رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تحل ذكرى الثورة المصرية في 25 يناير الحالي، يكون الرئيس محمد مرسي قد أمضى في منصبه سبعة أشهر فقط، الأمر الذي لا يسوغ لنا أن نصدر حكما منصفا على تجربته، إلا أن ذلك لا يمنعنا من أن نسجل بعض الملاحظات التي برزت خلال تلك الفترة.
(1)
أدري أن كلمة «الإنصاف» لم تعد تلقى ترحيبا من جانب بعض العدميين، الذين يصرون على أن الثورة أجهضت أو سرقت. وأن مصر انتكست حتى أصبحت أوضاعها أسوأ مما كانت عليه في السابق، أو الأسوأ على مدى تاريخها. وعند هؤلاء فإن الهجاء وكيل السباب والشتائم هو الموقف «الموضوعي» المقبول، وما عداه صار من تجليات الأخونة وأصداء الفاشية الدينية التي يلوحون بها. وهذا اقتباس بسيط ومهذب من أدبيات خطاب شيطنة الآخر الذي صرنا نطالعه كل يوم في العديد من وسائل الإعلام.
أكثر ما يدعو إلى الأسف أن أمثال تلك السهام الملوثة التي يراد لها أن تستهدف السلطة القائمة يرتد أثرها على الثورة المصرية وليس على الرئيس وجماعته فقط. والمتابع لبعض المطبوعات التي تصدر في العالم العربي يلاحظ حفاوتها الشديدة بمفردات ذلك الخطاب، الذي يصدر في مصر لتصفية الحسابات مع الإخوان، لكنه يوظف في خارجها للحط من شأن الثورة وتشويهها، من ثَمَّ لتحذير الجماهير العربية من التطلع إلى ذلك الطريق الذي لم يجلب لمصر سوى الندامة والنحس، عبرت عن ذلك إحدى الصحف المصرية هذا الأسبوع.
الذين يعممون ويوظفون خطاب الشيطنة الرائج عندنا لا ينتبهون غالبا إلى أن الحدث المصري الذي سارع إلى التقاط الشرارة من الثورة التونسية يدشن تحولا تاريخيا ينتقل بمقتضاه العالم العربي من مرحلة مقاومة الاستعمار إلى مرحلة أخرى شعارها مقاومة الاستبداد والظلم الاجتماعي. وهذا التحول إذا كان قد تجلى في انتفاضات أسقطت بعض الأنظمة العربية، فإن تجلياته مشهودة أيضا في بقية أقطار الوطن العربي، من أقصاه إلى أقصاه. وهي الأقطار التي تتعلق أبصار شعوبها بالتجربة المصرية في حين أصابها تسونامي من الدعوة إلى التغيير، التي ترددت أصداؤها قوية وملحة عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من قنوات التعبير الآخر، وتعاملت معها السلطات المحلية بدرجات متفاوتة من اللين والشدة.
(2)
لن نتوقف أمام العدميين الذين يصرون على تيئيسنا وتسويد الصورة أمام أعيننا، لكن الإنصاف الحقيقي يفرض علينا أن نرى الصورة من جوانبها المختلفة، الإيجابي منها والسلبي ــ في الشق الأول لا نكاد نجد إنجازا مهما على صعيد السياسة الخارجية إلا في الموقف إزاء القضية الفلسطينية، حيث لا ينكر أحد أن مصر في الوقت الراهن خرجت من التحالف مع إسرائيل ضد المقاومة الفلسطينية، وصار موقفها من فصائل المقاومة أكثر استقامة ونزاهة. أما في الشأن الداخلي فبوسعنا أن نرصد إيجابيات عدة، سواء على صعيد الحريات العامة التي علا سقفها حتى بدت بغير سقف في أحيان كثيرة، تشهد بذلك الممارسات التي تحفل بها الساحة الإعلامية والكيانات التي تظهر كل يوم في الساحة السياسية، والتظاهرات التي ذهبت بعيدا في أهدافها، حتى لم تستثنِ المحكمة الدستورية ومدينة الإنتاج الإعلامي ومقر رئاسة الجمهورية، ورغم أنني أرفض بعض تلك الممارسات ولا أؤيد التجاوزات التي وقعت خلال بعضها الآخر. كما أنني أتفهم موقف الذين ضاقت صدورهم بها، لأن الأمر كان جديدا عليهم وصارما لهم، إلا أن كل ذلك جاء دالا على أن ثمة روحا جديدة بدأت تسري في مصر، ربما احتاجت إلى بعض الوقت لكي تتصف بالنضج والرشد.
على صعيد آخر، أعترف بأن في نفسي شيئا يتحفظ على كثرة الإضرابات والوقفات الاحتجاجية وعمليات قطع الطرق التي يعمد إليها الغاضبون من الأهالي من الحين والآخر، إلا أن ثمة وجها إيجابيا لهذا السلوك يتمثل في الجرأة التي واتت الجميع. وجعلت الناس يصرُّون على رفع أصواتهم ونيل حقوقهم وأقنعت كل مواطن بأنه شريك أصيل في الوطن وليس جزءا من القطيع. ورغم الأضرار الاقتصادية التي ترتبت على ذلك، وهي ليست هينة، إلا أن التحدي الذي نواجهه في الوقت الراهن صار يتمثل في كيفية الوفاء بحقوق العاملين وإنصافهم، وفي الوقت ذاته ضمان استمرار واستقرار الوحدات الإنتاجية.
في الجزء المليء من الكوب لا يفوتنا أن نذكر إنجازين مهمين حدثا خلال الأشهر السبعة الماضية، أحدهما يتمثل في إنهاء حكم المجلس العسكري وإحالة قيادته إلى التقاعد. بما استصحبه ذلك من إعادة للجيش إلى ثكناته لكي يستمر في أداء واجبه الوطني خارج السياسة. أما الإنجاز الثاني فيتمثل في إنهاء الدور السياسي للشرطة، وحصر مهمتها في حماية الأمن الداخلي بعيدا عن استهداف أو قمع قوى سياسية دون غيرها. وإن ظل تحفظنا قائما على الأساليب التي لا تزال تستخدمها الشرطة متأثرة بمدرسة القمع القديمة.
بعد إجراء الانتخابات الرئاسية فإن الحفاظ على مجلس الشورى المنتخب، وتخويله سلطة إصدار التشريعات بصفة استثنائية إلى حين انتخاب مجلس النواب الجديد، ثم الانتهاء من إعداد الدستور بواسطة لجنته التأسيسية والاستفتاء عليه الذي انتهى بتأييد الأغلبية النسبية له، هذه الخطوات حتى إذا اختلف الرأي حولها، فإن أحدا لا ينكر أنها شكلت مقاربات باتجاه إقامة مؤسسات الدولة، التي كان النظام السابق قد عمل على تقزيمها وتهميشها.
(3)
بالمقابل ظهرت في الساحة المصرية شقوق وسلبيات كانت سحبا من رصيد التجربة وليس إضافة إليها. وقد برزت تلك السلبيات في ساحات عدة، والأمثلة على ذلك متعددة، في مقدمتها ما يلي:
< أننا خسرنا التوافق الوطني، إذ انقسمت النخبة التي توزعت على فصيلين أو معسكرين، أحدهما للقوى العلمانية والليبرالية واليسارية الذين قدموا أنفسهم بحسبانهم يمثلون التيار المدني، والثاني للتيارات والتجمعات الإسلامية التي صنفت باعتبارها قوى دينية. وإذا كان الانقسام بحد ذاته أمرا مؤسفا، إلا أن ما ضاعف من الأسف أنه قام على أساس الهوية وليس على أساس الرؤية أو الاجتهاد السياسي.
< سواء لأن الرئيس مرسي لم يقم بما عليه في تحقيق الائتلاف المنشود مع القوى الوطنية الأخرى، أو لأن ممثلي تلك القوى سعوا إلى محاولة حصاره وتوريطه في تحمل المسؤولية ليحملها وحده، هو وجماعته وحلفاؤه من السلفيين، فالشاهد أن الطرفين لم ينجحا في اختبار التوافق. ولا أتردد في القول إن مسؤولية الرئيس أكبر في هذا الصدد، لأن موقعه يسمح له بالدخول إلى التوافق في أكثر من باب.
< إضافة إلى ما سبق ثمة علامات استفهام حول الكيفية التي صدرت بها بعض القرارات السياسية المهمة عن رئاسة الجمهورية، الأمر الذي أثار مستشاريه بمن فيهم نائب الرئيس ذاته، وهو ما أدى إلى انفضاض بعض المستشارين وممثلي القوى الوطنية المستقلة من حول الرئيس. فخسر بذلك أصدقاءه، فضلا عن معارضيه، الأمر الذي أحدث فجوة بينه وبين المحيط السياسي. حتى بدا الدكتور مرسي وكأنه رئيس لفئة من المصريين وليس كلهم.
< لم ينجح الرئيس مرسي ولا حكومته في التواصل مع المجتمع الذي كان ينبغي أن يصارح بحقيقة ما يجري أولا بأول، على الأقل حتى لا يفاجأ ولا يضيق ذرعا بالقرارات التي تصدر، خصوصا ما تعلق منها بإجراءات التقشف وارتفاع الأسعار. وللأسف فإن رصيد التقاطع (مع القضاء والأقباط مثلا) كان أكبر وأوفر من رصيد التواصل.
< اتسمت بعض الخطى بعدم التوفيق (صياغة الإعلان الدستوري الشهير وطريقة إبعاد النائب العام مثلا) والتردد والارتجال في خطى أخرى (زيادة الأسعار ثم إلغاء القرار بعد ساعات من إعلانه). وهو ما أثار علامات استفهام حائرة حول كفاءة الطاقم المحيط بالرئيس، خصوصا مستشاريه السياسيين.
< ظهور السلفيين اللافت للنظر أفاد وأضر في ذات الوقت. ويساورني شك في أن الضرر فيه كان أكثر من الفائدة. هو أفاد من حيث إنه أظهر على السطح ما كان يتحرك بعيدا عن الأعين، فرأينا فيه ما لم يكن متاحا لنا أن نراه من قبل. أما الضرر فيه فراجع إلى أن خروجهم كان مفاجئا ولم يكونوا مستعدين أو مؤهلين له. فصدرت عنهم آراء وتحاربات شوهت التجربة وأساءت إليها. ونسبت تلك الإساءات ليس إلى أصحابها، ولكن إلى مجمل التوجه الإسلامي، ومن ثم فإنها استخدمت كفزاعة خوفت كثيرين وروعتهم، ليس بين الأقباط فحسب ولكن بين المسلمين أيضا. وإذا قال قائل بأن الترويع راجع إلى الاصطياد من جانب بعض وسائل الإعلام فلن أختلف معه، لكن أضيف أن أداءهم هو الذي وفر لهم الذرائع التي استخدموها في «الترويع والتخويف».
< أما «أم السلبيات» فهي أن إدارة الرئيس مرسي لم تنجح في أن تقدم إلينا حتى الآن على الأقل رؤية أو تصورا واضحا للمستقبل على مختلف الأصعدة، خصوصا في السياسة الاقتصادية حتى بدت وكأنها لا تحمل جديدا سوى أنها إدارة نظيفة وغير مستبدة.
وإذا كانت قد قدمت أداء أكثر نزاهة في الشأن الفلسطيني فإن ذلك يحمد لها لا ريب، إلا أنني أرجو ألا تكون قد اضطرت إلى ذلك لكي تخرج من عباءة «الكنز الإستراتيجي» لإسرائيل، الذي يعد من صميم الحرام السياسي.
< لا نستطيع أن نطوي صفحة السلبيات دون أن نشير إلى بروز دور فلول النظام السابق، ومحاولتهم اكتساب الشرعية سواء من خلال تأسيس حزب لهم، أو من خلال تحالف بعض المعارضين العلمانيين معهم لمواجهة الإخوان باعتبارهم خصما مشتركا للطرفين.
(4)
أدري أننا نتحدث عن تركة ثلاثين سنة حولت مصر إلى أنقاض لم ينافس الخراب الاقتصادي فيها سوى الخراب السياسي والاجتماعي، ولا أستطيع أن أتجاهل حقيقة أن الرئيس محمد مرسي تسلم منصبه منذ سبعة أشهر فقط. ولا يزال أمامه أكثر من 40 شهرا أخرى لتنتهي مدته، ولا أنسى مقولة الرئيس البرتغالي السابق جورج سامبايو التي ذكر فيها أن بلاده احتاجت إلى سبع سنوات لوضع القطار على السكة وبناء الدولة بشكل صحي. ورغم أن ما أوردته هو مجرد ملاحظات وليست أحكاما، إلا أننا ينبغي أن نعذر إذا رفعنا سقف توقعاتنا طالما أن الرئيس وحكومته لم يصارحونا بحقائق التركة التي تسلموها. ولم يخبرونا بالأمد الذي علينا أن نتوقعه لكي نضع قطارنا على السكة. ولم يحدثونا إلا مضطرين مؤخرا، حين استحكمت المشكلة الاقتصادية وسرت شائعات تحدثت عن أن مصر على وشك الإفلاس. وهو ما تم نفيه رسميا، إلا أننا صرنا نرقب الجنيه المصري، وهو يترنح هذه الأيام ولا يزال مصيره مجهولا.
لا يستطيع مثلي أن يقترح مخرجا من عنق الزجاجة الذي صرنا إليه. لكنني أفهم أن الظروف الاستثنائية ينبغي أن تواجه بإجراءات استثنائية، باعتبار أن الحديد لا يفله إلا الحديد. إلا أنني أزعم أن أداء الرئيس مرسي والحكومة ــ الذي نراه على الأقل ــ يتسم برتابة محيرة في مواجهة العواصف التي تحيط بنا. إذ ألاحظ أنهم يتصرفون بهدوء شديد وأعصاب باردة، كأن أوضاعنا مستقرة وأمورنا على خير ما يرام، وكأن ما يعترضنا مجرد سحابات في الأفق سرعان ما تتبدد وتنجلي بقدرة قادر.
لقد تمنيت أن تبدأ السنة الثالثة من عمر الثورة بخطوة شجاعة يدعو فيها الرئيس مرسي إلى إبرام عقد اجتماعي جديد مع مختلف القوى السياسية، يكون إعلانا عن الانتقال إلى طور جديد في مسيرة العمل الوطني يقرب إلى أذهاننا فكرة وضع القطار على السكة. ليس لأجل مصر وحدها، ولكن لأجل الأمة العربية بأسرها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3471
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1323
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1110
| 06 أكتوبر 2026