانه على المحروسة.
السطر الأخير:
في حضرة من أعبد
أشواقي لفيض الرحمة لا تتوقف
فأرجوك يا ربي
امنحني عفوك ورضاك
أسكنني بحدائق عافيتك
ارزقني الفناء فيك
ادفع أنوارك لتزيح العتمة من قلبي
هبني من لدنك إشراقا يسكن دربي
أنا عبد التهمته دنيا فانية
أبعدته عن سبلك
لكني الآن أدعوك فلب
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5250
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2631
| 08 سبتمبر 2026