رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"ها نحن عدنا ننشد الهولو على ظهر السفينة"، ها هو النوخذه يبحر بنا مرة أخرى كي يسرد على مسامعنا حكايات الماضي، هذا المبدع القطري الكبير المعجون بعشق المسرح، مؤلفًا، مخرجًا، مبدعًا في كل عناصر العرض المسرحي، عبر آخر أعماله التي تجسد فوق خشبة المسرح في احتفالية غابت، والآن عبر إطلالة على استحياء ولسان حالنا كما عبر أحد المسرحيين من أبناء الوطن "العوض ولا الحريمة"، معلق آخر "حراكنا المسرحي في غرفة الإنعاش".
ما يهمنا أن يعود النوخذه، وأن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء ليقدم حكاية أخرى من ألف ألف حكاية رواها، وكأنه عاش ألف ألف عام. المناعي "في وادي المجادير" يضع المتلقي وسط حكاية مغلفة بالمأساة، هنا وباء يشلّ حركة الإنسان، الكائن الأضعف، وأنا "الج" إلى مقر فرقة الدوحة لمشاهدة بروفة للعرض، شاهدت العديد من القبور، قلت في سري "لا حول ولا قوة إلا بالله"، في أي عمل يقدمه هذا المعجون بالمسرح لابد من اكتمال عناصر العرض على أرض الواقع، لماذا؟ أنا أخمن وأعتقد أن الأمر مقصود! حتى يضع أهم عناصر المسرح وأعني الممثل في لحظة اندماج، ذلك أن المشاركين طوال فترة البروفات يعيشون لحظة التأمل اليومي.
في هذا العمل، نماذج ثلاثة، كل نموذج يجسد مأساة إنسانية.
- أم سعيد: تقع بين براثن أكثر من مأساة، الزوج الذي رحل، وها هي الآن تفقد الابن، إذًا هنا الحلم لم يكتمل، ومع هذا فإن الجدري في واقع الأمر يحصد كل الأعمار، لا فرق بين طفل وشاب وكهل، أما هي، ومع أنها تدرك أن الاقتراب من القبر فإن الفناء سوف يلحقها لا شك، وعندما يطلب منها أن تترك المكان يكون الرد، ولماذا أنت لم تهرب؟!.
- أم سعيد، تتحدى الموت، ويهرب منها الموت، هي لا تتشبث بالحياة، فما طعم الحياة بدون الأمل؟، (ابنها سعيد) الذي رحل، كان سعيد الأمل الذي ينير كل دروب الحياة لها، ومن خلال الحوار بين هذه الشخوص والمشبعة بالألغاز، ولعل اللغز الأهم ما قيمة الحياة؟ إن قيمة الحياة العلاقات الإنسانية، وعندما نفقد الأحبة فلا قيمة لوجود الفرد، وعبر حواره المتدفق فلسفة كونية بين أم سعيد والمداوي.
- المداوي: لا يزال الجدري بعيدًا عنك، فلماذا البقاء هنا؟
- أم سعيد: وماذا أفعل هناك، سعيد ينام هنا كيف أبتعد عنه؟
- المداوي: يا الله، ولكنها إرادة الله يا أم سعيد.
- أم سعيد: (تقاطعه) نعم، أعرف، أعرف (تنظر حولها) هنا أكثر سلام، أكثر هدوءا لا صراخ ولا عويل!.
إذًا الموت لا يمثل الفناء، ولكن كما تقول أم سعيد، تنتهي بالهدوء والسكون! والنوخذه المناعي في كل أعماله ذات البعد الإنساني، لا ينسى أنه شاعر، بل واحد من أبرز الشعراء صاحب المفردة الخاصة والموغلة في ضمير الأمة، هنا يحمل أم سعيد الأناشيد التي تحفر في الذاكرة تأكيد الموقف والحالة في آن واحد.
الحياة هنا في المقبرة ووسط الجثث لا تبعث الرعب في النفوس، وأم سعيد تحمل فلسفتها الخاصة، من أكله الجدري ومات كان مصابًا ولم يعد كذلك، أما أنا فمصابة وسأبقى مصابة ما بقيت أنفاسي، نعم إذا كان سعيد قد رحل بسبب الجدري وقد غاب تحت الثرى، فإن الأم المكلومة مصابها أكبر، ففي كل لحظة يعيد لذاكرتها مشاهد من ذكريات فلذة كبدها، تقول "هنا يصطاد الطيور؟ والشريط يعيد لها ما كان، هنا يلعب مع أصحابه".
ومع أن الموت يحصد الأرواح، إلا تأكيد هذا يأتي عبر جملة عابرة تحمل الفلسفة، فلسفة الموت والحياة، لا أدري لماذا تذكرت مشهد حفار القبور في رائعة شكسبير "هاملت" يقول المداوي "يزداد عدد الموتى ويقل عدد المشيعين"، في اختزال عبَّر النوخذه ما هو كائن، فلم يعد هناك أنفاس أخرى بعد أن حصد الوباء معظم الأرواح!.
إذًا نحن أمام شخصيات انسلخت عن الحياة، لأنها وجدت أن الراحة في الرحيل عن الدنيا، أم سعيد فقدت حلمها برحيل "سعيد"، أما المداوي وإن كان عبر جل حوارته مع أم سعيد فهو "اليأس في المطلق"، لا أسرة ولا أهل، هارب من قدره إلى الارتماء في حضن الموت، لعله يجد الراحة، ورحلته في إطار الهروب من واقع لا ذنب له فيه أمرّ من مأساة "أم سعيد".
هناك لعبة يمارسها "المداوي" وهو كالطير يرقص مذبوحًا من الألم، أو كما نقول في المثل الشعبي "عندي دوا الناس ما عندي دوا روحي"، لا أدري بمقدور من أن يحكم على نصوص هذا الكاتب، فهو يخلق نقلات في الحوار، كي تؤكد حالة، فالمداوي وهو يقدم نصائحه لأم سعيد بالابتعاد، لكن المرأة المكلومة في إطار الحوار، يسرد على مسامعه أمرًا آخر، "كان ذا قامة مديدة كأنه والده"، هذا الانفصال أو اللامبالاة، جزء مقصود، من قبل النوخذه بو إبراهيم.
وأنا أقرأ النص، طاف بذهني سؤال، من يحكم على نصوص هذا النوخذه عبر ما قدم من نصوص للمسرح القطري والتي تعتبر علامات فارقة، المضحك أن بعضهم لم يشاهد عروضًا تُعدّ على أصابع اليد، ولكن هذا ليس طعنًا في قدرات البعض، فلا ذنب لزيد أو عبيد في اختياره، ولكن ما يشكل نقطة سوداء ألا يكونوا مدركين أبعاد الحوار، وهذا الحوار عبر الاختزال، تقول أم سعيد "كان للأيام القادمة، عكازي في الكبر، كنت أحلم بأولاده، لكنه ذهب"، ويحتدم الحوار، حول المكان - البطل - بين كليهما حتى إن أم سعيد ترفض الهروب، فالقبر يضم جثة ابنها، وتقول "وأنا كان لي ولي ولكنه أصبح هنا"، أما المداوي، فليس له أحد في دنيا الأحياء".
المكان، البطل ولأول مرة تتحول المقبرة بوحشتها ونفور الناس منها إلى ديكور يجسد الأحداث، فإذا كان المكان يخلق الإحساس بالأحداث، فهنا المكان يجسد الصمت، ولكن الحياة من خلال فلسفة الموقف بدلالاته، يقول المداوي: "أشفقت على نفسي، ليس لي ولد أو قريب"، ويبرر وجوده في المكان، بأنه لن يكلف أحدًا شيئًا، فهو سيكون جزءًا ممن رحلوا، أما أم سعيد، فعبر حوار فلسفي تقول، "ليتني مثلك، ليس لي أحد".
هروب المداوي إلى هذا المكان، لأنه انسلخ عن الحياة عندما هرب وهنا يجد في هذه اللحظة من عمر الزمن يجد رفقاء تحت الثرى، بعد أن هجرهم، وماتوا في قلبه! هل هي ذات الفلسفة التي طرحها ذات يوم "جان بول سارتر –الجحيم هم الآخرون" وهل حقًا تلظى بجحيم الأحبة؟ مجرد سؤال!.
ولذا ففي غربته هنا يجد المواساة.
النوخذه في الانتقالات عبر محاور الحوار يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الكاتب وهو يخلق الشخوص والأحداث، كيف يجعل المتلقي في لحظة انتظار لما يأتي، تقطع أم سعيد حوارهما باسترجاع سيرة راحلها العزيز سعيد، "شغلت نفسي بالبحث عن الفتيات عمن ستكون عروسته".
ومع أن معظم الأحلام تتبخر، فإن لحظات الصمت، وتلك المواويل الشجية تشكل حقًا إطارًا تكامليًا للمشهد، والسؤال الأهم، ما الذي أضافه خروج المؤذن الأعمى من القبر؟ إنه الضلع الثالث من مأساة الإنسان، موت سعيد الركن الأول في فاجعة "أم سعيد"، ومأساة المداوي وما حدث له وجعله يهرب ويفرّ خارج "الوطن، بفعل الآخر، أما هذا الأعمى، فالمأساة تتجسد من خلال "الأهل"، إن "المجدور" وهنا يطرح المداوي سؤاله اللغز، أنت حيّ، من دفنك وأنت حيّ؟ ويكون الرد المجدور: أبنائي وأحفادي.
الآن أصبح الحوار في اللعب بالمصائر، واضحًا وصريحًا بين الثلاثة، الخوف من الوباء عند المداوي وأم سعيد، بل إن أم سعيد تهدده "أكمل حكايتك ولا تقترب أكثر"، إنها غريزة حب الحياة، بين ما كانت تتمنى في البداية والآن، قد تغير الحال.
أما المجدور فهو يقوم بتغيير الحوار عندما يتحدث عن الطريق الذي كان يسلكه عندما كان مؤذنًا وسميت "درب المؤذن" أما كيف مثل لأولاده وأحفاده دور الميت حتى يهربوا بجلدهم، حتى علقت ابنته الكبرى بالقول "الحمد لله لقد ذهب، ارتاح وأراحنا"، هذا المجدور الأعمى يرد على المداوي عندما استفسر منه لماذا لم يبق تحت الثرى كما كان فعلاً؟ فيكون الرد من قبل المؤذن الأعمى "هل تعرف مصيرك".
نعم الموت والحياة بيد الخالق، إذًا لا مفر مما هو مكتوب للإنسان ولا يموت الإنسان إلا باللحظة المحددة له، ولذا لم يجد المجدور شكلاً آخر لمساعدة أبنائه وأحفاده سوى أن يدفن وهو حيّ!.
وعندما يكاشف المداوي أن "الجدري" لن يتمكن منه للمرة الثانية بعد أن أصيب به وهو طفل وسلب منه نعمة البصر، يكون رد المجدور: بحزن "وما الفائدة الآن، لقد ذهبوا، ذهبوا"، ثم يحدد مأساة كل فرد في إيجاز أنت ودعت أرضك وحبيبك منذ زمن بعيد وهي بالأمس ودعت وحيدها، وأنا ودعتهم داعيًا الله أن ينجيهم، ولا ندري من منا سيلاقيهم أولاً.
إنها حكمة تلفظ بها الأعمى وكأنه يبصر الواقع، ويعري واقع كل فرد منهم، لأن لكل فرد مأساته الخاصة، والمكان –البطل- قد جمعت فيما بينهم لكي يسرد كل واحد منهم مأساته، وعندما تعلق أم سعيد بأنهم هناك أحياء، يقول المجدور، "وما الفرق البعيد كالميت"،
ما أروعك يا أبا إبراهيم وأنت تحلّق بالمفردة وتعيد صياغة الحكمة شعرًا ونثرًا ومن هو الأقدر على صياغة مثل هذا الحوار الفلسفي العميق والأجمل أن الثلاثة قد اجتمعوا برغبتهم، المداوي وقد هرب إلى هنا يتمنى الرحيل وحيدًا، وأم سعيد قد أتت وتحف بها حلم لن يتحقق بعد أن دفنت فلذة كبدها، والمجدور الأعمى حضر برغبته.
والملاحظ أن الحوار يأخذ منحى آخر، فكل منهم يتحدث بخلاف السياق المنطقي للحوار والمواقف، إنها عبثية الأقدار، وكأنما لغة المخاطبة مفقودة فيما بينهم.
المداوي: هل أنجبت؟
أم سعيد: ليت المنيا ما عرف درب.
المجدور: ما الوقت الآن؟
المداوي سؤاله استفساري عن زوجته التي هجرها، وأم سعيد كانت تتمنى أن يعيش (سعيد)، أما الأعمى فسؤاله العبثي عن الوقت.
هنا مقبرة، هنا جثث أسلمت القيادة للموت، وهنا حياة عبر صوت قادم يترنم بالغناء، وتؤكد أم سعيد أن الحياة لابد وأن تعود يومًا وأن الأرجل تطرق أرض الوادي مرة أخرى.
وينهمر المطر، ليغسل كل شيء كما في الحكايات الشعبية أن نزول المطر سوف ينظف الأرض من الأوبئة والأمطار، أو كما في مسرحية "عربة الصلصال الصغيرة" للكاتب الهندي شودراك، عندما ينهمر المطر فيغسل كل ما علق بالنفوس ويحدث التطهر.
النوخذه بو إبراهيم، كان غيابك فراغًا حقيقيًا في مسارنا، ذلك أن غياب الرموز موات حقيقي للإبداع، وهذه العودة حتى على استحياء من قبلهم تأكيد أن الرموز هم من يخلدون الإبداع، وأنت ستظل الرمز الأكثر تأثيرًا في حياتنا.
وأخيرًا تحية خاصة لنجوم اللعبة الفنان أحمد عفيف، وجاسم السعدي، وزينب العلي، وكل من ساهم في خوض غمار هذه التجربة بكل أبعادها.
ذاكرة الأيام 2
لدينا الآن العشرات من الأندية والملاعب.. والدولة تقدم كل ما كنا نحلم به ذات يوم في تلك الأيام..عبر... اقرأ المزيد
936
| 25 أغسطس 2025
ذاكرة الأيام
أعود سنوات وسنوات إلى الوراء لاكتشف أن الأسماء الأبرز لقراءة القرآن الكريم معظمهم من مصر بدءا بالشيخ عبد... اقرأ المزيد
546
| 19 أغسطس 2025
لماذا نقرأ... (2)
عندما يجتمع الشمل في مجلس «بو علي» أسبوعيًا فإن «بو محمد» يستحوذ على الاهتمام ويكون نقطة الارتكاز، و»فواز»... اقرأ المزيد
483
| 11 أغسطس 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8925
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4848
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4152
| 23 سبتمبر 2026