رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحجُّ مواقفُ إنسانيةٌ عظيمةٌ. علاماتٌ خالدةٌ دالةٌ على منتهى الامْتثالِ ومُطْلَقِ الخضوعِ لإرادةِ الحقِّ.. استعادة أدائها في الحجِّ تخليدٌ وتمجيدٌ وتكريمٌ واحتفاءٌ بعظمةِ دورِ الإنسانِ ومكابداتِهِ وتضحياته في وِجهتِهِ إلى الله.. إنها من محدداتِ الطريق. علاماتٌ هاديةٌ. ونقاطُ ارتكازٍ، هي المِهَادُ الذي تأسَّسَ عليهِ البناءْ. وهي مواريث النبوة التي ألْهَمَتْ، وما زالت، تُلهمُ البشريةَ حقيقةَ العبوديةَ للهِ. ومعنى إسلامِ الوجهِ والوِجْهَةِ لهُ وحدَه.
إن تعظيمَ تلكَ الشعائرِ يتطلبُ حضورًا رُوحيًّا مُدْرِكًا، يستبْطِنُ المعانيَ العميقةَ، متجاوزا المُلامَسةَ الحِسِّيِّةَ والتَّمَسُّحَ الظاهريَّ بِقصدِ البركة.
الحجُّ من دون حضورِ الروحِ ونفاذِ الرؤيةِ، والدخولِ في العوالمِ المترابطةِ للشعائرِ والمناسكِ، وبدون الاندماجِ الروحيِّ والوجدانيِّ عند تأديتها، يغدو مجردَ ركضِ أجساد، مجردَ جُهدٍ عضليٍ يقْصُرُ عن بلوغِ كثيرٍ من مقاصدِ الحجّ.
بقلبي "مِنَى"
لكأني معكُمُ الآنَ. أُبَلّلُ بالدمعِ خَدَّ الطريقِ.. أحتضنُ السماءَ وكلّيْ هُتافٌ حبيبٌ "لبيكَ اللهمَّ لبيكْ".. كمْ تعالى النشيجُ وكم سفح الدمعُ جَذَلًا وهُيامًا.. كانتِ العَبَرَاتُ فاتِحَةَ العُبورِ. كان صوتُ صاحبكم غيرَ صوتِهِ.. كان صوتُ أشجانِهِ وصباباتِهِ. صوتُ محبتِهِ، يتلامع بين السماءِ والأرض.
وكلما بلغَ "إنَّ الحمدَ والنعمةَ لكَ والملكُ. لا شريكَ لكْ" اهتزَّتْ كلُّ جوارحِهِ هِزاتِ امتلاءٍ. وفاض القلبُ بدمعٍ حبيبْ.
"عَرَفَةُ" و"مُزْدَلِفَةُ" مهرجانُ حُبٍ أبيضٍ
خلاءٌ بسيطٌ.. فقيرٌ.. لا شيْءَ، غير جُبيِلٍ أو جُبيِلين.. تتناثرُ الأحجارُ مُعَبِّرَةً عن تساهُلٍ وتواضُعٍ. ونزوعٍ نحوَ التَّفَلُّتِ من السلوكيات الجَبَلِيَّةِ المَعْهودةِ. المُتَّسِمَةِ بالتَّصَلُّبِ والجمودِ والقساوةِ والتعالي، وغِلْظةِ الطبعْ.
إنّهُ الجبلُ الدانِيْ، والصحراءُ المتراميةُ القَصِيَّةُ: رمزان رُوحيّانِ متَّصِلانِ، يُفضي كلٌّ منهما إلى الآخرِ بحبٍّ وقُرْبْ.
الصحراءُ والجبلُ القريبُ. مَدَىً للروحِ والعقلِ.. مَدَىً محكومٌ، لا يستحيلُ متاهةً. ومرتفعٌ خفيضٌ لا يُغْرِي بالانْعِزَال. ولا يُوهِمُ بملامسةِ السماءَ. ولا يُمَكَّنُ من الطيرانِ بعيدًا عن الترابِ. بيئةِ الكدَحِ والركضِ. أرضيةِ الانْعتاقِ ومنصَّةِ الانطلاق.
في هذه المشاعرِ - وهي جمْعُ مِشْعَرْ - ما يُحِيْلُ على عَالَمِ الشعور.. أداءٌ تعبديٌّ مُحَمَّلٌ برمزيَّاتٍ كثيفةٍ. في أمكنةٍ روحانيةٍ خالصةٍ. مسكونةٍ بالسرّ.
في هذه الأمكنةِ.. لا مظهرياتٍ ولا شكلياتٍ، لا قشورَ تُفسدُ الرؤيةَ. لا أُبَّهَةَ أو فخامةً تحجبُ الجوهر.. لا شيْءَ مما تراهُ في الأمكنةِ ذات القداساتِ المُخترعةِ. حيثُ الإبهارُ عنصرَ إثارةٍ مهمٍ لتحريكِ الروحِ وتهييجِ الشعورِ. وفرضِ نوعٍ من السطوةِ.. لا شيء من الخارجِ يستحوذُ على العقلِ والقلبِ.. هيِ البساطةُ طريقُنا إلى المعنى الكبير..
في "عَرَفَةَ" و"مُزْدَلِفَةَ" تلوحُ عظمةُ المكانِ البسيطِ المُكتفي بروحِهِ ومظهرِهِ.. المكانُ غيرُ المُتَكَلَّفِ. الدالُّ على الكينونةِ. حيثُ عُذْرِيَّةُ الظاهرِ والحفاظُ عليها، هدفٌ أساسي للوصولِ لعُذْرِيَّة الروح.
هنا تبدو البدائيةُ والبداوةُ. دوالَّ أساسيةً لحياةِ البدءِ. للانبثاق البدئي. لاستكناهِ البدايات.
هنا المكانُ البسيطُ يعبَقُ برائحةٍ أصيلةٍ.. هنا تُوْلَدُ من جديد. من قلبِ مكانِ الولادةِ. هنا تقرأ مسارك، تستنطقُ تاريخِ البشريةِ الطويلِ في طريقها إلى الله.. هنا ترحلُ في ذاتِ الطريقِ. في ذاتِ النهرِ المتدفقِ من بعيد.. هنا أنت بعضُ النهرِ، متفجرًا من ذاتِ النبعِ وعائدًا إليه.. هنا الحجُّ طريقُ القلبِ. لا يحتاجُ إلى بهارجَ.. لا يزال على حالِهِ يَعُجُّ بالرسالاتِ. بالآباءِ، الأنبياءِ، بالأرواحِ الباسلة التي تولتْ بناءَ الإنسانيةِ. وعلمتْنا أن نُواصلَ السيرَ في موكبِ العظمة.
يا الله.. كم اعْتَرَتْنِي مشاعر وتخطَّفَتْنِي أفكارٌ وخواطرُ أجَّلْتُهنَّ طويلًا. وهذه مواجيدُ وأشجانٌ. هُنَّ بناتُ هذا الصباحِ. الذي يُشرقُ بكم على صعيدِ "عَرَفَةَ" ويا لَهُ من فجرٍ آخرَ يُشرقُ داخلَ الروحِ. تخرجُ فيه لتجدَ أسرتَكَ الكونيةَ. في مهرجانِ حبٍ أبيضَ بلونٍ واحدٍ. وسمتٍ واحد. وَوَجِيْبٍ واحد. تجدُ روحك في كرنفالِ هيامٍ كبيرٍ. تطيرُ كالفراشةِ. في أُفقٍ من الرَّحَمَاتِ مُخْضَلٍّ بَهِيٍّ. هو يومُ "عَرَفَةَ". استعراضُ محبةٍ في ذاتِ الفضاءِ المسكونِ بِخُطى القُرونِ المُحِبَّة.. تدرِكُ لِمَ كان الحجُّ عرفةَ، ولِمَ استحق الواقفون تلك الحفاوةِ الربانيةِ الغامرة، حيث "يباهي الله ملائكتَهُ عشيةَ عرفةَ بأهلِ عرفَة، فيقولُ: "انظروا إلى عبادي، أتوني شُعْثًا غُبرًا ضاحين من كل فجٍ عميقٍ، أُشهِدكُم أني قد غَفَرتُ لهم"، كما جاء في الحديث الشريف.
وفي "مُزْدَلِفَةَ" يَفْتِنُكَ جَيَشَانُ الأرواحِ.. يلوحُ مشهدُ أوْبَةٍ صخَّابٍ، عَرضٌ حَشْرِيٌ يبعثُ الرَّوْعَ والرهبةَ.. تُقَارِبُ فيهِ القيامةَ وأنتَ في أقرب مقامْ.
في الحجِّ.. تتلمَّسُ الروحُ مساقِطَ العافيةِ عبرَ الأزلِ.. تستعيدُ حَجَّها إلى الله مُذ كانت.. تُرجِّعُ قصةَ أبيها الكبيرِ إبراهيم، قصتَهُ مع التسليمِ.. صراعَهُ وهو يضعُ قواعدَ البناءِ، يفْتَرِعُ الطريقَ، يُسَمِّيْ الطُّرَّاقَ {ملةَ أبيكم إبراهيمَ هو سمَّاكُمُ المسلمين من قبلُ}.
في الحجِّ.. نُعِيدُ محاكاةَ القصةِ، نؤدّي ذاتَ الدورِ. نؤكدُ إسلامنا وتسليمِنا لله وحدَهُ. نستعيدُ الروحَ. نُلملِمُ المعنى، نؤكدُ انتماءَنا لذاتِ المدِّ. نبرأُ من الشركِ والكفرِ والعقوقِ. نرجُمُ الشيطانَ الذي يسكنُ نفوسَنا وحياتنا..
يا الله.. ها أنذا أرجُمُ شِقوتي، زَيغي، ضَلالي، وَهَني وهَوَاني، ذِلَّتي لِسواك، ورُكوني لِغيرك. أرجُمُ كل ما يُبعِدني ويحجُبني عنك.. أرجُمُ نكوصي وتخاذُلي عن فِعلِ الحقّ، ونُصران القيمةِ والمعنى.. مع كلِّ حَجَرٍ كانت تنداحُ داخلي، دوائرَ من ضوءٍ، ومساحاتٍ من اخضرار..
يا الله.. ها نحن نُضَحي من أجلك.. نذبَحُ شكوكَنا، ظنونَنا. تردُّدَنا، تقاعُسنا، خُذلاننا، نَحْلُق هَوَى النُّفوسِ، والأوهامِ الخادعةِ، نُحدّقُ في جَمالِنا الداخِلي، نُعلِنُ مواصلةَ افتدائِنا للحقّ، نجددُ العهدَ على السَيرِ في ذاتِ الدربِ الممتدّ..
كنتُ أتقشَّر.. الطبقاتُ السميكةُ التي تلُفُّ الروح تنصهرُ في الأجواءِ النَّورانيةِ، تتفتت، تسيح تحتَ سيلِ الدَّمعِ الحارِّ.. تسقُطُ الكثافةُ. تشِفّ، تشِفّ. ترِفُّ. تشعُرُ بجوهرك اللطيفِ. تُحسُب الرهافة. ترتفعُ حساسيتك. يتغيرُ إحساسُك. شُعورُك. استجاباتُك. رؤيتُك. سَمْتُك.. يهزُّك الحجُّ. يُزلزلُ كيانك. يُوقِظُ فيك العواصِفَ. يُفجّرُ أشواقَك.. يُعيدُ ترتيبَ فوضى الروحِ والعقلِ.. يُعيدُ صقلك. كي تُواصلَ اللمعان.. يُرمّمُ صُدوعَك. يُجمّعُ أشتاتك. يُعيدُ تسكينَك حيثُ تَعيَّن القدرُ والمصير..
يا الله.. ها أنذا خالصًا لك. كل ما فيَ يولدُ من جديد. كلُّ ما فيَّ يُشِعُّ بأنوارِك. يُسبحُ بحمدك. يُثني عليك.. "كل جَارحةٍ عينٌ أراكَ بها، كلّ خَفقٍ للثناءِ فم".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10467
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3495
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2514
| 08 سبتمبر 2026