رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثلاثة مرتكزات أو سلطات تقف عليها دولة القانون؛ السلطة القضائية، والسلطة التشريعية (البرلمان)، والسلطة التنفيذية (الحكومة)، في الخرطوم اليوم تبدو الدولة عرجاء عرجاً مُقعداً، فلا سلطة تشريعية قامت أصلا منذ أبريل 2019، فيما تلقى القضاء والنيابة العامة ضربة قاتلة، فدخلت البلاد في ما يشبه الفراغ الدستوري، بضربة واحدة أقال السلطة الانتقالية رئيس القضاء وقبلت استقالة النائب العام الذي ظل مغاضباً تنازعه لجنة بمسمى لجنة إزالة التمكين ظلت تستجمع في يدها سلطات تنفيذية وقضائية وتشريعية في آن واحد في ظل تجاهل السلطة الانتقالية لتصرفاتها إلا من انتقادات متفرقة وخجولة وبشكل فردي من حين لآخر.
وفيما ظلت الهيئة القضائية تشكو لطوب الأرض من تدخلات السلطة التنفيذية وتعطيلها للعدالة بشكل مكتوم، وكذلك شكا النائب العام بشكل جهير، استخدمت السلطة الانتقالية مبدأ الهجوم خير وسيلة للدفاع، فوجهت مع قرارها إقالة رأس السلطة القضائية وقبول استقالة النائب العام، انتقادات حادة لكلا الاثنين رئيسة القضاء والنائب العام، متهمة إياهما ببطء سير عمل الأجهزة العدلية والنيابية في تقديم العديد من المتهمين للمحاكمات وكشف الجرائم، فوقع عليهما حال من ألقاه مولاه الجبار في اليم، وقال له إياك إياك أن تبتل، فبعد أن رفع النائب العام صوته وقبل أن تتبعه رئيسة القضاء، كان لابد من ضربة مزدوجة توحي من ناحية بجدية السلطة في إرساء العدل وإعمال القانون ومن ناحية أخرى الحيلولة دون تحول الخلل في الجهاز القضائي لقضية رأي عام كاسح تصعب مواجهته.
مع سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير في أبريل 2019 وتولي سلطة انتقالية (عسكرية – مدنية) زمام السلطة في البلاد، وُعد الشعب السوداني بقيام نظام ديمقراطي تسود فيه دولة القانون القائمة على استقلال السلطات الثلاث، غير أن من تولوا الأمر نسوا على ما يبدو وضع خمر السلطة في أكواب العدل، وما دروا أن غياب العدل يصنع الثورة وهو أقل تكلفة من الظلم.
لقد ظلت تدابير الانتقال نحو الديمقراطية عرجاء؛ إذ لم تتم تهيئة القضاء وتعزيز استقلاليته، إذ يشكل الدعامة الأساسية التي تحمي الديمقراطية وتقويها من خلال فرض سيادة القانون وإعطاء بعد قوي للمؤسسية، فاستقلال القضاء يعد مدخلاً أساسياً وحقيقياً للانتقال نحو الديمقراطية، ومن ثمّ مقاربة مختلف القضايا والملفات بنوع من الجرأة والنزاهة والموضوعية.
وفقا للوثيقة الدستورية وهي دستور الفترة الانتقالية، فإن مجلس السيادة الانتقالي يعتمد تعيين رئيس القضاء وقضاة المحكمة العليا ورئيس وأعضاء المحكمة الدستورية بعد ترشيحهم من قِبل مجلس القضاء العالي، لكن هذه الوثيقة التي تم تعديلها أكثر من 4 مرات منذ العمل بها في أغسطس 2019 بحجج ومزاعم كثيرة، لم تطبق بنودها المتعلقة بالجهاز القضائي؛ فلمَ تشكيل مجلس القضاء العالي وقد أوشكت الفترة الانتقالية على الانتهاء، فرئيسة القضاء المقالة عينها مجلس السيادة على هواه، كما انطبق ذات الأمر على النائب العام، وتقول الوثيقة الدستورية: "يعتمد المجلس تعيين النائب العام بعد ترشيحه من قِبل المجلس الأعلى للنيابة العامة"، لكن كذلك لم يتم تشكيل المجلس الأعلى للنيابة، فعين مجلس السيادة النائب العام المستقيل، وحتى بعد إقالة رئيس القضاء، فإن ذات النهج بدا مستمرا من خلال تحركات محمومة للسلطات السياسية الحاكمة لتعيين رئيس القضاء الجديد.
بموجب القانون الدولي فإن استقلال القضاء يتمثل في عدم جواز أن تقع سلطة التعيينات القضائية في يد جهة سياسية واحدة لا سيما السلطة التنفيذية ويمثل مجلسا السيادة والوزراء السلطة التنفيذية. وبالضرورة فإن استقلالية القضاء تعني عدم وجود أي تأثير مادي أو معنوي أو تدخل مباشر أو غير مباشر وبأية وسيلة في عمل السلطة القضائية، كما تعني أيضا رفض القضاة أنفسهم لهذه التأثيرات والحرص على استقلاليتهم ونزاهتهم.
في جانب آخر من وجه العدالة وسيادة القانون كانت ما تسمى بلجنة إزالة التمكين التي يتولى أمرها سياسيون معلومة انتماءاتهم السياسية، قد بدأت برفع وتيرة استهدافها للنيابة العامة، عقب موافقة النائب العام المستقيل على فتح بلاغات ضد عضو بتلك اللجنة الذي دخل في تناوش علني مع النائب العام إثر تصاعد الخلافات بين الطرفين بعد عزم اللجنة إنهاء خدمة 56 من رؤساء النيابة ووكلائها، إلى جانب فصل 56 من القضاة، ولعل المقصود من ذلك تمكين منسوبي الأحزاب التي ينتمي لها أعضاء اللجنة في سلك القضاء والنيابات، كما تم فصل الآلاف بين موظفين وسفراء ومسؤولين، فضلا عن اقتحام النقابات والمؤسسات والمقار الصحفية والإعلامية بالقوات المدججة بالسلاح، وإغلاقها. وكان النائب العام المستقيل يتساءل بمرارة: هل يمكن للقاضي المفصول أن يستأنف إلى لجنة إزالة التمكين؟، وفي النهاية خيّر النائب العام مجلس السيادة بين بقائه في منصبه ولجنة إزالة التمكين،
وفي حين أن اللجنة تتحجج بصلاحيات منحتها لها الوثيقة الدستورية وتصف قراراتها بـ"الثورية" تتغاضى في نفس الوقت عن بنود ونصوص بذات الوثيقة تنص على استقلال القضاء وتساوي المواطنين أمام القانون بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والعقدية، وهكذا انطبق عليهم قول الفيلسوف برنارد شو "عندما يريد الرجل أن يقتل نمرا يسميها رياضة وعندما يريد النمر قتله، يسميها شراسة"، وظلت اللجنة لا تسمح للمواطنين بالاستئناف ضد أحكامها وقراراتها وتعطيل إجراءات الاستئناف في غياب كامل ومتعمد للمحكمة الدستورية العليا ملاذ الاستئناف الحصين.
وبلغ العسف الذي لازم قرارات وإجراءات اللجنة مبلغا أن اضطر رئيس لجنة إزالة التمكين وهو جنرال كبير وعضو بمجلس السيادة لتقديم استقالته، مبينا أن هنالك انتقادا مستمرا من كافة مستويات الحكم ومعظم المكونات السياسية لقانون ونهج عمل اللجنة، وأيضا عدم مباشرة لجنة الاستئنافات لعملها، مما أعاق دورة العدالة، فضلاً عن التهاتر المستمر بيننا وبقية أجهزة ومؤسسات الدولة وفي وسائل الإعلام.
الميديا الغربية تحت ضغط الحقائق
رغم ارتباط الميديا في الغرب بالنظم السياسية في عموم أدائها لوظائفها لاسيما عندما يرتبط الموضوع بالشؤون المتعلقة بالآخر،... اقرأ المزيد
987
| 08 سبتمبر 2024
صراع البحر الأحمر.. مرحلة كسر العظم
كثير من المؤشرات تؤكد أن أفريقيا هي الميدان الأكثر سخونة للصراع الدولي على الموارد، والممرات البحرية الدولية. والمتصارعون... اقرأ المزيد
801
| 01 سبتمبر 2024
تحديات ما بعد الحرب والأزمة السياسية
فيما تسابق الحكومة الأمريكية ممثلة في الحزب الديمقراطي الحاكم الزمن لاهثة لإضافة أي إنجاز خارجي تدعم به حملتها... اقرأ المزيد
1200
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3303
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1272
| 28 سبتمبر 2026