رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ببالغ الأسى والحزن تنعى الساحة الإعلامية والصحفية، زميلتنا ورفيقة دربنا وأختنا الفقيدة الراحلة الكاتبة القطرية هند السويدي (أم عبدالرحمن). ويعلم الله أنّا فقدنا قامة وطنية قلما تجود علينا الأيام بمثلها، وقلماً نسائياً يعد من أبرز الكتاب في المجتمع، وفارسة ومدافعة عن القضايا الوطنية وهمومها وأتراحها وأفراحها بامتياز، وشخصية جريئة وشجاعة في التعبير عن الرأي وكلمة الحق في زمن أصبحت فيه المواقف وتبنيها من العملات النادرة.
يصعب التعبير والوصف والحديث في الأوقات التي تدعونا إلى أن نفضي بما تحمله خلجات قلوبنا عن رموز وأشخاص أثروا فينا، وتأثرنا بهم، وهم وإن رحلوا عن دنيانا وفارقونا بأجسادهم إلا أن أفكارهم لا تترجل، وآراءهم وتاريخهم تعيش في داخلنا وتصبح جزءاً من شخصيتنا وأفكارنا وآرائنا. المرحومة بإذن الله (أم عبدالرحمن) رافقتنا في السنوات الأولى في صحيفة الوطن، من خلال الكتابة الأسبوعية على الصفحة الأخيرة، التي كانت تحمل عنوان "نافذة على الوطن"، وانتقلنا بعدها إلى الصفحات الداخلية في الملحق الخاص بالوطن والمواطن، وكتابة المقالات الطويلة التحليلية، ورغم الارتحال من مجال إعلامي إلى آخر، ووصولا إلى صحيفة "الشرق" ظل التواصل بالكلمات والأفكار متصلاً، رغم بعد الزمان والمكان، وكم كانت آخر الأخبار سعيدة عندما سمعنا أن الزميلة (أم عبدالرحمن) ستنضم إلينا وتعزز من روح الفريق "الصامد" من الكتاب والأقلام الوطنية، الذين باتوا يعدون على الأصابع من خلال الكتابة الأسبوعية في جريدة "الشرق" ولكن قدر الله وما شاء فعل، ولا نقول إلا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ. وشكراً لزميلي رئيس تحرير "الشرق" في المبادرة التي أعلن عنها من خلال تجميع مقالات (أم عبدالرحمن) في الصحف المحلية وعبر المواقع المختلفة، وإصدارها في كتاب توثيقي، وكما كنت أتمنى أن تأتي المبادرات من خلال وزارة الثقافة المحسوبة علينا، ولكن لا يجوز على الثقافة في قطر إلا الدعوة لها عند التكبيرة الثالثة في صلاة الجنازة، الخاصة بالترحم على الميت!
من بين الكتابات والمقالات الصحفية والإبداعات الأدبية الرائعة التي سطرتها (أم عبدالرحمن)، عادت بي الذاكرة إلى القصة المؤثرة التي نشرتها قبل عدة سنوات وكانت بعنوان "الموتى لا ينطقون أبداً" ومن يقرأها يشعر بذلك النمط من الكتابة والصراع الإنساني الداخلي للتعبير الذي لا يتوقف حتى مع الوصول الى الرمق الأخير. وكأنها شهادة عن الهواجس الوجودية على حدث يقع في المستقبل، وليس في الماضي أو اللحظة الزمنية، فهل كان النص الأدبي تلويحاً مبكراً بالرحيل لم نستوعبه ساعتها، وحاولت الكاتبة أن توصله إلينا بطريقة أو بأخرى، من خلال أنين البجعة المحتضرة على لسان بطلة القصة؟! نظراً للمساحة الضيقة للنشر، أعتذر على الاجتراء على النص من خلال عرض بعض المقتطفات، فما جاء فيه موجود على الشبكة العنكبوتية لمن يحب الرجوع إليه، تقول الكاتبة على لسان بطلة القصة: "لست أدري ما يحدث لي.. كل ما أشعر به أن جسدي أصبح بعيداً عني وغريباً عني.. وكل ما أراه الآن عالم أبيض، حملني إليه ملك الموت على عجالة رهيبة، خطفت بصري وسمعي، وأوقفت نبض قلبي، وجعلتني أدخل سم الخياط، تحت قماش أبيض، تمتلئ رائحته بالكافور.. أنا لا أغمض عيني الآن ولا أفتحها.. إنها ليست لي الآن.. ولكن أرى من خلال ثقوب بيضاء الذين يتشحون بالسواد من حولي، يلقون علي الوداع الأخير، ويتسارعون إلى تقبيل جبيني.. ولكن حاملي "السقالة" قد عجلوا في حملي إلى حيث صمت القبور.. أنام هناك حتى الذؤابة.. واستقر في حفرة مع الموتى الذين يزفون الآن نبأ قدومي إليهم في السماء.. لا أعلم أهو شعور لذيذ أن ألتقي بمن سبقني إلى عالم البرزخ أم شعور مخيف، لن يزول عني ما بقيت في انتظار نهوض العالم معي إلى حيث الحساب؟!.. آه يا كلمة حساب.. أي حساب عسير ينتظرني الآن.. ويحك أيتها الذاكرة.. لقد أصابك العطب، وغاب عنك كل منطق تعلمته في صفوف المدرسة، وكل الأرقام، وكل الحروف.. ولكن هذا مصير محتوم لكل البشر، فالأكفان تنتظر أجساد البشر..
وأجفان السماء تهتز من الموتى الذين في البرزخ، يزفونني كنبأ ميلاد ميت جديد.. أما الذين في الدنيا فإن الأيادي تنتظر حفر قبر لي، واكتظ المكان وعج بالأجساد الذين ترامى إليهم نبأ وفاتي، وانتقالي إلى رحمة الله، وكتبت الصحف عني، أنني دخلت في ذمة الله، وسوف تلتحف المقبرة بجثة جديدة، وتنعم بجثة بيضاء سمينة تفوح منها رائحة الكافور، فلا أرض تحتي ولا سماء فوقي، ولا بحر أمامي ولا بر خلفي.. ولكن أعيش ازدواجية لا تعيها ذاكرة ولا يفهمها عقل.. الناس يرونني طريحة القبر، تلفحني الشمس بلسعات أشعتها تارة، وتبكيني الغيوم بغزارة أمطارها تارة أخرى، ولكنني أرى شيئا آخر.. فلا صمت القبور يخيفني ولا رائحة الموتى تزكمني، ولا أحسد الحشرات على سريانها حية فوق جثتي، ولا الديدان على نبشها لخيوط كفني.. وكل ما يخيفني أنني ألتحق بعالم الموتى.. والتقاء الأرواح فخلف بروج السماء في برزخ إلى يوم يبعثون.. لقد سقطت الشمس خلف الأفق وسقطت ورقتي أمامها..
.. أرى أمي تنتحب وأبي يبكي في صمت.. أرى إخوتي يغسلون أعينهم وقد فاضت من الدمع.. أرى أخي طريح الفراش يئن ويبكي بحرقة يود لو ينتفض من جسده، الذي أغرقته الغيبوبة في بحر لجي من الوجع، لعله ينفض عني غبار التراب ولفافة الكفن، ويقبل جبيني، ويهم بموادعتي الوداع الأخير.. أرى زوجي يبكيني، ويخبئ دموعاً أبت إلا أن تظهر للعيان.. وودت لو أخبره الآن أن لا مانع لدي أن يزفه الناس إلى عروس أخرى.. أرى أطفالي تعلوهم الدهشة، وأمارات الاستفهام ولسانهم لا يكف عن السؤال: أين ماما؟ ماذا تفعل في السماء؟.. آآآه إنهم يبكون بكاء الأحياء، وأنا أبكي بكاء الأموات.. ومنذ ليلتي هذه سوف يغيب عن ذاكرتي ركض الخيول الجامحة، ولست بحاجة بعد اليوم إلى دولاب ملابسي، وسوف.. لن أقبل جبين أطفالي، ولن أنتظر زوجي على فراش الغنج فعروقي الآن تذبل لقد انطفأت قناديلي.. وكل جزء من ترانيمي يدور في أفق السراب..
.. آآه.. أتحدث إليكم بهذيان غير هذيان البشر ولسان غير لسان الدم واللحم.. وإغماضتي الآن لا تعرفها عيون الأنعام، ولا أبصار البشر، ولكنها هي من أذاقتني طعم التراب، ولقنتني كيف أعيش أسفل الأرض مع الدواب.. وكيف أن ميلادي قبل ثلاثة عقود، يوم قد علم الناس كيف يحملونني، وهم يضحكون؟، وكيف أن رحيلي هذا اليوم قد لقن الناس سبيلاً كيف يحملونني وهم يبكون؟.. سأغمض عيني وأبقى طريحة القبر حتى أمد ولن ألتفت إليه.. وسأنتظر ريثما تصير الجبال عهنا، ويصير البشر فراشاً مبثوثاً.. فالموتى لا ينطقون أبداً.. ولكن ينتظرون أبداً..)
رحم الله فقيدة الوطن المبدعة (أم عبدالرحمن)، وأسكنها فسيح جناته، وألهم أهلها وذويها الصبر والسلوان.
Aljaberzoon.blogspot.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2535
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2325
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1191
| 11 أكتوبر 2026