رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صارت غزة كربلاء هذا الزمان، بعدما انتصر فيها الدم على السيف.
(1)
رأيت جيش يزيد ينقض على الحسين في الشجاعية، ويغرق القطاع في الدماء والأشلاء. في حين أن الكثرة العربية عاجزة عن إغاثة المظلومين المحاصرين. خذلوهم وتركوا السيف يفجر الدماء انهارا ويحيل العمران خرابا. تماما كما فعل جيش يزيد في الكوفة قبل أكثر من ثلاثة عشر قرنا، ضد الحسين وأهله الذين تحولوا إلى رموز للتضحية والدفاع عن الحق والحرية. صحيح كذلك أن مقتلة كربلاء استمرت ثلاثة أيام، ومقتلة كربلائنا تجاوزت يومها الثالث عشر. صحيح أيضا أن قتلة الحسين وأهله كانوا من الأشقياء المسلمين. في حين أن قتلة زماننا من الأعداء المؤيدين من بعض المسلمين، صحيح كذلك أن ضحايا المقتلة الأولى تجاوز عددهم نحو سبعين فردا، إلا أن القتلى في زماننا تجاوزوا الأربعمائة، وأعدادهم تتزايد كل يوم. إلا أن جرم القتلة كان واحدا وخذلان بعض الأهل بدوره واحد، ولئن دخل قتلة الأولين إلى التاريخ من باب اللعنة، فإن قتلى زماننا دخلوا التاريخ من باب البطولة والمجد.
أفرق هنا بين ما هو عسكري يقوم على موازين القوة والقدرة على سفك الدماء وبين ما هو سياسي وتاريخي ينبني على القيمة والرمزية. من هذه الزاوية يقدم فلسطينيو غزة نموذجا يتقدم على أداء الحسين وأهله، ففي كربلاء الأولى سرعان ما انكسرت جبهة الحسين فانسحبوا من الحياة، الأمر الذي حز في نفوس الذين شايعوه، حتى إنهم لا يزالون يعبرون عن ندمهم بصور شتى حتى الآن. أما في كربلائنا الراهنة فالفلسطينيون لم ينكسروا ولم ينسحبوا وردوا الصاع لقاتليهم. ولئن ضرب الأولون المثل في التضحية فإن الأخيرين ضربوا المثل في الصمود والكبرياء، الأمر الذي يضيف إلى سجلهم صفحات مضيئة تبعث على الثقة وتحي الأمل في المستقبل، بقدر ما تضيف الكثير إلى رصيدهم على الصعيدين السياسي والتاريخي.
(2)
تحدثنا نشرات الأخبار عما فعله السيف في المعركة الدائرة، لكنها تبخس إنجازات الدم حقها. كأنما تدعونا لأن نستسلم للحسرة والبكاء وتحاصر شعورنا بالعزة والكبرياء. تقول نشرة الأخبار الصباحية (الاثنين 21/7) أن 433 شهيدا سقطوا وأن 3008 آخرين تعرضوا لإصابات مختلفة ولا تتوفر إمكانات علاجهم. ومن هؤلاء 904 أطفال. تخبرنا النشرة أيضا بأن 1007 منازل دمرت بالكامل و915 منذلا تصدعت وأصبحت آيلة للسقوط و1746 منزلا أصابها القصف بتلفيات مختلفة، كما دمرت 79 مدرسة و23 وحدة صحية و27 مسجدا. وجراء التهديم والقصف العشوائى أصبح 61.479 شخصا بلا مأوى كما أصبح 900 ألف شخص بلا مياه في حين أن 80٪ من سكان القطاع البالغ عددهم مليوني شخص لم يعد يصلهم التيار الكهربائي سوى 4 ساعات يوميا كحد أقصى. ولا يكتفي شريط الأنباء بتلك القائمة الطويلة من الفواجع، ولكنه يعززها بشريط من الصور التي تسجل الخراب والجزع وتستدر الحزن والدمع. ويكاد الهلع يتسرب إلينا حين نشاهد جثث الضحايا التي تتداولها مواقع التواصل الاجتماعي. الذين تفحمت أجسامهم وتشوهت أطرافهم والذين كسرت رءوسهم وظهرت احشاؤهم...إلخ.
ذلك كله صحيح لا ريب، لكنه يشكل أحد أوجه المشهد أو الوجه الأكثر بروزا فيه. لكن للصورة وجها آخر ينبغي أن يرى أيضا، ليس فقط من باب الإنصاف، ولكن أيضا لكي نتجاوز الإحباط واليأس.
إذا توقفنا عند ذلك الوجه الآخر، فسوف نرصد المعالم التالية:
< إن المقاومين الفلسطينيين لم يستسلموا ولم ترهبهم قوة الجيش الغازى، ذلك أنهم لم يكتفوا بالصمود والتحدى، ولكنهم قرروا أن يردوا كيد المعتدى. وأن يهاجموه في عقر داره. حتى بلغت بهم الجرأة حدا جعلهم يقصفون مدنه الكبرى وأن يجبروا مئات الآلاف من الإسرائيليين على الاختباء في الملاجئ. وقد اعترف لهم بعض المعلقين الإسرائيليين بالشجاعة والبسالة.
< من أهم ما حققته المواجهة الراهنة أيضا أنها أعادت إحياء فكرة الانتفاضة الثالثة، التي ظن كثيرون أنها صارت جزءا من الماضي غير قابلة للتكرار (هذا هو رأي أبومازن أيضا) ولكن الجسارة التي تميزت بها المقاومة أثبتت أن جذوة الانتفاضة لم تنطفئ وأن تجددها أصبح واردا في أي وقت.
< إن أولئك المقاومين خاضوا معركتهم وحدهم ودون أي ظهير. صدورهم العارية استقبلت قاذفات الأعداء وصواريخهم. وظهورهم لم تسلم من طعنات بعض الأشقاء، إذ قاتلوا وهم تحت الحصار من كل صوب. وإذ لا ينسى أحد معركة حزب الله التي هزم فيها الاجتياح الإسرائيلي في عام 2006، فإن أحدا لا ينبغي أن ينسى أيضا أن الحزب كان مدعوما بسوريا وإيران، وأن خطوط إمداده بالسلاح والذخيرة كانت مفتوحة، إضافة إلى أنه خاض معركته في بيئة سياسية لبنانية متعاطفة معه. أما فلسطينيو غزة فقد حرموا من كل ذلك.
< فاجأ المقاومون الفلسطينيون عدوهم بعمليات نوعية لم تخطر له على بال. بصواريخهم التي وصل مداها إلى 160 كيلومترا. وبالمنصات التي تطلق من تحت الأرض. وبتهديد الداخل الإسرائيلي وإشاعة الذعر فيه. والطائرات بغير طيار وبالأنفاق التي وصلت إلى بعض المستوطنات.
< بسبب الصمود والتحدي الذي بدا في الموقف الفلسطيني فإن إسرائيل فشلت في تحقيق أي اجتياح بري واعتمدت بصورة شبه كاملة على قصف الطيران. وبعد قتل 18 جنديا وأسر آخر، تأكدت مخاوف الإسرائيليين من الثمن الذي يمكن أن تدفعه إذا غامرت بالإقدام على أي اشتباك على الأرض.
< ينبغي أن يحسب للمقاومة الفلسطينية أنها لم تسبب حرجا للإسرائيليين فحسب، وإنما بموقفها كشفت عن حقيقة المواقف في العالم العربي، إذا بدا واضحا للجميع الآن من يقف في الصف الفلسطيني منحازا إلى القضية، ومن يقف في المعسكر الإسرائيلي منحازا إلى العدو. وأحسب أن تلك هي المرة الأولى التي يتم بها الفرز على ذلك النحو الذي أصبحت فيه إسرائيل جزءا من محور عربي لا تقف فيه بعض الأنظمة فحسب، ولكن ينخرط فيه أيضا بعض المثقفين والإعلاميين. أن شئت فقل أنه في السابق كانت إسرائيل تقف وحيدة أمام الإجماع العربي، حتى وإن كان ظاهريا، أما في الوقت الراهن فإن المقاومة الفلسطينية أصبحت تقف وحيدة أمام انقسام عربي صارت إسرائيل جزءا منه.
(3)
ثمة سؤال يتردد في الأوساط السياسية المصرية يقول: لو أن حماس وافقت على المبادرة المصرية لما سالت تلك الدماء الغزيرة ولما جرى من خراب ودمار في قطاع غزة؟ ــ وهو السؤال الخطأ الذي انطلق من معلومات وتحليل خطأ. على صعيد المعلومات فرفض المبادرة المصرية لم تنفرد به حماس، وأكرر أنها رفضت من كل الفصائل الأخرى وعلى رأسها حركة الجهاد والجبهتان الشعبية والديمقراطية، علما بأنه لا يوجد فصيل فلسطيني له علاقة بالمقاومة أعلن تأييده لتلك المبادرة.
أما على صعيد التحليل فإن أحدا لا يستطيع أن ينكر أن إسرائيل استقوت بالمبادرة التي سارعت إلى الموافقة عليها، واستندت إليها لكي تتوسع في قصف القطاع. الأمر الذي يعنى أن المبادرة كانت عنصرا ساعد على تكثيف القصف وإسالة المزيد من الدماء وليس العكس.
إن الأسئلة التي تستحق المناقشة والمراجعة كثيرة، منها ما يلي:
هل يجوز التنسيق والتشاور مع إسرائيل وتجاهل فصائل المقاومة قبل إطلاق المبادرة؟ ولو أن مصر تشاورت مع حماس والجهاد بوجه أخص أثناء إعداد المبادرة، أما كان لذلك أثره على ترجيح احتمالات قبولها ومن ثم وقف نزيف الدماء مع وقف إطلاق النار؟ ألا يمكن أن يؤدى تجاهل المقاومة إلى إساءة الظن بالموقف المصري. وإعطاء الانطباع بأن مصر أرادت إحراج المقاومة وتعجيزها بأكثر مما أرادت وقف إطلاق النار؟ أما كان أدعى للثقة في الموقف المصري أن يناقش الأمر مع المقاومة لتحسين شروط التفاوض حول المستقبل بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي؟ هل من المنطقي والمناسب أن يتم التواصل بخصوص الموضوع مع السيد محمود عباس بدعوى أنه رئيس كل الفلسطينيين، في حين معروف عن الرجل أنه ضد المقاومة من الأساس، فضلا عن أنه رئيس افتراضي وليس رئيسا حقيقيا، لأنه لا توجد للفلسطينيين دولة. علما بأن الرجل لا يتحرك إلا بمقتضى تصريح من «دولة» إسرائىل؟ ولماذا تخلت الإدارة المصرية الراهنة عند التقليد الذي اتبعته طوال العقود الأخيرة، وبمقتضاه كانت تدعى فصائل المقاومة وفي مقدمتها حماس والجهاد للتشاور حول مبادرات التوافق الفلسطيني أو التفاوض مع إسرائيل؟ وإلى أي مدى أثر صراع السلطة القائمة في مصر مع الإخوان على قرار مصر تجاهل التشاور مع حماس بخصوص المبادرة قبل إعلانها؟ وهل من الحكمة وحسن التدبير أن يجرى الخلط بين الصراع الداخلي مع الإخوان في مصر وبين موقفها الاستراتيجي إزاء القضية الفلسطينية؟ أخيرا هل من اللائق أن يلح الموقف الرسمي المصري على لوم الفصائل التي رفضت المبادرة، في حين أن الغارات الإسرائيلية الوحشية مستمرة على غزة، والدماء الغزيرة تتدفق في مختلف مدن القطاع؟ وأما كان من الأحكم أن يستعلى الموقف المصري فوق الحسابات والمرارات الخاصة، متبنيا خطابا أكثر رصانة ووضوحا في مواجهة العدوان؟
(4)
لا يستطيع المرء أن يخفى شعوره بالخجل حين يقارن بين لغة اللوم والتأنيب التي توجه من مصر ضد الفلسطينيين، وبين لغة التفاهم والدعوة إلى الانصات لمطالب المقاومة التي تنطلق في إسرائيل، أتحدث عن مقالة نشرتها صحيفة «هاآرتس» في 20/7 لواحد من أبرز كتابها هو جدعون ليفى، عنوان المقالة كان كالتالي: ماذا تريد حماس حقا؟ وخلاصتها أن الرجل لم يعترض على هجاء حماس وتوجيه مختلف الاتهامات لها، لكنه أضاف أنه مع ذلك فمن المهم للغاية الإنصات إليها خصوصا حين أعلنت موقفها ومعها حركة الجهاد الإسلامي للخروج من الأزمة الراهنة. إذ دعت الحركتان اللتان تقودان المقاومة الأساسية في القطاع إلى هدنة لمدة عشر سنوات، يتم خلالها التجاوب مع عشرة مطالب هي: انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع ــ إطلاق سراح الذين اعتقلتهم إسرائيل بعد قتل المستوطنين الثلاثة خصوصا الـ57 شخصا الذين سبق الإفراج عنهم في صفقة الجندي جلعاد شاليط ــ وقف الحصار وفتح المعابر ــ تمكين المزارعين الفلسطينيين من زراعة أراضيهم خارج السور ــ توسيع مساحة الصيد التي يسمح للفلسطينيين بالعمل فيها ــ فتح ميناء غزة تحت رعاية الأمم المتحدة وفتح معبر رفح وإبقاؤه تحت الإشراف الدولي ــ إغلاق المجال الجوي الفلسطيني أمام الطيران الإسرائيلي ــ السماح لأبناء القطاع بزيارة القدس والصلاة في المسجد الأقصى ــ فتح المنطقة الصناعية بالقطاع ــ عدم تدخل إسرائيل في الشأن الداخلي الفلسطيني ووقف اعتراضاتها على حكومة الوحدة بين الضفة والقطاع.
ختم الكاتب مقالته بقوله إن حماس قصفت من إسرائيل وأهينت من مصر. ومع ذلك فإن الطلبات التي قدمتها مع حركة الجهاد تبدو منطقية ومشروعة، وتشكل مخرجا حقيقيا من الأزمة الراهنة، في حين أن الحل العسكري الذي تتبناه إسرائيل يبقى على الأزمة أمام طريق مسدود. إذ يفاقمها ولا يحلها.
أليس من المفارقات أن نسمع ذلك الكلام العاقل من إسرائيل في حين نسمع نقيضه من مصر؟
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1027
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2232
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1116
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
603
| 12 أكتوبر 2026