رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

285

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

مدفع رمضان... بين الحاجة التقنية وذاكرة المكان

22 فبراير 2026 , 03:51ص

منذ أكثر من خمسة قرون، ارتبط صوت مدفع رمضان بوجدان الناس في مصر، حتى أصبح علامة يومية تسبق لحظة الإفطار وتعلن قدوم المغرب في شهر الرحمة. وتعود الروايات التاريخية إلى عهد السلطان المملوكي خشقدم في القرن الخامس عشر الميلادي، حين أُطلق المدفع مصادفة عند غروب الشمس، فظن الناس أنه إعلان رسمي للإفطار، فأُعجبوا بالفكرة، وتحولت المصادفة إلى تقليد استمر عبر العصور، من العهد المملوكي إلى العثماني ثم الحديث.

لم يكن المدفع في بداياته مجرد طقس احتفالي، بل كان وسيلة عملية لضبط الوقت في مدينة كبيرة لا تصل أصوات الأذان فيها إلى الجميع. في زمن لم تكن فيه الساعات منتشرة ولا وسائل الاتصال متاحة، كان الصوت المدوي وسيلة فعالة تجمع الناس على مائدة واحدة في لحظة واحدة. وهكذا أصبح المدفع أداة تنظيم اجتماعي قبل أن يكون رمزًا تراثيًا.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زلنا بحاجة إلى مدفع رمضان بعد هذا التطور التقني الهائل؟ في عصر الهواتف الذكية، والتطبيقات التي تحدد مواقيت الصلاة بالدقيقة والثانية، والبث المباشر للأذان عبر القنوات والمنصات الرقمية، لم تعد هناك حاجة عملية لإطلاق مدفع لإعلان الإفطار. بل إن بعض المدن أوقفت استخدامه الفعلي واستعاضت عنه ببث رمزي أو تسجيل صوتي حفاظًا على السلامة العامة.

ومع ذلك، فإن الحكم على مدفع رمضان بمنطق “الحاجة التقنية” وحده يُغفل جانبًا مهمًا، وهو البعد الثقافي والوجداني. فليست كل العادات تُقاس بمدى ضرورتها المادية، بل بقدرتها على ترسيخ الهوية وحفظ الذاكرة الجماعية. مدفع رمضان اليوم هو جزء من المشهد الرمضاني الذي ينتظره الأطفال، وتحن إليه الأجيال التي تربت على صوته. إنه طقس يربط الحاضر بالماضي، ويمنح الشهر الكريم طابعًا مميزًا لا توفره الإشعارات الرقمية الباردة.

إن المجتمعات التي تفقد رموزها تفقد شيئًا من روحها. والتحدي الحقيقي لا يكمن في إلغاء المدفع أو الإبقاء عليه، بل في إعادة توظيفه ضمن رؤية تحافظ على التراث وتنسجم مع معايير العصر. يمكن أن يكون إطلاقه فعالية تراثية منظمة، أو عنصرًا سياحيًا يعكس تاريخ المدن الإسلامية، أو مناسبة تعليمية لتعريف الأجيال الجديدة بتاريخ عاداتهم.

كما يمكن استثمار هذا التقليد في تعزيز الهوية الوطنية والثقافية، من خلال إدماجه ضمن برامج الفعاليات الرمضانية، وربطه بالمبادرات المجتمعية التي تعزز روح التكافل والتراحم. فصوت المدفع قد يتحول إلى رسالة رمزية تعلن بداية لحظة تجمع عائلي، وتؤكد قيمة الاجتماع حول مائدة واحدة، وهو معنى يتجاوز الزمن والتقنية.

مدفع رمضان لم يعد ضرورة لضبط الوقت، لكنه ما زال ضرورة معنوية تُذكرنا بأن للتاريخ صوتًا، وللعادات قيمة تتجاوز وظيفتها الأولى. ففي زمن تتسارع فيه التقنية وتتغير فيه أنماط الحياة، يبقى من حق الذاكرة أن تحافظ على بعض طقوسها، لا لأنها تؤدي وظيفة عملية، بل لأنها تمنح الحياة معنى وامتدادًا عبر الزمن، وتؤكد أن الحداثة لا تعني القطيعة مع الماضي، بل يمكن أن تكون امتدادًا واعيًا له.

مساحة إعلانية